المقالاتمنصور حكمت

سياسة طليعية لمجابهة الاسلام السياسي*

منصور حكمت

في الجانب الآخر للدعاية الرسمية: الارهاب والاسلام السياسي

لا أشك في أن أي شخص، حتى داخل نفس الجيش الأمريكي،
يقبل هذا التفسير القائل أن جريمة ١١ ايلول هي عمل جماعة
متعصبة يوجهها من افغانستان شخص يدعى اسامة بن لادن وهو
له عداء شخصي وأعمى مع امريكا و”نمط الحياة” الامريكية
و”الديمقراطية”. وتصر وكالات الانباء الغربية على أن هذا العمل
لم يكن من “أعمال المسلمين”، ولم يكن نابعا من “تعاليم القرآن”.
ويسعى الصحفيون المحنكون، قدر الامكان، لطمس حضور اسم
القضية الفلسطينية واسرائيل فيما يجري. ويقولون أن أي ربط
للقضية الفلسطينية بهذه الهجمة الارهابية يعني القبول بأن هذا
العمل كان له أثر في جلب أنظار الغرب الى أوضاع الفلسطينيين.
وبالنتيجة يحيلوننا الى بن لادن وأفغانستان بدلا من الاسلام
السياسي واسرائيل. حرب امريكا مع طالبان هي حدث بالغ
الأهمية وسيكون لها نتائج بعيدة الأثر على صعيد المنطقة والعالم.
وستترك هذه الحرب، من دون شك، آثارها على مصير الاسلام

السياسي وحتى على القضية الفلسطينية. اما عن علاقتها بملاحقة
ومعاقبة الضالعين بتنفيذ جريمة ١١ ايلول، فليس لها أية علاقة
بهذا الأمر وحتى أنها ستشدد أكثر من احتمالات الأعمال الارهابية
الموجهة ضد الغرب. (سأعود الى هذا الأمر لاحقا).

ان الارهاب الاسلامي هو واحدة من وقائع عصرنا الراهن.
ويشكل هذا الارهاب ركنا من اصليا في استراتيجية الاسلام
السياسي. فالاسلام السياسي بوصفه حركة رجعية في المنطقة
وحاليا على صعيد العالم، تتغذى وتتعكز على على الاضطهاد
التاريخي لاسرائيل والغرب الممارس بحق الناس الناطقين
بالعربية وبالتحديد بحق جماهير فلسطين. فانعدام وجود بلد
لجماهير فلسطين وظلم واضطهاد الحكومة الاسرائيلية وحلفائها
الغربيين للفلسطينيين هو مصدر رئيسي للسخط والنفور من
الغرب وأمريكا في منطقة الشرق الأوسط. والأهم من هذا أن
وجود القضية الفلسطينية، ودعم امريكا والغرب المستمر لسرائيل
مقابل العرب سواء في مرحلة الحرب الباردة او بعد ذلك، أوجد
هوة واسعة وكبيرة اقتصادية وثقافية ونفسية بين الغرب
والجماهير في الشرق الأوسط. أما أن يحصل الاسلام السياسي
كحركة على على فرصة البروز والحضور وجعل هذه الهوة
والسخط والاحتجاج الى رأسمال له والخروج من هوامش
المجتمعات في الشرق الأوسط نحو قلب الصراع على السلطة
السياسية، فأن هذا هو نتاج مباشر لأمريكا والغرب نفسهما.
فالاسلام السياسي كحركة مجرمة بهذا المدى الواسع من الاقتدار،
هو من صنع امريكا والغرب.فهذا الكابوس والوحش الكاسر هم

نفسهم صنعوه واطلقوا وثاقه كي ينشب مخالبه في ارواح جماهير
المنطقة واليوم ينشب مخالبه في ارواح الناس في العالم. لقد كان
الاسلام السياسي وسيلة بيد الغرب في الحرب الباردة ضد
السوفييت ووسيلة لهزيمة الحركات والثورات اليسارية والعمالية
في كل بلدان المنطقة. انه وسيلة استخدمت بعد ازمة وفشل
الحكومات القومية في الشرق الاوسط للوقوف بوجه اقتدار اليسار
وقوته. وتشكل القضية الفلسطينية ووجود الحكومات الاسلامية في
الشرق الاوسط ركائز الارهاب الاسلامي. ان اية سياسة فعالة
وطليعية جماهيرية لمواجهة الارهاب الاسلامي ينبغي أن تبدأ من
هنا:

١ – حل القضية الفلسطينية. ينبغي حل هذه المعضلة التاريخية.
ينبغي ان تتمتع جماهير فلسطين ببلدها المستقل. وينبغي اجبار
امريكا والدول الغربية على التخلي عن الدعم الاحادي الجانب
لاسرائيل. ينبغي اجبار اسرائيل على الرضوخ للسلام واستقلال
فلسطين. فحل القضية الفلسطينية اهم اركان مواجهة الاسلام
السياسي والارهاب الاسلامي وجزء اصلي من برنامج عمل متقدم
وفعال ازاء الاوضاع الراهنة.

