المقالاتعادل احمد

الاخلاق والمعاير، مسألة طبقية!

عادل احمد

بما إن المجتمع الرأسمالي قائم على الطبقات والتفاوت الطبقي، فان كل شيء يُعرّف ويمنح له معناه،
حسب مفاهيم هذه الطبقات بصيغها المختلفة. وان الاخلاق والمعاير هي أيضا مفاهيم طبقية وان كل
طبقة لها تعريفها ومفهومها لهذه الاخلاق والمعاير. ان الاخلاق السياسية او اخلاق وقواعد الحرب
والمقاومة هي أيضا تخضع لهذا التصنيف الطبقي.
ان الذي تقوم به اسرائيل في غزة، هو مجزرة وجرائم حرب. ان قتل المدنيين من الأطفال والنساء
والشيوخ ليس حربا وليس دفاعًا عن النفس، ان تجويع الناس وحرمان المواطنين من الوصول الى الأكل
والمأوى والدواء وقطع الطريق الى المستشفى وحرمان المواطنين من ايجاد مكان آمن وترهيب الناس
كل دقيقة وكل ثانيه في الليل والنهار ليس حربا وإنما هي عملية إبادة جماعية بحق الفلسطينيين. ان هذا
هو معيار الأخلاق الإسرائيلية في حرب غزة وفي فلسطين.
يتحدث الاعلام والسياسيون والقادة الغربيون أمثال بايدن وماكرون وشولتز وسوناك و بوتين والاعلام
الرسمي لهذه الدول مثل BBC  و CNN  و dw و rt  وغيرها عن واجب مراعات الاخلاق ومعاير
الحرب و قوانين القتال والتي تم وضعها من قبل نفس هذه الدول ويكررونها يوميا. يصنفون احداث
معينة كحرب او قتال، واخرى جرائم حرب او اعمال ارهابية او قتل جماعي حسب مصلحتهم… لنرى
ماذا تعني الاخلاق التي يحكم بها على الحروب ومعاير جرائم الحرب والتي نسمعها دوما؟  عندما
استخدمت أمريكا قنابلها النووية في هيروشيما وناكا زاكي وقتلت مئات الاف من المدنيين في وقت

كادت اليابان على وشك الاستسلام؛ لا لكي تستسلم اليابان للحلفاء وانما لتخويف العالم بان أمريكا
بإمكانها تدمير العالم إذا وقف أحد ما امامها! روجوا طوال عشرات السنين لهذه القيم الأخلاقية أي ابادة
مواطني مدينتي هيروشيما وناكا زاكي كخطوة ضرورية من اجل وقف الحرب العالمية الثانية و”حقن
المزيد من الدماء” علما ان إرهاب هذه القنابل واثارها باقية على حياة أجيال من اليابانيين وحياة البشرية
جمعاء. ونفس الشيء ينطبق مثلا على قيام قوات التحالف بالقصف السجادي للمدن اليابانية او الألمانية
اثناء الحرب العالمية الثانية، او ما قامت به أمريكا في فيتنام او في العراق او أفغانستان او ليبيا. كل هذه
الجرائم المروعة تبرر وتعتبر مشروعة وتتماشى من اخلاق الحرب!  ان ما تقوم به إسرائيل اليوم بإلقاء
الالاف الاطنان من المتفجرات على البيوت والعمارات والمدارس والمستشفيات وعلى رؤوس أهالي
غزة بحجة محاربة إرهاب حماس، بالنسبة لها هي اخلاق الحرب لان حماس منتشرة بين الناس لهذا فان
قتل المدنيين امر مشروع. وان أمريكا بكل امكانياتها تدافع عن هذه الاخلاق وكذلك فرنسا وبريطانيا
وألمانيا.
ان الاخلاق في الحرب والقتال وضعها الساسة من هذه الدول، ولكن بشكل مطاطي يتم تعريفها كل مرة
حسب مصلحتهم ومن اجل أداء خدمة ما، مثل تقليل احتجاج الجماهير في بلدانهم والعالم. اذن الاخلاق
السياسية بالنسبة للطبقة البرجوازية هي الاخلاق التي تخدم مصالحها وتحمي مرتكبي الجرائم من
المحاسبة ويأتون بألف دليل وحجة لتأكيد صحة استخدامها …  هل سمعت يوما بان يُحاكم الساسة او
العسكريين الامريكيين على جرائمهم في اليابان وفيتنام والعراق وليبيا وسوريا وأفغانستان؟ وهل جرت
محاكمة الأحزاب الحاكمة الامريكية، الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي لجرائمهما هذه؟ طبعا لا،
لان لديهم نظرة بان كل ما تم في هذه الحروب والمعارك كان حسب اخلاق ومعاير الحروب وان انتهى
بقتل مئات الالاف او حتى الملايين من البشر!!
ولكن من وجهة نظر الطبقة العاملة والشرفاء والمدافعين عن الحرية، ان كل هذه الاخلاق والمعاير
السياسية والقتالية هي معاير لا اخلاقية ولا انسانية ولا تبرر ليس قتل مئات الآلاف وانما حتى قتل
انسان واحد!  ان قتل انسان واحد من اجل الحرية ومن اجل مقاومة الاحتلال او مقاومة القمع والطغيان
والاستبداد ليس مبررا… وان تشريد الملايين من مأواهم وبيوتهم ليس أخلاقيا، وقتل الأطفال والنساء
والعزل ليس أخلاقيا وليس إنسانيا مهما تكن الحجج والتبريرات! إذا كانت حماس إرهابية فان هذا لا
يعطي الحق لإسرائيل او أي طرف اخر بان يقتل الأبرياء! ان العمال في العالم قاطبة يرددون
بالمساوات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وبالأمان لكل البشر وان الدفاع عن هذا المبدأ وهذا العالم
هي الاخلاق والقيم السياسية والنضالية لطبقة اخرى وهذا هو المفهوم الطبقي الاخر عن الاخلاق
والمعاير الإنسانية والسياسية وحتى القتالية …
ان مطاطية المفهوم الطبقي البرجوازي للأخلاق والمعاير السياسية والحربية، تمكن البرجوازيات
المختلفة من تفسير هذه المعاير بشكل مختلف.  ان السعودية وبعض الدول العربية يستفيدون من قتل
المواطنين الفلسطينيين الأبرياء خدمة لمصالحهم، اذ يحتجون ضد المجازر من جهة ويعقدون الصفقات
مع إسرائيل وامريكا والغرب من جهة اخرى؛ هذا هو معيارهم لأخلاق. والغرب بعد انكشاف الجرائم
البشعة في غزة وانتشار اخبارها والصور والفيديوهات التي توثقها عبر شبكات التواصل الاجتماعي،
قللوا من حماسهم في الدفاع عن إسرائيل مقارنة مع البداية. وكل قادة الطبقة البرجوازية الغربيين،
أحرجتهم الاحتجاجات المليونية في شوارع لندن وباريس ومدريد وروما وتورنتو وواشنطن وبقية المدن
العالمية، لذا تغيرت نغمة أحاديثهم عن الاخلاق ومعاير الصراع والقتال في فلسطين وغزة تحديدًا. تكاد
الاخلاق والمعاير الإنسانية تفرض نفسها يوما بعد يوم على اخلاق ومعاير الطبقة البرجوازية المتوحشة
والبربرية…

علينا ان نحافظ ونبرز اخلاقنا ومعايرنا الطبقية والعمالية والإنسانية في المجتمع، وندفع بنضالنا في كل
الميادين وخاصة خلال الحروب والصراعات الدولية والإقليمية. ان الذي يحدث في غزة هو مثل
الصاعقة لنهوض وجداننا وضمائرنا واخلاقنا ومعاييرنا الإنسانية والطبقية بوجه بربرية النظام
الرأسمالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى