Uncategorized

الحرب على إيران ووهم «الثورة من السماء»

همام الهمام

قبل كل تصعيد عسكري محتمل ضد إيران و اثناء الحرب الامريكية الإسرائيلية الجارية ، تتكرر نغمة سياسية مألوفة في الخطاب الغربي والإسرائيلي. يظهر مهرجون مثل ترامب و نتنياهو التي تقطر من ايديهم الدماء وهم يدعون الشعب الإيراني إلى استغلال الحرب لإسقاط النظام. ويُطرح القصف والضغط العسكري بوصفهما فرصة لانتفاضة داخلية تطيح بالجمهورية الإسلامية.

غير أن هذه الدعوة ليست سوى وهم سياسي يتجاهل دروس التاريخ وتجارب الجماهير. فالحروب الخارجية نادرًا ما تخلق ظروفًا ملائمة للثورات، بل غالبًا ما تؤدي إلى نتائج معاكسة تمامًا. ففي ظل القصف والتهديد الوجودي وسيادة الخوف، تميل المجتمعات إلى الالتفاف حول السلطة القائمة، حتى لو كانت سلطات استبدادية، بدافع الخوف من العدو الخارجي والرغبة في حماية الحد الأدنى من الاستقرار.

إن الدعوة إلى الثورة تحت وابل القنابل تبدو أقرب إلى دعاية سياسية منها إلى قراءة واقعية للمجتمع الإيراني أو لطبيعة التحولات الاجتماعية.

الحرب كوسيلة لترسيخ السلطة

تاريخ الجمهورية الإسلامية يقدم مثالًا واضحًا على هذه الظاهرة. فبعد سقوط نظام الشاه عام 1979، لم يكن المجتمع الإيراني موحدًا خلف السلطة الجديدة. بل كان الجيل الذي شارك في الثورة جيلًا واسعًا من التيارات اليسارية والتقدمية والليبرالية التي كانت تطمح لبناء دولة حديثة مستقلة. لكن مع تثبيت نظام ولاية الفقيه وفرض قيود واسعة على الحريات العامة وحقوق النساء، بدأت التوترات بين السلطة الجديدة وهذه القوى الاجتماعية. وقد تجلى ذلك مبكرًا في الاحتجاجات النسوية الواسعة ،ومنها تظاهرات النساء في طهران في احتجاجات 8 مارس 1980 في إيران ضد فرض الحجاب الإجباري التي شاركت بها عشرات الالاف من النساء .

غير أن اندلاع الحرب العراقية الإيرانية غيّر المشهد الداخلي بشكل جذري، فقد تحولت الحرب إلى عامل تعبئة وطنية ضخمة سمح للسلطة بتوجيه المجتمع نحو المعركة الخارجية بدل الصراع السياسي الداخلي و تفريغ السلطة لبناء اجهزتها القمعية و تثبيت اركانها .

وقد أشار إلى هذه النقطة بوضوح أول رئيس للجمهورية الإسلامية ابو الحسن بني صدر في لقاء له على قناة روسيا اليوم ، الذي اعتبر أن الحرب ساهمت عمليًا في تحييد الجيل الثوري عبر ثلاثة مسارات: إرسال الشباب إلى جبهات القتال، وقمع المعارضين عبر السجن والإعدام، ودفع الكثير من النشطاء إلى الهجرة خارج البلاد .

وبهذا المعنى، لم تكن الحرب مجرد صراع إقليمي، بل كانت أيضًا لحظة مفصلية في تثبيت السلطة الداخلية للنظام و ترتيب صفوفه .

دروس من التجربة الروسية

هذه الحالة لا تقتصر على إيران فقط ، فالحروب كثيرًا ما تمنح الأنظمة السياسية فرصة لإعادة ترتيب الداخل ففي روسيا ، شهدت السنوات التي سبقت الحرب موجات احتجاج متكررة ضد حكم بوتن ، خصوصًا على خلفية الأوضاع الاقتصادية وتقييد الحريات السياسية و كانت تصفه علنا بالدكتاتور في وسط موسكو و على مقربة من الكرملن ، لكن مع اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا 2022، تراجعت الاحتجاجات بشكل كبير، وارتفعت نبرة التعبئة الوطنية في مواجهة “التهديد الخارجي” و الدفاع عن الامنة الروسية . وقد أتاح هذا المناخ للسلطة تضييق الخناق على المعارضة، وكان من أبرز ضحايا هذا المسار المعارض الروسي و الذي صفي بالاخير بالسجون الروسية , توضح هذه التجربة كيف يمكن للحرب أن تعيد إنتاج شرعية السلطة، حتى في الأنظمة التي تواجه أزمات داخلية عميقة .

وهم التغيير عبر القصف

من هنا، يبدو الرهان على حرب خارجية لإحداث تغيير سياسي داخل إيران رهانًا مضللًا. فالتغيير السياسي الحقيقي لا يولد من الضربات الجوية ولا من الضغوط العسكرية الخارجية، بل من التحولات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع نفسه.

وفي إيران، لا تخلو الساحة من هذه الحركات الثورية بشتا اشكالها و مشاربها . فهناك حركات نسوية عظيمة قلت و تحت ضرباتها اجبر البرلمان الايراني على انهاء اجبارية الحجاب ، واحتجاجات طلابية متكررة في الجامعات معادية للنظام و بافاق سياسة ، إضافة إلى موجات من الإضرابات العمالية التي تتحول تدريجيًا من مطالب اقتصادية إلى مطالب سياسية، ناهيك عن اهمية التجار و البازار الايراني الذي دائما ما يشكل انخراطه في الاحتجاجات مفصلا مهما في الحياة السياسية في ايران , هذه القوى الاجتماعية تمثل، في المدى الطويل، المصدر الحقيقي لأي تحول سياسي محتمل في البلاد و من يتصور غير ذلك و يقع خلف الاوهام ان القنابل الامريكية الاسرائيلة ستغير البلد و بوصلته السياسية هي العداء للجمهورية الاسلامية لا اكثر هو في الحقيقة تعبير مبتذل عن افقة السياسية المعدومة و شعور الياس عن الجواب عن معضلات هذه الحركات الثورية و الارتقاء بها و تحويلها الى عملاق جبار يطوي تاريخ 47 عام من القمع وبكلمة ان من لا يؤمن بالجماهير الايرانية و قدرتها على التغييرات التاريخية في ايران و المنطقة بالعموم هو يشبه كثير ضفدع يعيش في وحل بئر و يتصور حدود السماء هي فوهة هذا البئر ، و بالحقيقة ان التاريخ الحديث بالنسبة لضفادع السياسية تكتبه القنابل الامريكية .

في خاتمة إن معارضتنا الحرب على إيران لا تعني الدفاع عن النظام القائم، بل تعني إدراك طبيعة النتائج التي قد تترتب عليها من شر على المجتمع الايراني و على بنيتة التحتية و على مكتسباته الاجتماعية و بنفس الوقت . فالحرب قد تؤدي إلى إضعاف الحركات الاحتجاجية داخل المجتمع الإيراني ، تبرر البططش بكل معارض للنظام تحت ذرائع العمالة و التخابر و الطابور الخامس ، تدمير البنية التحتية والمجتمع المدني ، وإعادة إنتاج شرعية السلطة تحت شعار مواجهة العدو الخارجي و تصبح الحرب طوق نجاة لهذا النظام و تطيل عمره ، لذلك فإن أي تحول ثوري حقيقي في إيران سيظل مرتبطًا أولًا وأخيرًا بالتطورات الداخلية للمجتمع الإيراني نفسه، لا بالقنابل القادمة من الخارج.

17/3/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى