المقالاتفارس محمود

فلسطين: حلّ “الدولة” أم “الدولتين”؟!

مع عملية الابادة الجماعية في غزة على ايدي الحكومة الفاشية في اسرائيل ومع تصاعد الشجب والاستنكار العالمي لهذه المجازر، وضعت البشرية اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، هذا الملف وهذه المأساة على طاولة الحل ووجوب  دمل هذا الجرح العميق والغائر. وفي هذا السياق، طرح على الطاولة الرد القديم: استقلال فلسطين وحل الدولتين. ولكن في الوقت ذاته، ثمة حديث او طروحات تتحدث عن زوال ارضية الحل المذكور، وان سبيل الحل هذا قد انتهى مع فشل اتفاقية السلام اوسلو 1993 وجراء سياسات اسرائيل اللاحقة والمتمثلة بالتعنت باقامة السلام وإرساء دولة فلسطينية متساوية الحقوق وقابلة للحياة، وبالأخص اصرار الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة على اقامة المستوطنات وتوسيعها على حساب الاراضي المحتلة للفلسطينيين، ويبنغي التفكير بحلّ دولة واحدة علمانية وغير قومية وغير دينية يتعايش فيها الجميع بغض النظر عن قومياتهم ودياناتهم.  

على الورق، ان كلا الحلّان صحيحان وأصوليان ومبدئيان. ليس هذا وحسب، بل ثمة حل آخر كذلك الا هو إرساء مجتمع اشتراكي تلغى فيه كل أشكال الظلم والاستغلال، ومنه الظلم والتمييز القومي. مثلما ذكرت “على الورق”، ولكن السؤال: أيهما عملي وقابل للتحقيق أكثر في هذه اللحظة؟! ان  هذه القضية، كماكنة تحصد الارواح كل ساعة، لا يمكن تأجيلها. ينبغي البحث عن سبيل حل فوري وسريع ومؤثر. فتوازن القوى الطبقية واستعداد الطبقة العاملة والاشتراكيين وسائر الجماهير التحررية لا يوفر هذه الامكانية الفورية الان للاسف. ان سبيل الحل هذا موجود منذ عقود، وقصدي “حل الدولتين”، لنتناول سبيل الحل هذا!

حلّ مقر به دولياً:

انه سبيل معروف واقرته وتدعمه المنظمات الدولية و”المجتمع الدولي” والاغلبية الساحقة لبلدان العالم وهناك قرارات دولية كثيرة بهذا الصدد. ان العائق الاساسي أمام تنفيذ هذه القرارات هو تعنت حكومة اسرائيل، وبالاخص الحكومات اليمينية المتعاقبة من جهة، ومن جهة اخرى هو انحياز أمريكا  التام لاسرائيل، ووضعها العصا في دواليب هذه القرارات وتعطيلها. إذ ان أمريكا ليست داعمة لاسرائيل فحسب، بل ومثلما أكدته تجربة غزة الدموية، هي شريك مباشر ورسمي في الجرم وفي عمليات التطهير العرقي. ان جريمتها بحق جماهير فلسطين لا تقل عن جرائم نتنياهو وشارون وغيرهم. راينا بأم عيننا مشاركة أمثال بلينكين وحتى مسؤولين أمريكيين كبار في اجتماعات “مجلس الحرب” الاسرائيلي. وهذا امر غير مألوف وغير مسبوق نوعاً ما. ولهذا، فان ممارسة الضغط على اسرائيل للكف عن سياساتها واحتلالها وامريكا بشكل خاص من أجل الكف عن دعمها غير المشروط لاسرائيل هو أمر ممكن. بوسع البشرية المتمدنة، البشرية التي يلتسع قلبها للطفل والام والشباب الفلسطيني، ان تجبر الغرب عموماً وأمريكا بالأخص على تغيير سياستها تجاه اسرائيل وممارسة شتى أشكال الضغط السياسي والدبلوماسي والعسكري عليها كي تكف عن سياساتها وتعنتها وتقر بحق جماهير فلسطين بتأسيس دولتهم. ينبغي ان تشعر اسرائيل انها عزلاء ومنبوذة ومنزوية على صعيد عالمي وواسع. وهذا أمر ممكن، وبالأخص اليوم. 

تغيّر وعي البشرية بالقضية:

 ان هذا المسار جارٍ الان وبشكل قوي ومتعاظم، وتغيّر البشرية نظرتها اليوم تجاه اسرائيل والمواقف غير المشرفة والمخزية لامريكا والغرب بهذا الصدد. ان هذا الضغط في تصاعد متعاظم، بالأخص جراء الفاشية الاسرائيلية وحمامات الدم في قطاع غزة. بدأت تتكشف الحقائق وبسرعة أمام البشرية، وانكشفت الغشاوة أمام الكثيرين. بدأت تتنبه لعمق الماساة والجريمة التي تجري. لقد تبين لها ان “الديمقراطية” و”حقوق الانسان” و”الوحوش الفلسطينين غير المتحضرين” و”اسرائيل واحة الديمقراطية والحريات والحقوق” ما هي الا كذب سافر ووقح. لقد رأت بأم عينها المسؤولين الاسرائيليين الذين يتحدثون بصفاقة قل نظيرها عن ان سكان غزة “حيوانات بشرية” لا باس من قتلهم كلهم! وآخر، وزير، عضو حكومة، يتحدث بمليء الفم عن ينبغي قصف غزة باسلحة نووية وابادتها (!!). ان هذا ما يطفوا على السطح في الاعلام، فكيف الحال بما يفكرون به او ما يراود دواخلهم ومخيلتهم أو ما يقولوه في مجالسهم الخاصة؟!

مجتمع لا يستطيع ان يديم عمره هكذا:

 لم تعد تنطلي على جماهير اسرائيل دعايات الحكومات الاسرائيلية اليمينية المتعاقبة. لو نضع جانبا حروب القرن المنصرم، فعلى الاقل منذ عام 2000، جربت ستة حروب بكل مأساتها ومعاناتها، (حروب 2000 و2006 و2008 و2014 و2021 وغزة 2021) و”مضغت” دعاية حكومتها كل مرّة بانها ماضية لـ”إستئصال الارهاب”، “ارهاب حزب الله”، “ارهاب الجهاد” واليوم “ارهاب حماس” وقبلها “ارهاب عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية”، بيد انها وبعد 6 حروب مدمرة، ترى الجماهير ان الارهاب يتعاظم ولا يتناقص. كانت تنتظر ان توفر حكوماتها لها الامان من هذه الحروب، بيد انها لا تجني سوى الخوف والرعب المتعاظمين. حروب دموية واستعراض عضلات وعنجهية حربية على الحدود ولكن لازال المواطن “مذعور” في داره. انها جماهير  تبحث عن الامان لا على الحدود وانما في الشارع والمحلة والدار… الى متى يبقى هذا المسلسل (حرب على “الحدود”-حرب في الداخل الاسرائيلي -حرب “على الحدود”)؟! من جهة أخرى، مع التطور التكنلوجي وسهولة صناعة أسلحة فتاكة من قبل منظمات ومجاميع وحتى افراد، يميل الميزان العسكري تدريجيا لصالح الفلسطينين الذين هم السكان الأصليين ولهم حافز للنضال من اجل مستقبلهم بوجه المستوطنين المهاجرين من دول احرى. ولهذا ليس في الافق اي نصر عسكري لاسرائيل في غزة وفي هذه القضية التاريخية اجمالا!

 ولهذا، ليس هذا بوضع وحال اصلاً، والى متى؟! حروب عبثية ولا طائل منها! سأمت جماهير اسرائيل هذا الوضع، وتنشد تغييره.  

 انتظار “مجهول” تغير توازن القوى المحلي:

 بالوسع اشراك جبهة عالمية وممارسة ضغط عالمي على اسرائيل وأمريكا على وجه الخصوص، لا ان نتركه لقوى محلية وتوازن قوى محلي ولصراعات إجتماعية محلية كأي أمر محلي وداخلي، وقصدي حل “الدولة الواحدة”. فبسبب طبيعة دولة اسرائيلية وكونها دولة مبنية على أساس القومية والدين واليهودية، وما يترتب على هذا من عمليات غسل دماغ يومي منظم يبدأ من المدارس والأطفال وصولاً الى الاكاذيب الدينية والتوراتية لاكثر من 75 عاما، تترك مثل هذه الافكار العنصرية  تاثيرها القوي على المجتمع وصاغت أفكاره بحد كبير. اليمين في اسرائيل قوي ونشط وشرس في الوقت ذاته.

 ورغم تنامي الوعي لدى جماهير اسرائيل بماهية الدولة وتعاملها الاجرامي والدموي بحق جماهير فلسطين من جهة، وفي الوقت ذاته، تاثر حياتها اليومية الجدي بهذا الوضع، الا ان اليمين لازال مهيمناً وطاغياً للأسف. ولهذا، فان الطريق التي يتم سلكها من أجل اقامة دولة غير قومية وغير دينية يتمتع كل الساكنين فيها بحقوق واحدة هو أصعب وأكثر مشقة، كما ان مسار توازن القوى المحلية لازال بعيدا من أن يكون لصالح دولة مثل هذه  ولا يلوح في الافق اليوم تنامي حركة تقدمية تكون من القوة بحيث تزيح اليمين وتلغي ماهية الدولة ودستورها وقوانينها أو سير المجتمع نحو اليسار. على العكس من هذا، ان سير المجتمع والمنطقة  نحو اليسار مرهون بحل قضية فلسطين وليس العكس. وعليه، فان هذا المسار غير معلوم وغير مضمون ولا يعرف أحد وقت تنفيذه. في وقت ان هذه القضية لا تتحمل التأجيل. انها قضية فورية ببساطة لان كل يوم تبقى هذه القضية معلقة معناه ان ارواح اخرى تُزهق!

ولكن حل الدولتين يتمتع بتأييد عالمي وتتبناه الاغلبية الساحقة من العالم، وان هناك قرارات دولية بهذا الصدد. وهذا ما يفتقده حل “الدولة الواحدة”. بطرح “الدولة الواحدة” وتحويل الامر الى “أمر داخلي”، تخسر هذه القضية هذا التاييد والدعم وكل تلك القرارات الدولية، تخسر نقطة قوتها.

منطلقان لطرح “دولة واحدة”:

 ثمة طرفان يؤكدان على طرح الدولة الواحدة من زوايا مختلفة. أحدهما، ينبع تأييد حل الدولة الواحدة من مسالة وهي: ان الدولة هي دولة فلسطين ويتعايش فيها الجميع، واسرائيل لا تتعدى “كيان محتل”، وينكر عبر هذا، بشكل اخر، دولة اسرائيل ووجود اسرائيل. اي انك ترى بسهولة من ثنايا هذا الطرح اثار تصورات التيار القومي العروبي والاسلامي.

أما الاخر، فينطلق من زاوية المشاعر الانسانية “العامة” وبعضهم من “الاشتراكية” و”وحدة مصالح الطبقة العاملة”، و”لاوطن للعمال”. من السهل رؤية التعامل الايديولوجي وغير السياسي وغير الاجتماعي وغير الواقعي مع الامر. انها رؤية تنطلق من الافكار والايديولوجية والعقائد وليس من الواقع المرير القائم.إذ ان هناك صراع وشق عميق في هذه المنطقة، هناك بحار من الدم والجرائم والمصائب على امتداد 75 عام. ليس من السهل مد جسور الثقة بين جماهير طرفي الصراع. يمكن كسب ثقة جماهير فلسطين في حالة واحدة فقط الا وهي اثبات الطبقة الحاكمة في اسرائيل بالدليل الملموس  ان لا مصلحة لها في بقاء فلسطين محتلة، إلا عبر اعلان دولة اسرائيل ان من حق جماهير فلسطين تاسيس دولتهم المستقلة والمتساوية الحقوق والقابلة للحياة. ومثلما تعامل لينين مع فنلندا مثلا، فبرايي، حتى لو انتزعت الطبقة العاملة والاشتراكيون السلطة في اسرائيل، عليهم ان يصدروا فوراً مرسوم “حق جماهير فلسطين في تأسيس دولتهم المستقلة”. ولا اعتقد ان ما جرى بين فنلندا وروسيا يعادل جزء من الاف مما جرى ويجري في فلسطين. ان تقليد اليسار “الماركسي” هذا وانعدام الخلاقية والتقوقع الدوغمائي في مقولات انتزعت من سياقها التاريخي هو شائع ويعكس الترهل والارهاق الفكري.

عائق يمكن حلّه:

قد يقول احد ما ان سياسات الحكومات اليمينية المتعاقبة في اسرائيل (وبالاخص حكومة نتنياهو) والطامحة الى اجهاض اي وجود لقضية فلسطين ودولة فلسطين قد قامت ببناء المستعمرات وخلق ممرات وبؤر استيطانية بحيث تجهز على وجود مساحة جغرافية مترابطة وغير مقطّعة  باسم فلسطين. إذ يُجادل بان اكثر من 700 الف مستوطن يقطنوا ضمن حدود دولة فلسيطن على أساس حدود67 وان محاولة نهجير هؤلاء سوف يشعل حرب أهلية في إسرائيل. ان تضخيم قضية “الحرب الاهلية” لا يتعدى كذبة لغرض سياسي واضح، الاجهاز على تأسيس دولة فلسطين.  لقد تم تهجير 400 الف منهم بالفعل  في الأسابيع الأخيرة من غلاف غزة وشمال إسرائيل نتيجة العمليات الحربية. لماذا يجعلوا منه قضية حين يتعلق الامر بارساء دولة فلسطين؟! كما ان هذه ليست مشكلة دولة فلسطين المستقلة. انها مشكلة اسرائيل، وعليها هي نفسها حلّها!

 برايي ان حل هذا الامر ليس بصعب او معقد اذا ما توفرت الارادة لحل الدولتين. على سكنة المستوطنات ان يدركوا حقيقة وافهامهم حقيقة ان مستوطناتهم قد جرت ضمن سياق سياسات احتلال عنصرية وليس لها اي ربط بسكن عادي ومعروف. انها جزء من سياسة اغتصاب ارض الاخرين.  ولهذا ليس من الصعب ايجاد حل لهذا الامر.  قد يكون تخيير ابناء المستوطنات بالبقاء ضمن الحدود الجغرافية لدولة فلسطين او انتقالهم الى اسرائيل وتعويضهم او بناء مجمعات سكنية لهم هناك.

وعليه فان حل الدولتين هو سبيل حل عملي وواقعي وفعال.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى