
(حوار جريدة “إلى الأمام” مع آذر مدرسي سكرتير اللجنة المركزية للحزب الحكمتي-الخط الرسمي)
إلىالأمام: إن الاحتجاجات والتظاهرات العمالية والجماهيرية في إيران لم تهدأ يوماً بشكل فعلي، إذ تواصل الجماهير المطالبة بتحسين ظروفهم المعيشية وتحقيق الحريات السياسية والإنسانية. ما الذي يميّز الاحتجاجات التي بدأت في 20 ديسمبر/كانون الأول 2025؟
آذر مدرسّي: اسمحوا لي أولاً أن أطرح بضع نقاط حول الوضع الاقتصادي في إيران. إن الوضع الاقتصادي المتردي في إيران له أسباب متعددة وعلى مستويات مختلفة، سأشير إليها بإيجاز.
إن أهم سبب أو جذر لهذا الوضع الاقتصادي المتردي، الذي وُلد مع الجمهورية الإسلامية، ينبغي البحث عنه في عوامل أكثر بنيوية، عوامل عالمية واستراتيجية، خارج نطاق «الاقتصاد الإيراني» وتطوره وتناقضاته الداخلية، أي في طبيعة ومكانة الجمهورية الإسلامية الخاصين، وفي الحركة الإسلامية في العالم. إن هوية الإسلام السياسي، التي تُعدّ العداء للغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، أحد محاورها الرئيسية، كانت ولا تزال العائق الأساسي أمام اندماج إيران في السوق العالمية التي لا تزال الهيمنة الغربية تحكمها. ونتيجة لذلك، فإن أحد الأسباب الأساسية للانسداد الاقتصادي للجمهورية الإسلامية هو عامل سياسي أكثر منه اقتصادياً أو ناتجاً عن السياسات الاقتصادية. فالمحددات السياسية هي التي حالت ولا تزال تحول دون اندماج إيران في السوق العالمية (السوق الغربية).
العامل الآخر، يتمثل في وجود مراكز متعددة للقوة الاقتصادية ذات مصالح مختلفة ومتعارضة جزئياً داخل إيران، يشكل معظمها مراكز مستقلة وغير خاضعة للسلطة، إضافة إلى الفساد المالي في النظام، الأمر الذي جعل حتى أدنى تحسن اقتصادي لصالح الجماهير أمراً مستحيلاً، حتى لو كان من الناحية المنطقية أمراً ممكناً ضمن إطار النظام الإسلامي.
أما العامل الثالث فهو العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على إيران. فاليوم تُفرض أشدّ وأوسع وأقسى العقوبات في العالم على الجمهورية الإسلامية وعلى الجماهير في إيران.
لقد فرض هذا الوضع فقراً وبؤساً واسعَين وعميقَين على غالبية الجماهير. فاليوم يسود في إيران تضخم يتجاوز 50 في المئة، ومن المتوقع أنه إذا استمرت العقوبات، فيجب انتظار تضخم بنسبة 100 في المئة وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسبة تصل إلى 60 في المئة. وتشير الإحصاءات الرسمية اليوم إلى أن 80 في المئة من المجتمع يعيشون تحت خط الفقر، وهذا يعني القسم الأعظم من الطبقة العاملة (العاطلين والعاملين) والطبقة الوسطى. لم يكن الفارق الطبقي في أي وقت أعمق مما هو عليه اليوم، ولم يكن الناس في أي وقت عاجزين إلى هذا الحد عن تأمين أبسط المواد الغذائية اللازمة للبقاء على قيد الحياة.
إن انهيار قيمة الريال، وهو سياسة اعتمدتها الولايات المتحدة عن وعي للضغط المضاعف على الناس بهدف تعميق الأزمة الاجتماعية وتهيئة الظروف لتغيير النظام، قد غيّر مسار الأحداث. وقد شكّل هذا الانهيار ضربة لجزء من القاعدة الاجتماعية للجمهورية الإسلامية، وأدّى إلى اندلاع احتجاجات في السوق.
لكن بغض النظر عن انهيار قيمة الريال وأهدافه، فإن إيران خلال السنوات العشر الماضية كانت ساحة لصراع دائم، يظهر أحياناً على شكل انتفاضات في الشارع، لكنه كان أساساً في مراكز العمل والإنتاج. وخلال السنوات الثماني الماضية شهدنا أربع انتفاضات جماهيرية في إيران (كانون الثاني/يناير 2018، تشرين الثاني/نوفمبر 2019، أيلول/سبتمبر 2022، وكانون الثاني/يناير 2026). ومن بين هذه الحالات الأربع، كانت ثلاث انتفاضات احتجاجاً على الفقر وغلاء المعيشة. إلا أن المجتمع، ولا سيما الطبقة العاملة، لم يكن صامتاً أو هادئاً في الفترات الفاصلة بين هذه الانتفاضات. على العكس، شهدنا خلال تلك الفترات مئات الإضرابات العمالية وإضرابات المعلمين والمثقفين، والموظفين على مختلف المستويات، والممرضين، وغيرها، إضافة إلى آلاف التجمعات الاحتجاجية من العمال إلى المتقاعدين. كانت هذه احتجاجات منظمة، وبعضها على مستوى البلاد، ذات مطالب واضحة، وتركز أساساً على الأوضاع الاقتصادية المتردية والهجوم على معيشة وحياة غالبية المجتمع.
خلال هذه الفترة، شهدنا إضرابات متكررة لعمال هفت تبه للسكر والفولاذ، وإضرابات متعددة في قطاع البتروكيميائيات والمناجم وصناعة السيارات والنفط والغاز وإضرابات متكررة للمعلمين والمثقفين، وتجمعات دائمة للمتقاعدين والضمان الاجتماعي والعمال وعمال البلديات وأخيراً احتجاجات الممرضين.
لنعد إلى احتجاجات هذه المرحلة (20 ديسمبر/كانون الأول 2025). إن الفارق الذي ميّز هذه الاحتجاجات عن سابقاتها كان اتساعها السريع بين أكثر فئات المجتمع حرماناً، تلك التي لم تكن ترى حتى تأمين أبسط مقومات الحياة ليومها التالي في الأفق. فقد خرجت الاحتجاجات بسرعة عن سيطرة السوق ودفعت الناس المحرومين في مختلف أنحاء إيران إلى التحرك، وإن كان تحركاً عفوياً ومشحوناً بالغضب. انضمت الجامعات إلى هذه الاحتجاجات، وفي كل مكان تحولت هذه الاحتجاجات، كالمعتاد، إلى احتجاجات سياسية ضد النظام الإسلامي، وارتفعت شعارات «الموت للجمهورية الإسلامية» و«الموت للديكتاتور» إلى جانب شعارات ضد الفقر والبؤس. في إيران، كل شيء سياسي.
الميزة الأخرى لهذه الاحتجاجات كانت انضمام ودعم المنظمات العمالية المستقلة والمعلمين، والمتقاعدين وغيرهم للاحتجاجات، ومحاولتهم الواعية والحذرة لتوجيهها ومنع تحويلها إلى جزء من سيناريو تغيير النظام أو انهيار الجمهورية الإسلامية على يد القوى اليمينية والبرجوازية في صفوف المعارضة.
أما الميزة الثالثة فكانت خوف الجمهورية الإسلامية، أولاً، من انضمام البازار وتجار السوق، بوصفهم قاعدتها الاجتماعية، إلى هذا السيل الاحتجاجي. وقد تمثلت ردود فعل مختلف مؤسسات النظام الإسلامي في إقرارها بحق التجار في الاحتجاج، وعقد الحكومة اجتماعاً طارئاً مع ممثلي السوق لتقديم تنازلات وتهدئة السوق، إلى جانب وعود برفع الرواتب والأجور للعمال وتقديم بطاقات تموينية (كوبونات) للمواد الأساسية اللازمة للفئات المحرومة. إن هذا المستوى من السرعة في تقديم التنازلات، بغض النظر عن تنفيذها من عدمه، يعكس خوف الجمهورية الإسلامية من تحول هذه الاحتجاجات إلى انتفاضة واسعة لإسقاط النظام، وهذه المرة مع دور ملحوظ للطبقة العاملة فيها.
وأخيراً، الميزة الرابعة كانت محاولة—ويجب الإقرار بنجاح—المعارضة اليمينية والفاشية الموالية للولايات المتحدة وإسرائيل في تحويل هذه الاحتجاجات إلى صراع بين قوى رجعية، من الجمهورية الإسلامية إلى الحكومة اليمينية والفاشية في إسرائيل. أي إخراج هذه الاحتجاجات من مسار الاحتجاجات الجماهيرية من أجل الخلاص من الجمهورية الإسلامية ومن أجل الحرية والرفاه والمساواة وتحويلها إلى مواجهات كرّ وفرّ في الشوارع. لقد جرى الاستثمار في الفقر وانسداد الأفق لدى جيل الشباب، في سياق دعاية إعلامية متواصلة لهذه التيارات، تقدم صورة مفادها أن هذه هي المعركة الأخيرة، وأن الجمهورية الإسلامية لم تعد قادرة على المواجهة، وأن عشرات الآلاف من عناصر القوات العسكرية والأمنية للنظام قد لبّوا نداء رضا بهلوي وسيخرجون إلى الميدان للدفاع عن “الشعب”، وأن دعم ترامب في الطريق، وأن النصر قريب وعند المنعطف التالي، وأن رضا بهلوي هو البديل الأميركي في مواجهة الجمهورية الإسلامية. كل ذلك خلق وهماً بـ«قرب النصر» لدى الناس. وبخلاف جميع الاحتجاجات السابقة، هو وهم دفع كبار السن والشباب وحتى الأطفال إلى المشاركة في تظاهرات يومي 18 و19 دي (7 و8 يناير/كانون الثاني).
إن الإعلان الرسمي من قبل الموساد وبومبيو بأن «عملاء الموساد في الشوارع إلى جانبكم»، إضافة إلى محاولات العصابات الرجعية المسماة «الحرس الوطني الكردي»، و«وحدات المقاومة» التابعة لمجاهدي خلق، و«جبهة المناضلين الشعبيين» المؤلفة من عصابات دينية وقومية في بلوشستان، ودعايتهم اليومية حول هجمات وحداتهم على قواعد أو مراكز قوات النظام، كلها عملياً مهّدت الأرضية لمجزرة واسعة ارتكبتها الجمهورية الإسلامية. فالنظام الذي كان يعلن رسمياً أنه لم يعد يمتلك القدرة على فرض المزيد من القمع في مسألة الحجاب والقوانين الإسلامية، والذي كان يعلن رسمياً تجنبه المواجهة المباشرة مع الجماهير المطالبة بالحرية، شهر سيفه ونفّذ مجزرة لم يُشهد لها مثيل حتى في التاريخ المظلم والحافل بالجرائم للجمهورية الإسلامية.
إن الاحتجاجات التي كانت في طريقها إلى فرض تراجعات على النظام، فتحت عملياً يده لإغراقها بالدم بأكثر الأشكال وحشية. وإذا ما عُقدت محكمة للنظر في هذه الجرائم، فإن المتهم الأول سيكون بلا شك قادة الجمهورية الإسلامية، غير أن الأحزاب والقوى التي بشّرت بـ«المعركة الأخيرة»، وأدخلت السلاح إلى الاحتجاجات، أو التي دعت، عبر نداءات منسقة مع إسرائيل، الناس إلى البقاء في الشوارع وخوض المعركة الأخيرة، رغم الإعلان عن تدخل الجيش والتحذيرات الرسمية من أجهزة القمع بإطلاق النار، ستكون بالتأكيد في الصف التالي من المتهمين.
إلى الأمام: ما هو موقف ودور المعارضة الإيرانية المتحالفة مع الولايات المتحدة؟ وهل من الممكن تكرار السيناريو العراقي، أي إيصال هذه الجماعات إلى السلطة عبر تدخل أميركي وإسرائيلي، حتى وإن لم يكن بالشكل نفسه؟ وهل صحيح ما يدّعيه مسؤولو النظام الإسلامي الحاكم في إيران بشأن التدخل المباشر لأجهزة الاستخبارات الأجنبية، ولا سيما الموساد الإسرائيلي، في هذه الاحتجاجات؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا تلجأ السلطات إلى قطع الإنترنت، وهو إجراء نعرفه كوسيلة لعزل الجماهير وقمعها بعنف في إيران؟
آذر مدرسي: لقد بذلت المعارضة البرجوازية الموالية لأميركا وإسرائيل خلال السنوات القليلة الماضية، وخصوصاً في انتفاضة عام 1401 (2022)، جهوداً كبيرة لتحويل كل احتجاج، ولا سيما تلك الانتفاضة، إلى «ثورة مخملية»، وإلى صراع من أجل العودة إلى الماضي. وهي محاولات جرى التصدي لها في كل لحظة من قبل قوى اليسار، ولا سيما الشيوعيين، ومن بينهم حزبنا. إن هذه الراديكالية العميقة والعمالية في المجتمع، ولا سيما في الجزء الفاعل والمنظم والطليعي منه، من الجامعات إلى مراكز الإنتاج، دفعت هذه المحاولات باستمرار إلى الوراء خلال هذه السنوات. ومع كل محاولة لاختطاف الاحتجاجات، واجهنا ردّ فعل سريعاً من الجماهير. هذا العام أيضاً، في مواجهة الأخبار الكاذبة عن رفع شعارات مؤيدة لرضا بهلوي في التظاهرات الجماهيرية، ولا سيما في الجامعات، ردّ الطلاب بشعار: «لا للملكية، لا للرهبر، الحرية والمساواة». ولم يكن دور هذه المعارضة سوى توجيه الضربات إلى الإحتجاجات الراديكالية للجماهير وتخريبها بشكل منهجي، ولا يزال كذلك.
إن دعم هذه القوى المحموم للعقوبات الاقتصادية، وتحديداً بحجة أن هذه العقوبات وفرض الفقر على الجماهير يؤديان إلى انتفاضات جماهيرية عمياء ويهيئان الأرضية لتغيير النظام، إضافة إلى دعمهم العلني اليوم، بل وسعيهم الدائم إلى صياغة سيناريوهات تجعل الهجوم العسكري ضرورياً، والتنظير للهجوم العسكري بوصفه الطريق الوحيد لإنقاذ الجماهير في إيران، كل ذلك لا يترك أي شك في رجعيتهم وعدائهم للجماهير.
أما السيناريو العراقي، بمعنى إدخال قوات برية إلى إيران واحتلالها من قبل الجيش الأميركي أو الإسرائيلي، فأعتقد أن هذا السيناريو غير قابل للتنفيذ في إيران لأسباب عديدة، من بينها فشل السياسة الأميركية في العراق. لكن توجد مخاطر أخرى تواجه الجماهي في إيران ونضالهم وسعيهم من أجل الحرية والرفاه. ومن بين هذه المخاطر الانهيار والهجوم العسكري. دعوني أتطرق بإيجاز إلى كل واحد من هذه المخاطر.
– الهجوم العسكري: تعتبر الجمهورية الإسلامية أي هجوم عسكري تهديداً لبقائها، ولذلك أعلنت أنها سترد على أي اعتداء أو نية اعتداء بكل قوتها، ولو كان ذلك على حساب إغراق الناس بالدماء في إيران وفي المنطقة. إن الهجوم العسكري على إيران سيُحدث فيها كارثةً من الحجم الذي يجعل الدمار والقتل والخراب الذي وقع في العراق يبدو، بالمقارنة مع ما يحصل في إيران ، “خفيف وطأة» و«أقل دموية». وسيكون سيناريو أكثر دموية بعشرات المرات من العراق وسوريا.
إن الجمهورية الإسلامية، لا من حيث مكانتها الإقليمية، ولا سيما في علاقتها مع الشعب المحتج الذي سيخرج تدريجيًا من صدمة القتل والجريمة، قادرة على تكرار سيناريو الانتقام الرمزي والهجوم على القواعد الأميركية في المنطقة باتفاق مسبق بين الطرفين. فمثل هذا الرد الرمزي والمتفق عليه، وقبل أن يعرّض مكانة الجمهورية الإسلامية الإقليمية للخطر، سيُنظر إليه من قبل الجماهير بوصفه علامة ضعف للجمهورية الإسلامية، وسيغيّر ميزان القوى لصالح الجماهير ضدها. ولهذا السبب تحديدًا ستُحوِّل الجمهورية الإسلامية أي هجوم إلى حرب حياة أو موت بالنسبة لها، وهي مستعدة لإغراق إيران والمنطقة بالنار والدم.
للأسف، تشير جميع الدلائل اليوم إلى الدفع باتجاه هجوم عسكري على إيران. لكن لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل قادرتان على التحكم في مدى ردّ فعل الجمهورية الإسلامية. فالولايات المتحدة نفسها تواجه أزمة اجتماعية وسياسية عميقة، والنخبة الحاكمة فيها ليست موحّدة بشأن الهجوم على إيران. وليس واضحاً أو قابلاً للتنبؤ حجم الكلفة التي الولايات المتحدة مستعدة لتحمّلها من أجل هذا الهجوم. أما على صعيد الأجواء السياسية داخل إيران، فإن الجمهورية الإسلامية تحاول استغلال هذا الهجوم العسكري إلى أقصى حد ممكن لتكثيف هجماتها على الجماهير وتعزيز موقعها في المجتمع، سواء بصفتها قوة «ذات قدرة دفاع»، وهي السياسة التي انتهجتها في حرب الأيام الاثني عشر، أو بصفتها سلطة قادرة على إغراق أي تحرك جماهيري بالدم، وهي السياسة التي اتبعتها في احتجاجات هذا العام. لقد ذكرنا دائماً إن كل رصاصة تُطلق باتجاه إيران تضيف سنوات إلى عمر الجمهورية الإسلامية وتوفر الأرضية لهجوم النظام الإسلامي على الحركة التحررية للجماهير في إيران. إن مؤيدي الهجوم العسكري على إيران إما جهلة لا يرون هذه الوقائع، أو محتالون، أو قوى سياسية رجعية ومعادية للجماهير تجد في الحرب والقتل سبيلاً لتحقيق مكاسبها.
– الانهيار: أما فيما يتعلق بسيناريو «انهيار الجمهورية الإسلامية»، الذي يُعدّ المشروع الرسمي لدولة إسرائيل، فالأمر مختلف. إن انهيار الجمهورية الإسلامية يُعدّ «سيناريو مظلم»، أي سيناريو تدمير حياة الناس والقضاء على جميع البنى التحتية الاقتصادية وتفكك نسيج المجتمع.
لقد أوضحنا في البيان الأخير للحزب بعنوان «الأوضاع الخطرة الراهنة، الآفاق ومهامنا» ما يلي بوضوح:
“إن انهيار الجمهورية الإسلامية»، عبر قاذفات أميركية أو قوات إسرائيلية بالوكالة، هو السيناريو المشترك لمعسكر الرجعية. وهو سيناريو لن يؤدي إلا إلى تحويل إيران إلى ساحة حرب بين بقايا الجمهورية الإسلامية، وأنصار «وحدة الأراضي»، والقوى القومية المطالبة بـ«الفيدرالية القومية» وعصاباتها الإجرامية، من الحرس الثوري والباسيج إلى «الحرس الخالد»، و«وحدات المقاومة»، و«الحرس الوطني الكردي»، و«جيش العدل»، و«حركة نصر»، و«جماعة محمد رسول الله…..”
إن الجمهورية الإسلامية ليست حكومة محمد رضا بهلوي التي تنسحب بأمر من أميركا، ولا بشار الأسد الذي يلوذ بروسيا، ولا دول أوروبا الشرقية التي ترضخ بسهولة لمثل هذا السيناريو! إن انهيار الجمهورية الإسلامية قد يؤدي إلى حرب وصراع داخلي طويل الأمد وربما دائم، وإلى مزيج من إقطاعيات عسكرية واحتلال خارجي وتقسيمات قومية ومذهبية لإيران. وهو سيناريو شهدناه في يوغوسلافيا وأفغانستان ورواندا والصومال واليمن وسوريا وليبيا.
إن انهيار الجمهورية الإسلامية هو وصفة لتدمير مجتمع إيران البالغ عدد سكانه 90 مليون نسمة. فالجمهورية الإسلامية، بوصفها قيادة حركة رجعية وصلت إلى السلطة باسم ثورة فشلت، وفرضت نفسها طوال أربعة عقود، وسط الأزمات والحروب والانقسامات العالمية والإقليمية، كقطب رجعي في المنطقة، إذا لم تُسقطها الحركة الجماهيرية، فإنها مع انهيارها ستُسقط المجتمع بأسره معها!
إن المجازر والفظائع التي وقعت في يومي 7 و8 كانون الثاني هذا العام في إيران كانت لحظة من مسار «انهيار الجمهورية الإسلامية»، من ذلك السيناريو المظلم الذي يمكن أن يرسم مصير 90 مليون إنسان لأشهر وسنوات طويلة. سيناريو يضع الناس بين فكيّ حرب قوى رجعية، من الجمهورية الإسلامية إلى قوى السيناريو المظلم في صفوف المعارضة وغيرها، ويؤدي إلى تدمير حياة ملايين البشر في إيران”.
أما بشأن ادعاء الجمهورية الإسلامية بأن قوات الموساد كان لها دور في الاحتجاجات، فإن هذا الادعاء صدر في الأساس عن بومبيو والموساد. ولا يهم مدى واقعية هذا الادعاء أو كونه حرباً دعائية. المهم أن النظام الإسلامي، عبر هذا الادعاء، ربط الاحتجاجات المحقة للجماهير مباشرة بالموساد، وأطلق يد جهازه القمعي لارتكاب مجازر وحشية بحق الجماهير. ثم، وبعد إعادة فتح الإنترنت، أتاح نشر مشاهد مروعة للجثث والقتل، ليُظهر وحشية القمع للمجتمع ويزرع الرعب والخوف في قلب الجماهير.
لقد سمحت ادعاءات الجمهورية الإسلامية، بذريعة مواجهة شبكات تجسس الموساد، بقطع علاقات مجتمع يضم 92 مليون إنسان بعضه ببعض ومع العالم، ثم، مرة أخرى بذريعة حفظ الأمن، جعلت من المستحيل على الجماهير في إيران التواصل مع العالم من دون إنترنت مُفلتر من قبل الجمهورية الإسلامية. وهذه سياسة موضوعة رسمياً على جدول أعمال الجمهورية الإسلامية.
ومن هذا المنظور، فإن سياسة وجهود هذه المعارضة الرجعية خلال هذه المرحلة وجّهت ضربات قاسية إلى الحركة التحررية للجماهير في إيران، وإن سعيها إلى تهيئة الأرضية المادية والفكرية لهجوم عسكري قد يعرّض المجتمع الإيراني لمخاطر لا يمكن تعويضها.
إلى الأمام: الرواية الكلاسيكية التي نسمعها دائماً تقول إن سقوط النظام الإسلامي في إيران ليس في مصلحة المنطقة، لأنه يؤدي إلى الفوضى. لكن المنطقة تشهد الآن تحولات وتغيرات كبرى، ولا سيما بعد 7 مهر 1402 (29 سبتمبر/أيلول 2023). يوجد حالياً تيار داخل الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة يطالب بإسقاط النظام الإسلامي، وهو موقف ينسجم مع إسرائيل وسياساتها الفاشية. ويراقب متابعو تصريحات المسؤولين الأوروبيين، ولا سيما تصريحات المستشار الألماني الذي قال إن النظام الإسلامي في إيران لم يتبقَّ له سوى أسابيع قليلة، ويتساءلون: هل يوجد إجماع غربي على إسقاط النظام الإسلامي في إيران؟ وهل تتجه المنطقة مجدداً نحو الفوضى، في وقت كانت فيه آفاق الأمن والاستقرار بدأت بالظهور؟
آذر مدرسي: بطبيعة الحال، لا أوافق على هذه الرواية التي تقول إن أي شكل من أشكال إسقاط الجمهورية الإسلامية سيكون ضد مصلحة الجماهير في إيران والمنطقة، وهي رواية تُطرح أساساً من قبل الجمهورية الإسلامية نفسها أو القوى المؤيدة لها. إن مستقبل المجتمع الإيراني والمنطقة يتوقف على نوع وطريقة إسقاط الجمهورية الإسلامية.
إذا تم إسقاط الجمهورية الإسلامية بواسطة الطائرات الحربية الأميركية والصواريخ الإسرائيلية وقواتها البرية الداخلية، أو عبر انهيار الجمهورية الإسلامية، أي تحويل إيران إلى ليبيا أخرى، فلن تواجه إيران وحدها أزمة عميقة، بل المنطقة بأسرها. وهذا أحد أسباب معارضة الدول العربية وتركيا وباكستان للهجوم العسكري على إيران. فهذه الدول تدرك أنه في حال وقوع هجوم، ستخوض الجمهورية الإسلامية حرب البقاء الأخيرة، وأن القصف الجوي والصاروخي سيعني عملياً إدخال المنطقة بأكملها في هذه الحرب. كما تدرك أن انهيار النظام، مع أو من دون هجوم عسكري، وتحركات العصابات المسلحة والإجرامية، سواء كانت حكومية أو غير حكومية، وتحويل إيران إلى ليبيا أخرى، يمكن أن يخلّف آثاراً مدمّرة وطويلة الأمد في المنطقة، ولذلك فهي لا ترغب في مثل هذا السيناريو حفاظاً على أمنها ومصالحها. الدولة الوحيدة التي تسعى إلى تحويل إيران إلى ليبيا وإشعال المنطقة هي دولة إسرائيل. فالدولة الإسرائيلية كيان طفيلي يضع على جدول أعماله سياسة زعزعة أمن المنطقة وإضعاف الدول المنافسة له من أجل تثبيت موقعه فيها.
الطريق الآخر أو السيناريو الآخر لإسقاط الجمهورية الإسلامية هو إسقاطها عبر ثورة تحررية عمالية. ثورة تلعب فيها الطبقة العاملة وممثلوها السياسيون دوراً محورياً وحاسماً. ثورة تستهدف مجمل النظام السياسي-الاقتصادي، ومع إسقاط الجمهورية الإسلامية تنتقل السلطة إلى أيدي الجماهير وإلى الهيئات التي تمثل إرادتهم. مثل هذه الثورة تقوم بنزع السلطة والسلاح عن كامل آلة الحكم وأجهزتها القمعية، وتسلم السلطة إلى المجالس الشعبية. هذا السيناريو لا يضع فقط مستقبلاً مشرقاً وسعيداً أمام جماهير إيران، بل يمكن أن يشكل نقطة أمل للجماهير المحبة للحرية في المنطقة والعالم. إضافة إلى ذلك، فإن الدولة المنبثقة عن هذه الثورة ستكون أحد ركائز الاستقرار والهدوء في المنطقة.
الى الأمام: ما هو موقف الصين وروسيا من هذه التحولات، ولا سيما أن إيران جزء من مشروع طريق الحرير الاستراتيجي الصيني، وأن لكلا البلدين استثمارات كبيرة في إيران؟ أليست تصريحات الولايات المتحدة حول التدخل في إيران متناقضة مع الاستراتيجية الأميركية التي أعلنها البيت الأبيض الشهر الماضي، والتي تقوم على التركيز على أميركا الجنوبية، ومنافسة الصين في تلك المنطقة وفي المحيط الهادئ، والابتعاد عن الشرق الأوسط؟
آذر مدرسي: من الحقائق أن الشرق الأوسط فقد منذ زمن طويل أهميته الاستراتيجية السابقة، في فترة الحرب الباردة وقبل انهيار الكتلة الشرقية، وأن الوجود في الشرق الأوسط لم يعد، على الأقل خلال العقد الماضي، أولوية لدى الطبقة الحاكمة الأميركية. ومع النمو الاقتصادي للصين ومشروع طريق الحرير والممر الاقتصادي إيران-كازاخستان-الصين بوصفه جزءاً من هذا المشروع، وكذلك ممرات الشمال-الجنوب التي تسرّع ارتباط الصين بأوروبا والعالم، وتلعب دوراً جدياً في ربط الصين وروسيا وآسيا الوسطى وإيران بجنوب آسيا وأوروبا، والتي سيكون لها، على الأقل في المرحلة الأولى، تأثيرات حاسمة على معادلات النقل في أوروبا وآسيا وتقلل بشدة من النفوذ الأميركي في هذه القارة، تحوّل هذا كله إلى معضلة للولايات المتحدة في تنافسها الاقتصادي مع الصين.
من هذا المنظور، أصبحت مكانة إيران واستقرار الجمهورية الإسلامية، من جهة، منطقة حساسة وحاسمة بالنسبة إلى الصين وروسيا والهند، ومن جهة أخرى، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، الحلقة الأضعف في هذا المشروع. إن مسألة خطر إيران النووية كانت دائماً ذريعة ووسيلة لصراعات أخرى، تتجاوز الصراع المباشر بين إيران والولايات المتحدة. إن حساسية الولايات المتحدة اليوم تجاه إيران، ومحاولتها زعزعة أمنها وزعزعة أمن المنطقة بأقل كلفة ممكنة، هي جزء من الحرب الاقتصادية الأميركية مع الصين، ومحاولة لمنع الانهيار الكامل لإمبراطوريتها.
خلال السنوات القليلة الماضية، شهدنا محاولات وتغييرات في سياسات الجمهورية الإسلامية للتخفيف من التوتر مع الغرب، ولحل معضلات الاندماج في السوق العالمية، أي السوق الغربية. لكن معضلة الولايات المتحدة اليوم مع إيران باتت إلى حد كبير خارج سيطرة وإرادة الجمهورية الإسلامية، وكما أشرت، هي جزء من صراع عالمي بين القوى الاقتصادية الدولية.
الى الأمام: ما هي رسالتك إلى الطبقة العاملة والجماهير في المنطقة؟
آذر مدرسي: إيران مجتمع يضم 92 مليون نسمة وله تاريخ من الصراعات الطبقية والسياسية في المنطقة. وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي شهدت ثورتين، الثورة الدستورية وثورة 1979، ولديها طبقة عاملة كبيرة ذات جذور عميقة في الراديكالية العمالية واليسارية. ومن هذا المنطلق، فإن مسار التحولات فيها، سواء التحولات الثورية والراديكالية أو التحولات المدمرة والكارثية، يمكن أن يكون له تأثير حاسم في مسار الصراع الطبقي في الشرق الأوسط. كانت ثورة 1979 واحدة من أهم الأحداث والثورات الجماهيرية في سبعينيات القرن الماضي، ثورة كانت توشك أن تغيّر المشهد السياسي في إيران، وبالتالي في الشرق الأوسط، لصالح الطبقة العاملة والجماهير. وقد شهد الجميع كيف أدى قمع هذه الثورة من قبل الرجعية الإسلامية، بمساعدة الدول الغربية، وصعود الإسلام السياسي في إيران، إلى تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة لهيمنة الإسلام السياسي، وكيف تمكن هذا التيار، بالاستناد إلى وصوله إلى السلطة في إيران، من الاستقواء في الشرق الأوسط وأفريقيا والعالم، وفرض بصمته الرجعية على حياة الناس لعقود عدة.
من هذا المنظور، فإن التحولات المقبلة في إيران تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى الطبقة العاملة في الشرق الأوسط والمنطقة. فنحن نشهد مرة أخرى تشكّل حركة راديكالية تحررية بهيمنة اشتراكية في إيران، وفي الوقت نفسه نشهد مؤامرات الدول الرجعية ضد هذه الحركة ومحاولاتها دفعها إلى التراجع. ومن هذا المنطلق، فإن الدعم الشامل لهذه الحركة وتعزيزها بكل الأشكال والمساعدة في تصديها للسيناريوهات الرجعية التي تواجهها هو الحد الأدنى مما يجب أن تضعه الطبقة العاملة والمنظمات العمالية والمنظمات الراديكالية المدافعة عن حقوق الإنسان على جدول أعمالها. ففي ظروف تحاول فيها الجمهورية الإسلامية، عبر القتل والذبح وقمع المجتمع وإرهابه، وفي مقدمتهم الطبقة العاملة، وفي ظل شبح الحرب الذي يخيم على حياة الناس في إيران، وفي ظروف تحاول فيها كل من الجمهورية الإسلامية والدول الرجعية فرض اليأس والعجز على الجماهير، فإن الصوت القوي للطبقة العاملة والجماهير المحبة للحرية في المنطقة لا يعزز فقط نضال هذه الطبقة ضد فرض اليأس والعجز، بل يلعب أيضاً دوراً حاسماً في بناء متراس قوي وطبقي في مواجهة الرجعية الإقليمية والدولية بأسرها، ومن أجل مستقبل إنساني.
إن نضال الجماهير في إيران اليوم هو امتداد لنضال الجماهير في العراق وسوريا ومصر وتونس وفلسطين من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، ولا ينبغي السماح للرجعية العالمية والإقليمية بأن تجعل من إغراق هذا النضال بالدم سيناريو ممكناً.
