الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران و تأثيراتها على العراق
همام الهمام
العراق في قلب العاصفة
سواء أفضت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران إلى انهيار الجمهورية الإسلامية أو إلى إنهاكها الاستراتيجي، فإن النتيجة الأرجح واحدة: تضاؤل المجال الحيوي للميليشيات المرتبطة بها في العراق. فالضربات التي طالت إيران لا تُقاس فقط بخسائرها المباشرة ( اغتيال الخطوط الاولى للقيادة في ايران ، التراجع العسكري و الامني )، بل بقدرتها على شلّ مركز الثقل الذي تستمد منه هذه التشكيلات شرعيتها ومواردها ونَفَسها السياسي.
إن تراجع قوة الدولة الراعية يعني، بالضرورة، وضع الوكلاء اما مواجه مباشرة و محتومة مع المشاريع التي تنافس مشاريعها . وهو ما يضع قادة الميليشيات الأصولية في العراق أمام معادلة قاسية: إمّا التحوّل إلى فاعل سياسي منضبط داخل الدولة، أو التمسك بوظيفتهم العسكرية مع ما يستتبعه ذلك من تصادم محتوم مع المصالح الأمريكية وبنية الدولة المركزية. وكما تقول إحدى بديهيات الصراع في الأدبيات السياسية: “حين يضعف المركز، تتآكل الأطراف أو تفتك ببعضها.”
غير أن المسألة لا تختزل في البعد العسكري وحده؛ فهذه القوى راكمت خلال السنوات الماضية شبكة معقّدة من المصالح—اقتصادية، إدارية، ونفوذ داخل مؤسسات الدولة—جعلت من بقائها في السلطة جزءًا من بقائها كقوة. ومن هنا، فإن أي زلزال يصيب طهران لن يكون حدثًا خارجيًا بالنسبة للعراق، بل لحظة إعادة تشكيل داخلية قد تعيد رسم حدود القوة بين الدولة و اللادولة.
التوجّه نحو إعادة بناء الدولة المركزية
لم تعد ملامح السياسة الأمريكية في المنطقة قابلة للالتباس؛ فثمة نزوع متزايد نحو إعادة تثبيت نموذج “الدولة المركزية” بوصفه الإطار الأكثر ملاءمة لضبط الإيقاع الأمني وضمان انسيابية المصالح الاقتصادية، وعلى رأسها الطاقة.
في سوريا، بدأت واشنطن عمليًا اختبار هذا التوجه عبر الضغط على قوات سوريا الديمقراطية لدفعها نحو الاندماج في بنية الدولة، في محاولة لإنهاء نمط “الكيانات شبه المستقلة” الذي نشأ خلال سنوات الحرب. غير أن تعقيدات المشهد السوري، من تداخل النفوذ الروسي والإيراني والتركي و الطموحات الإسرائيلية، تجعل من هذا المسار هشًا وقابلًا للانتكاس.
أما في لبنان، فإن الضغط يتخذ شكلًا سياسيًا أكثر منه عسكريًا، عبر إعادة تشكيل التوازن الحكومي بدعم غربي، وتضييق هامش حركة حزب الله، خصوصًا في ما يتعلق بسلاحه ودوره الإقليمي. ومع ذلك، يبقى النموذج اللبناني محكومًا بحساسية التوازنات الطائفية، ما يحدّ من إمكانية فرض تحولات جذرية سريعة يصل حتى لحرب اهلية كون نزع سلاح حزب الله هو تجريدة من وجودة السياسي اقراء ( نزع السلاح ،نزع الوجود السياسي ) سمير عادل .
و بمعنى ان العراق حبيس طلسم احدى تعويذاته الميلشيات و لكن باقي هذه التعويذات مرتبطة بالفساد الذي ينخر كل مفاصل السلطة من اعلى رائسها الى اخمس قدمها و ايضا استمرار التمييز الجنسي على النساء الذي يعد ركن اساسي من اركان هذه السلطة و خنق حرية التعبير بقوانين تؤبد و تشرعن هذا النظام مثل المحتوى الهابط و قانون البغاء و المثلية و مسودة قانون الحريات النقابية و الخ … من هذه القوانين ملحوقة بتقسيم العراق على اساس طائفي و قومي من اجل دق اسفين بين عمال كردستان و العراق او محرومي الموصل و البصرة و اغراقهم بمحاربة اعداء وهمين مثل حملات دون كيشوت بمحاربته لطواحين الهواء ، و بمعنى اخر ان مسالة العاطلين عن العمل و الهجمة على الحريات السياسية و الاجتماعية و انخفاض مستوى الاجور و سوء الخدمات و التعليم و الصحة و انفاق تيارات السلطة على تجهيل المجتمع عن طريق رجال الدين و عبر ايهام الناس بالمؤامرة على الشيعة و تثبيت الطائفية و شيطنة المعارضين السياسيين و منظمات المجتمع المدني و بكلمة سعاه الحرية و التغيير في العراق هو ليست مسالة عارضة او حدث منفصل عن احدث اخرى تختلف عنه جوهريا بقدر ما هو رزمة متكاملة لدوامة هذه التيارات و تأبيد جو عدم الامكانية على التغيير و سيادة تيار البؤس و السوداوية و بهذا المعنى ان الميليشيات بيدق مهم على رقعة الشطرنج و لكن يمكن التضحية به من اجل الحفاظ على مكسب اعلى هي اداره الدولة و لذلك نرى ان السلطة السياسية في العراق قد وضعت في الحسبان امكانية تراجع هيمنة الاسلام السياسي و دعم الجمهورية الاسلامية له و لذلك اعده خطة لقمع قانوني و سياسي يشتت ارضية النضال الواحد من اجل امن و رفاه و استقرار العراقيين .
ماذا بعد الحرب و ما هي مهامنا
لقد امتاز العراق في هذه الحرب انه المكان الوحيد في الشرق الاوسط الذي قصف من قبل الولايات المتحدة و اسرائيل و ايران و الميليشيات و قد اصبحت سمائه تحتاج الى شرطي مرور ينظم سير الصواريخ و الدرونات و الطائرات الحربية و قد ضربت مصادر عيش المجتمع العراقي حقول النفط و السفن التي تحملها و ضربت محطات نقل الطاقة الكهربائية و انابيب الغاز و بعثاته الدبلوماسية و مواطنية و بكلمة انه اصبح ساحة لتصفيات الحساب بالوكالة و بعد ان تضع هذه الحرب اوزارها سوف يطفوا الى السطح سؤال لدى المجتمع العراقي هل هو قدرنا ان نكون اسرى الوضع الراهن هل هذا الوضع ابدي هل يبقى قوت العراقيين مرتبط بأسعار النفط و وضعة السياسي اسير الاحزاب الموالية للولايات المتحدة و ايران و تركيا اليس ثمة مخرج من كل هذا البؤس منقطع النظير ؟!!
هنا يبرز دور الصفّ الطليعي من داخل المجتمع، وهنا يتحدد موقعنا ومسؤوليتنا. إن المهمة الأكثر إلحاحاً اليوم لا تتمثل فقط في اتخاذ موقف، بل في رسم خطّ مستقل وواضح، يفصل صفوفنا سياسياً وتنظيمياً عن كلّ التيارات التي تدور في فلك القوى الإقليمية والدولية، سواء كانت الولايات المتحدة أو إيران أو تركيا. فـ”من لا يملك استقلال قراره، لا يملك مستقبله”.
إن واجبنا لا يقتصر على الرفض، بل يتعداه إلى التنوير السياسي داخل مواقع وجودنا، وبلورة بديل اجتماعي ملموس يعبّر عن مصالح الناس المباشرة. بديلٌ يجعل من أمن المجتمع وسلامته أولوية في لحظات الاضطراب، ويضع تحسين شروط الحياة الاقتصادية في صلب مشروعه، ويطرح دولة علمانية تُعرِّف العراقيين على أساس مواطنتهم الإنسانية، لا على أساس انتماءاتهم الضيقة، دولة تصون الحريات وتفرض القانون وتعيد الاعتبار للإنسان بوصفه القيمة العليا.
وفي هذا السياق، تصبح مهمة تنظيم الحركة الاحتجاجية والنسوية والمطلبية، والارتقاء بها سياسياً وتنظيمياً، وإبراز قياداتها، ليست مجرد خيار، بل ضرورة تاريخية. فكما أشار ماركس: “ليس كافياً أن يُفسَّر العالم، بل ينبغي تغييره”. وهذا التغيير لا يتمّ تلقائياً، بل عبر تنظيم واعٍ يُحوّل الغضب الشعبي إلى قوة سياسية فاعلة.
قد يبدو للبعض أن هذه التحولات أكبر من حجم تأثيرنا، وأن قوى السلطة، على اختلاف أشكالها، ما زالت أكثر رسوخاً. وهذا تقدير واقعي إلى حدّ بعيد. لكن التاريخ يُظهر بوضوح أن كلّ أزمة كبرى — حرباً كانت أم كارثة — تفتح المجال لظهور قوى جديدة. لا يحدث ذلك صدفة، بل نتيجة مباشرة لفشل الطبقات الحاكمة في إدارة الأزمات، وما يولّده هذا الفشل من فقدان ثقة يتراكم ليتحوّل إلى سخطٍ عام.
إن لحظات الانكسار الكبرى في بنية السلطة هي ذاتها لحظات الصعود الممكنة للقوى البديلة. وهنا تحديداً تُطرح المسألة: هل تكون قوى الحرية والمساواة على مستوى هذه اللحظة، فتقدّم نفسها بوضوح وتؤدي دورها التاريخي؟ أم تترك المجال لغيرها، لتبقى على هامش الأحداث، شاهدةً لا فاعلة؟
الكرة اليوم في ملعب من يدّعون الدفاع عن مستقبل مختلف. والتاريخ لا ينتظر المترددين.
21 مارس 2026