همام الهمام
النظام الدولي يعاد تشكيلة
يوشك الاسبوع الثالث من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة و اسرائيل على ايران و ما زال افق نهاية الحرب غير واضح المعالم، و المستقبل مقبل بعدة سيناريوهات، وللأسف كلها كارثية سواء على المجتمع الايراني او على المنطقة، و ابعد من ذلك على العالم من الناحية السياسية و العسكرية والاقتصادية. إن حدث مثل هذا ليس بعادي من الناحية التاريخية، وهو ليس ذا اطار محلي او اقليمي صرف كما سنبين، انما هو حدث ذو بعد على النظام الدولي كلياً و على اعادة تشكليه. انه لا يقل عن التحول الذي صار واقعا بعد انهيار جدار برلين، و ما جره من ويلات على ما سمي بالكتلة الشرقية من تفكك و حروب، ولا يقل عن احداث 11 سبتمبر وما اعقبها من حملة “الحرب على الارهاب” و السعي لترسيخ مكانة الولايات المتحدة كشرطي للعالم وتشكيل نظام دولي جديد على أنقاض عالم أحادي القطب. ولذلك نرى ان هذه الحرب بمتنازعيها الرئيسيين ( الولايات المتحدة/ اسرائيل – ايران )، و من خلف الأخير تقف الصين وروسيا. ان وصول هذا الصراع الى هذه المسارات هو أمر معلوم في عالم الرأسمال والإمبريالية والتنافس والهيمنة. كانت احتمالية إندلاع الحرب أمراً واقعاً، لم يستبعده أحد. والجميع كانوا في إستعداد وتأهب! لسبب بسيط ان التوازنات والمعادلات تغيرت كثيراً، ويعاد تقسيم العالم بمعزل عن رغبة هذا وذاك. ولهذا نحن أمام أوضاع ومتغيرات كبيرة، كل يحاول أن يشمر عن ساعده من أجل قلب هذه المعادلات لصالحه ولأهدافه وربحه. لم يبقى العالم مثلما هو الحال عليه قبل عقد من الزمن .
لم تكن حرب مفاجأة!
كثيرون توهموا بالوساطات الخليجية للإدارة الامريكية لإيقاف الحرب و هناك من ارتفعت تطلعاته بعد جولتين من المباحثات الأمريكية الايرانية بالوساطة العمانية، غير ان اي متتبع لأحداث التاريخ كان يعرف جيدا ان حشد هذه القوة العسكرية في مياه المنطقة و زيادة خزن اسرائيل لهذه الكميات من الذخائر الحربية لم يكن للاستعراض الفارغ، اضافة الى ان الولايات المتحدة كانت تريد هذه الحرب على اي حال كضرورة ملحة من زاوية مصالحها السياسية و العسكرية، وفي المطاف الأساس الاقتصادية، بعد تراجعها وبعد توسع حلف بركست في فترة بايدن، وقيام السابع من اكتوبر وعدم قدرتها على انهاء الحرب الاوكرانية التي وعد ترامب في حلها في غضون أيام، و من هذه الزاوية كانت الولايات المتحدة بحاجة لحرب مثل هذه و ما كان اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو الا خطوة اولاً في هذه الاستراتيجية .
ان تأثيرات الحرب هذه ليست ذات طابع محلي في ايران ( الحرية للشعب الايراني، كما يتحدثون) و ليست ذات طابع اقليمي صرف، مثل ما يتصور الكثيرون ( انهاء محور المقاومة و الاذرع الايرانية في المنطقة ) و ان كان استراتيجيا سوف يحدث هذا ، وليس ايضا هو انجرار الولايات المتحدة خلف اسرائيل و التورط بمشروع نتنياهو كون مصالح الطبقة السياسة الحاكمة في اسرائيل تختلف عن مصالح الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة ، ففي حين ترى اسرائيل ان انهيار الجمهورية الاسلامية و اذرعها في المنطقة و الاتفاق مع الخليج هو المصلحة الاستراتيجية لها، ترى الولايات المتحدة انهيار الجمهورية الاسلامية او اخضاعها كما حصل في فنزويلا، و المجيء بحكومة تنصاع و تلبي المصالح الأمريكية و تقطع تمدد النفوذ الصيني، التي تشكل ايران محور مهم فيه و التوجه لخنق الصين و حليفها باكستان من جهة الهند و ايران وحتى افغانستان، هو الغاية الرئيسية بالنسبة للولايات المتحدة و ترسيخ او انعاش نظام القطب الواحد في العالم .
نتائج هذه الحرب ستؤثر على النظام العالمي!
بالنسبة لهذه الانظمة الراسمالية بمختلف اشكالها ( الولايات المتحدة ، اسرائيل ، ايران )، لا تعتبر خسائر الارواح أو رفاه المجتمع و أمنه هو الخسارة الفعلية بقدر تحقيق مصالحها و تحقيق نصرها السياسي، و بكلمة، انها ترى التاريخ كنهر من الدماء و قنطرته هي الجماجم التي يعبرون عليها. فمعيار النصر الامريكي هو نظام تابع للولايات المتحدة و خارج نفوذ الصين كما اسلفنا و معيار النصر الايراني هو بقاء الجمهورية الاسلامية و ولاية الفقيه على راس السلطة في ايران. ولذلك، ترى ايران توسع نطاق حربها فتضرب القواعد العسكرية الامريكية في دول الخليج و الاردن و العراق، وتضرب الموانئ و مصافي النفط والفنادق والبعثات الدبلوماسية، اشراك اهم اذرعها حزب الله في لبنان و الميليشيات في العراق، وبمعنى اخر، انها توسع نطاق الحرب لجعل الخسائر اكبر لهذه الدول و العالم من حيث ارتفاع اسعار الطاقة من اجل الضغط السياسي على الولايات المتحدة لأنهاء الحرب بأقصى سرعة.
و يترتب على النصر الامريكي مرحلة جديدة من عالم تكون في الولايات المتحدة هي القطب الاول و تاخير تنامي عالم متعدد الاقطاب ، وعلى النصر الايراني عالم متعدد الاقطاب يصاحبه تراجع لهيمنة النفوذ الامريكي سواء من الشركاء الاوربيين او التمدد الروسي الاوربي وصعود نفوذ دول مثل تركيا و السعودية ، بمعنى اخر، ان هذه الحرب هي الاخيرة للولايات المتحدة و لذلك ترى تصريحات ترامب تجاه الصبر على اسعار النفط واستخدام كل الاصول الحربية غير النووية واستدعاء قوات من اليابان و منظومات موجهة الصواريخ ( ثاد ) من كوريا الجنوبية والسماح للهند باستيراد النفط من روسيا و رفع جزء من العقوبات ضدها، كل هذه المعطيات تؤكد اهمية الحرب بالنسبة لامريكا واسرائيل من جهة وسعي ايران لتثبيت اركان نفوذها في المنطقة من جهة اخرى و من هنا نأتي على الدور الروسي و الصيني في الحرب.
الدور الصيني الروسي في هذه الحرب و اولويتهما
ما ميّز هذه الحرب، من جهة ايران، مسالتين رئيسيتين: الاولى هي توسيع نطاق الحرب بشكل غير مسبوق و غير متوقع حتى من الادارة الامريكية التي اعترفت بذلك و نوع الرد، فقد ضربت مجموعة من الرادارات و القواعد المنتشرة في الخليج بشكل دقيق ومعروف ان ايران لديها اقمار صناعية و لكن ليست بالمستوى الذي بأمكانه الرصد بدقة، و هذا ما تمتلكه روسيا و الصين. ولذلك نسمع تصريح دونالد ترامب في لقاء على Fox news، بخصوص انه ربما بوتين يساعد ايران قليلاً، في الحقيقة ان الصين و روسيا تساعد ايران من زوايا مختلفة مخابراتياً و عسكرياً، كون روسيا لا تريد ان تصل الولايات المتحدة الى اقرب حدودها في حال انهيار الجمهورية الاسلامية، و الصين لا تريد أن تنهار ايران، البلد المهم في طريقها الاقتصادي. و تقترب الولايات المتحدة اكثر منها و تخسر حليف جديد بعد فنزويلا، لذلك يقدمان يد العون و لكن بجعل ايران تجرح ولا تفترس، اي ان نظرة روسيا و الصين لإيران تشبه كثيرا رؤية بريطانيا و فرنسا للسلطنة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر، حين سميت بالرجل المريض. فقد كانتا تريدان الدولة العثمانية دولة ليست قوية بحيث تشكل خطر عليهما و ليست ضعيفة بحيث تنهار. و على نفس المنوال، نرى الان روسيا و الصين حينما لم يوقعا اتفاقية استراتيجية مع ايران من جهة، ولكن لا يزودنها بالأسلحة الحديثة و التقنية المتقدمة. اي انهما يريدان ايران ليست متنفذة في الشرق الاوسط بمشروعها القومي التي تغلفه برداء اسلامي، ولكن ليست غير موجودة .
و لكن و كما تقول الحكمة ( ان الحديث يبدأ من بعد “و لكن…” ) ان اولوية روسيا الان هي الحرب الروسية الاوكرانية وهمها منصب تجاهها، و في حال دخلت مساومة سياسية برفع اي دعم عن ايران مقابل استيلائها على أوكرانيا و رفع العقوبات ستقبل دون تفكير. وعلى الجانب الاخر، فان الصين لديها اولوية تايوان وتراقب و تتعلم من الحرب الروسية على أوكرانيا و الحرب الامريكية على ايران. ومقابل صفقة تايوان، فان الصين ستوافق. و لا ننسى ان الولايات المتحدة تعترف بالصين الموحدة، و هي من سحبت حق الفيتو في مجلس الامن من تايوان و منحته للصين في اتفاق كان عرابه كيسنجر عام 1971، و بهذا المعنى فأن هذه الحرب هي حرب المساومات السياسية، لا حرب الصواريخ و الطاقة فقط .
الفوضى كسلاح للطرفين لتجنب الخسارة الفادحة
ان السيناريو الاكثر فظاعة في هذه الحرب هو الفوضى و هو سلاح بالإمكان للولايات المتحدة و ايران استخدامه، ان لم يذعن احداهما بالهزيمة. و رأينا في العراق كيف استفادت الولايات المتحدة و ايران من اقتسام النفوذ بعد تفجير مرقد الامامين العسكريين في سامراء معلنا فصلا جديد من الحرب الطائفية في العراق، استفادت الولايات المتحدة التي كانت تتلقى اكثر من 250 عملية عسكرية يوميا واقتراب هزيمتها بالعراق، من التحول الى التناحر داخليا و انخفضت العمليات العسكرية عليها، و تحولت بين من كانوا يوجهون الاحتلال الامريكي من القاعدة و جيش المهدي الى صراع داخلي مكن الولايات المتحدة من تشتيت اعائها العسكريين بتعويمها للطائفية ، و ايضا على الجانب الاخر استفادت ايران من هذه الحرب بتعزيز نفوذها داخل التيارات الشيعية و اجهاض المشروع الأمريكي القريب من حدودها و تأخيره و خلق توازن بينها و بين الولايات المتحدة .
و بهذا المثال نعرف جيدا ان الفوضى سلاح تستخدمه القوى المتصارعة من اجل ادامة نفوذها، و بالإمكان ان تشعل ايران حرب اهلية في العراق و لبنان و تزرع الفوضى بالخليج لتجلس مره اخرى مع الولايات المتحدة و تتفق في حال كانت هذه الورقة الاخيرة امام بقاء نظامها .
و ايضا في حال بان للولايات المتحدة انها لا تستطيع انهاء هذا النظام و لم تخرج حركة داخلية اي اجتماعية او عسكرية تتفق مع الولايات المتحدة، فأنها سوف تضرب البنية التحتية للنظام مع من تبقى من رجاله و تسلح المعارضة و تدعم القوى الطائفية و القومية في ايران ممهدة الى حرب اهلية و تترك ايران لمصيرها مثل ما حدث وركت افغانستان لمصيرها، و يصبح هذا ملف لكل قومية تتبناه و تتابعه فرقة من CIA و يتركون الامر للفوضى الخلاقة كما العادة .
ان قتامة السيناريوات هذه كارثية و جدية، و اذا كانت القاعدة و داعش و غيرها من التنظيمات الارهابية التي خرجت في العراق بعد الغزو الامريكي عام 2003 قد جرّت المنطقة الى عدم الاستقرار و المصائب، فالذي سيحدث في حال نشوب حرب اهلية في ايران هو استدعاء لكل الهة الرعب و العبث الموجودة باعثا لاحداث تاريخية بربرية، انه لا يقارن حتى في السيناريو اليوغسلافي، و لا يسلم منه لا الخليج و لا اوروبا و لا حتى الولايات المتحدة، انه بالفعل فتح لأبواب الجحيم امام الاحياء .
19 مارس 2026