
عادل أحمد
يُعَدُّ الهجوم الأمريكي بقيادة البلطجي دونالد ترامب على فنزويلا، واختطاف رئيسها مادورو وزوجته، وإِقْتِيَادُهُمَا إلى أمريكا، مؤشراً خطيراً ومُرْعِباً على طبيعة المرحلة الحالية من عمر النظام الرأسمالي العالمي. فمنذ مجيء ترامب إلى السلطة في كانون الثاني من العام الماضي (2025) إلى يومنا هذا، تتسارع الأحداث يوماً بعد يوم نحو الأسوأ، ليس فقط بسبب عودته إلى السلطة، بل بسبب الأزمة الاقتصادية والسياسية الخانقة وإخفاق السياسة الليبرالية في تحقيق الأرباح وتراكم رأس المال.
إن العالم الرأسمالي اليوم، كما في أزماته السابقة، يحتاج إلى إعادة تشكيل نفسه، وإعادة صياغة التوازنات، وتقسيم العالم من جديد، والبحث عن مناطق نفوذ تتوافر فيها الطاقة والمواد الأولية الضرورية لدورة جديدة من عملية التراكم الرأسمالي. إن العالم الغربي، الذي كان يسيطر على الصناعات والإنتاج ويصدّر رأس المال إلى بقية دول العالم لاستغلال القوة العاملة الرخيصة والاستحواذ على النسبة الأكبر من فائض القيمة المطلق، هو في مرحلته الأخيرة. فدخول الصين بقوتها الاقتصادية الهائلة، ورخص منتجاتها نتيجة انخفاض تكلفة اليد العاملة فيها، إلى أسواق دول الشرق وجنوب العالم، واستحواذها على المواد الأولية والطاقة بأسعار مقبولة نتيجة حاجتها المستمرة والمتنامية، يجذب الطبقة البرجوازية في بلدان ما يسمى بالعالم الثالث نحو الاستثمارات والمنتجات الصينية باستمرار.
لقد أصيبت الطبقة البرجوازية في أمريكا بالذهول من الصعود الاقتصادي للصين وتوسع مناطق نفوذها المستمر، ودون حروب عسكرية. ولم تستطع أمريكا، في منافستها مع الصين، منع توسع مناطق نفوذ الصين وروسيا في العالم بالطرق السياسية التقليدية. إن الهجوم على فنزويلا واختطاف مادورو وزوجته بالطريقة العسكرية المهينة، ما هو إلا هستيريا جزء من الطبقة البرجوازية الأمريكية إزاء هذا الخطر، أي توسع نفوذ الصين وروسيا. إن تهديد ترامب للمكسيك وكوبا ونيكاراغوا وكولومبيا بنفس مصير فنزويلا ورئيسها، هو رد فعل منه ومن الطبقة التي يمثلها، على انحدار مكانة أمريكا ومكانتها في قيادة النظام الرأسمالي العالمي.
إن “الترامبية” هي بحق التعبير الدقيق عن محاولة الطبقة البرجوازية الأمريكية الدفاع عن مصالحها، ولكن من دون اللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية واللغة المنمّقة والشعارات البراقة التي تقدمها سياسات الديمقراطيين والإدارة السابقة لجو بايدن. تتجسد الترامبية باعتبارها التعبير الواقعي عن خطورة المرحلة الحالية، التي تتسم بعدم التقيد لا بالقوانين التي وضعوها هم أنفسهم، ولا بالمعايير الأخلاقية التي تتباهى بها الطبقة البرجوازية منذ نشأتها، كالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات السياسية وحرية التعبير، وغيرها. إذ أصبح الكذب والتضليل والنفاق من أبرز سمات الطبقة البرجوازية العالمية.
لقد وقفت الطبقة البرجوازية في أوروبا بكل قوتها مع أمريكا في حرب أوكرانيا ضد روسيا، بحجة الدفاع عن شرعية القوانين الدولية ومواجهة “الغطرسة الروسية” في أوكرانيا وفي الجمهوريات السابقة للاتحاد السوفيتي. لكن في الواقع، كان الهدف استراتيجياً آخر، وهو الهيمنة والحد من النفوذ الروسي. بينما مع اختطاف مادورو، لم يكن هناك دفاع من قبل أوروبا عن الشرعية والقوانين الدولية، ولا إشارة إلى “الغطرسة الأمريكية”! وما تزال الطبقة البرجوازية الأوروبية تعتبر نفسها حليفة وفي خندق واحد مع البرجوازية الأمريكية، ولهذا يكون النفاق سيد الموقف.
إن تهديد ترامب بضم “جرينلاند” إلى أمريكا بحجة أهميتها الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي، هي أيضاً أكبر كذبة، تخفي وراءها الرغبة في الاستحواذ على المواد الخام الموجودة في أراضيها. وهنا أيضاً، ثمة مواقف مخجلة، حيث لا يوجد رد فعل واقعي من الطبقة الحاكمة الأوروبية! ولا توجد خطة للدفاع عن الجزيرة الدنماركية كما حصل في أوكرانيا. إن هذا النفاق ما هو إلا تعبير عن عدم وضوح الرؤية حول مستقبل التوازنات والتقسيمات في مرحلة إعادة تشكيل العالم بين الأقطاب العالمية. إن ضبابية رؤية الطبقة البرجوازية العالمية لمستقبل النظام الرأسمالي، تدفع العالم إلى دوامة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، حتى يتسنى لها إعادة صياغة الأقطاب والتقسيمات والتوازنات عن طريق الصراعات والحروب الدموية، كما في حروب أوكرانيا والسودان واليمن وسوريا ولبنان وغزة وليبيا وفنزويلا. إن إعادة تشكيل العالم بهذه الطريقة سيعني تعميق الفقر والجوع والحروب والتشرد والاقتتال، على حساب الطبقة العاملة والجماهير المحرومة في شتى أنحاء العالم.
إذا استمرت الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى في بداية القرن العشرين حوالي 35 سنة، وحدثت خلالها حربان عالميتان، حتى تشكلت الأقطاب واستقرت عملية التراكم الرأسمالي وتطور الإنتاج لنصف قرن تقريباً (من عام 1945 إلى 1990)، ومن ثم انهارت إحدى الكتل نتيجة تناقضات رأس المال نفسه، ودخلت الكتلة المنافسة في أزمة مع تطور القوة الإنتاجية العالمية في دول ما يسمى بالعالم الثالث أو النامي… فليس من الغريب ان تستمر المرحلة القلقة الحالية فترة طويلة نسبيا. إن الديمقراطية الغربية والليبرالية، التي كانت تحكم العالم الغربي بعد الحرب العالمية الثانية، قد تأزمت نتيجة تطور التكنولوجيا الصناعية والرقمية في الصين والشرق، مما مكنها من التحكم في وسائل الإنتاج وتصدير السلع بأرخص الأسعار إلى شتى أنحاء العالم. إن هذه الأزمة الاقتصادية سوف تستمر حتى إعادة تشكيل النظام العالمي من جديد، وسوف تستغرق سنوات عديدة من الحروب والاقتتال وعدم استقرار.
إن منع تحميل أعباء هذه الأزمة على أكتاف الطبقة العاملة والجماهير الكادحة، لن يتم إلا عن طريق تعميق أزمة البرجوازية نفسها، واستعداد الطبقة العاملة لتحقيق مهامها التاريخية في الثورة الاشتراكية، على غرار الثورة الاشتراكية في روسيا. هناك خياران لا ثالث لهما: إما القبول بالحل البرجوازي، الذي يعني وصول العالم إلى حافة الحرب النووية أو المجاعات والفقر والاقتتال، وعدم استقرار حياة الجماهير لعشرات السنين! وإما تحقيق أماني وتطلعات البشرية في الحرية والرفاه والسلام والمساواة… عن طريق الثورة الاشتراكية.