٢ – على الغرب ان يتخلى عن مساندته ودعمه الرجعي للدول
الاسلامية والتابعة وعن دعم الاحزاب والحركات الاسلامية في
الشرق الاوسط. فبدون دعم الغرب لم يظهر النظام الاسلامي
الايراني ولن يضل في البقاء. بدون دعم الغرب لن تبقى قائمة
لأنظمة العبودية ومشايخ السعودية والامارات. بدون دعم الغرب

لا تعجز فقط طالبان، بل وكذلك جماعات المجاهدين المسلمين
السابقة عن تحويل افغانستان الى مسرح لمأساة انسانية عظيمة.
فبمجرد قطع الغرب لمساعدته ودعمه السياسي والعسكري
والدبلوماسي للحركات الاسلامية ستقوم جماهير المنطقة باسقاط
هذه الحكومات. ولذلك فان مطلب اسقاط الحكومات الاسلامية
والوقوف بوجه مساومات امريكا والدول الغربية مع تلك
الحكومات ينبغي ان يكون جزءاً مهماً آخراً من برنامج عمل
مناهضة الارهاب لأية حركة تقدمية جماهيرية.

٣ – يجب انهاء الحصار الاقتصادي المفروض على العراق. فقد
تحولت مصائب ومآسي جماهير العراق الى قضية فلسطينية ثانية
في اذهان جماهير المنطقة. وتحولت الى دليل حي على الارهاب
الامريكي والغربي في الشرق الاوسط. عدا ذلك فان هذا الحصار
الاقتصادي قد اطال عمر الحكومة الرجعية العراقية وفرض
تراجعاً على الجماهير العراقية المحرومة ودفع بها من ميدان
النضال السياسي الى الصراع اليومي من اجل البقاء الفيزيقي. ان
النضال من اجل رفع الحصار الاقتصادي عن العراق هو ركن
آخر من برنامج العمل التقدمي ضد الارهاب الاسلامي.

٤ -ينبغي الحضور الفاعل الى الميدان للدفاع عن العلمانية في
البلدان التي يسكنها المسلمين وفي الاوساط الاجتماعية الاسلامية
داخل نفس البلدان الغربية. فقد كان للأفكار المتخلفة حول تعدد
الثقافات والتقصير في الدفاع عن الحقوق المدنية والانسانية للناس
وخصوصاً النساء في تلك البلدان والاوساط الاجتماعية، دور في

اطلاق يد الاسلام السياسي لبث الرعب في قلوب الناس وتحريك
الشباب بهذا الاتجاه. ينبغي النظر الى عالمية حقوق البشر
والحقوق المدنية كمبدأ وشجب واستنكار أي مساومة مع الدين
وسلطة الدين الرجعية على حساب حقوق البشر.

ان الارهاب الاسلامي هو حقيقة قائمة. الا أن الارهاب ليس من
اعمال المسلمين، بل هو سياسة رسمية لحركة اسلامية. وهي
حركة عقيمة وصنيعة الغرب في خظم الحرب الباردة وفي
الصراع المعادي للشيوعية ضد العمال والجماهير التحررية في
الشرق الاوسط. انها حركة ضعيفة ومتداعية. ولا تمتلك نفوذاً
سياسياً يذكر في البلدان الكبيرة في المنطقة. وهي اكثر تخلفاً عن
الواقع الاجتماعي في المنطقة. وبدون حماية الغرب سيهزم
الاسلام السياسي من قبل الاشتراكية والعلمانية في هذه المنطقة.
ففي ايران، التي تشابه فلسطين، بكونها واحدة من اهم ميادين
تقرير مصير الاسلام السياسي، بدأ الآن افول وسقوط الاسلام
السياسي.\

*أعلاه هو  جزء من الجزء الثالث من مقال من 4 أجزاء (العالم
ما بعد 11 ايلول)، نعيد نشره بمناسبة مرور الذكرى السنوية
للأعمال الارهابية التي جرت في امريكا في 11 ايلول 2001.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى