حول المواقف من الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران!
عادل احمد
إن من يعتقد أن له مصلحة سياسية، أو أنه يستطيع الوصول إلى السلطة عن طريق الحرب والدمار، وإطلاق الصواريخ والطائرات، وقتل الأبرياء، وإرهاب الجماهير، وتدمير إرادتهم، وتخريب كل البنى التحتية والمدنية لأي دولة، هو ليس فقط لا يمت بصلة للشيوعية والحركة العمالية، بل إنه لا يمت بأي صلة للإنسانية ولا حتى للمبدأ الإنساني البسيط. إن تغيير المجتمع نحو الأفضل يتحقق عبر تحسين ظروف حياة ومعيشة الجماهير، وليس العكس. وهذا يمكن إنجازه عن طريق الثورة الاجتماعية، وليس بواسطة الحروب المدمرة واللصوصية.
إن جزءًا من الطبقة البرجوازية الإيرانية، من الشاهنشاهيين والليبراليين والقوميين (أكرادًا وفرسًا)، يعلق اليوم كل آماله وأهدافه السياسية على سياسات أمريكا وإسرائيل، وعلى صواريخهم وطائراتهم في حربهم على إيران. وتتطابق أهداف هؤلاء مع هذا العدوان بشكل كامل… ولا يهمهم ما سيحدث لإيران والمجتمع الإيراني بعد كل هذا القتل والتدمير والخراب، ولا ما يُطبخ في مطابخهم الرجعية بهدف إيصال جماعة من المجرمين والقتلة والإرهابيين إلى سدة الحكم، كما حدث مع تنصيب إرهابيي داعش وجبهة النصرة في سوريا.
يحاول هذا الجزء من البرجوازية الإيرانية ربط أهدافه بحركة الرأسمال الغربي، وخاصة الأمريكي، في مسعاه لتقسيم العالم وفق مقاساته. ومن المعلوم أن هذا الجزء لا يهمه كيف ستكون العملية العسكرية أو نوعيتها، ولا ما سيحل بالمجتمع الإيراني من تدمير لبناه التحتية الاقتصادية والاجتماعية، وإلقائه في براثن الفقر والجوع بعد مقتل آلاف الأطفال والأبرياء. كما لا يهمه الأجواء العسكرية وانعدام الأمن في عموم المنطقة المحيطة بإيران؛ فالمهم عنده هو سقوط الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو إضعاف سلطتها. إن سياسات هذا الجزء من البرجوازية ليست غير إنسانية فحسب، بل هي وحشية ودموية حتى النخاع.
إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، المعروفة بجمهورية الإعدامات، والتي وصلت إلى السلطة عبر سرقة الثورة الإيرانية عام 1979 في عملية أُعدت في المطابخ الفرنسية والبريطانية التي جلبت إسلاميين مثل الخميني والخامنئي والرفسنجاني إلى الحكم، وتلقت الدعم اللازم لقمع الثورة والثوريين. ليس خافيًا على من تابع التسلسل الزمني للثورة الإيرانية (1978-1979) كل محاولات الدول الإمبريالية لتنصيب شخصياتها وعملائها، من أمثال مهدي بازركان وشابور بختيار والليبراليين الموالين لهم، في مواجهة “عملاء الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية”، بهدف تضليل الثورة والقيام بثورة مضادة. إن عودة “آية الله” الخميني من باريس على متن طائرة تابعة لشركة إيرفرانس إلى طهران وتحت حمايتهم، تبيّن كيف خدم الخميني وجمهوريته مصالح الدول الإمبريالية الغربية والأمريكية في ذلك الزمان. واليوم، باتت هذه الجمهورية الإسلامية الإيرانية عقبة كأداء أمام نفس تلك الدول الإمبريالية في مشاريعها لتقسيم العالم من جديد، وصياغة الشرق الأوسط الجديد بقيادة أمريكا وحليفتها الوحشية إسرائيل.
إن رحيل وسقوط الجمهورية الإسلامية هو حلم وهدف كل إنسان شريف وداعية تحرر. فالطبقة العاملة تنزل يوميًا إلى الميدان محتجة ومتظاهرة من أجل إنهاء الاستبداد والحكم الإسلامي في إيران. لقد رأينا كيف اتبعت سلطة الجمهورية الإسلامية سياسة القمع السافر للحركات العمالية، والاعتقالات بحق القادة العماليين وزجهم في السجون، ثم إطلاق سراحهم لاحقًا نتيجة الاحتجاجات العمالية.. ورأينا أيضًا الاحتجاجات الجماهيرية إثر مقتل مهسا أميني بسبب الحجاب الإجباري، ورأينا في النتيجة، وعلى الرغم من القمع الوحشي، كيف سقط قانون الحجاب الإجباري وانفتحت الحكومة على بعض حقوق النساء. لقد كانت الاحتجاجات الجماهيرية اليومية في طريقها لإسقاط سلطة جمهورية الإعدامات، لكن التدخل الخارجي من قبل إسرائيل والدول الإمبريالية عرقل هذا السقوط عبر الثورة. إن كل هذه الحروب والاقتتال مع إيران تطيل عمر الجمهورية الإسلامية لا العكس. فالحرب والدمار وخلق الأجواء العسكرية والإرهاب تقوي الجمهورية الإسلامية في إيران، وتطلق يدها لقمع التظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية بالحديد والنار، بحجة الخطر القادم من إسرائيل وأمريكا والغرب.
لقد ربط جزء من اليسار التقليدي في إيران آماله وأهدافه أيضًا بالصواريخ والطائرات الإسرائيلية والأمريكية. ومحتوى حجتهم هو: “لا يهمنا ما هي أهداف سياسات إسرائيل وأمريكا من ضرب إيران، ما دامت هذه الصواريخ تؤدي إلى إسقاط الديكتاتورية الإيرانية وتسمح للجماهير بالخروج إلى الميدان وتحقيق مصيرها!” إنه لمن السذاجة أن يعتقد أحدٌ أن من يرسل الصواريخ والطائرات، ويدمر البنية التحتية، ويرعب الجماهير، ويقتل الأطفال في المدارس، ويدفن الناس تحت أنقاض بيوتهم، قد جاء لتحريرهم!! إنه لمن السذاجة أن يعتقد أحدٌ أن إنفاق أمريكا وإسرائيل عشرات المليارات من الدولار على الحرب هو من أجل تحرير الشعب الإيراني من الديكتاتورية الإسلامية! إن صرف عشرات المليارات على عملائهم وإعلامهم المأجور وتجهيزهم بالسلاح والمال، هو في خدمة أهدافهم ومصالحهم الاقتصادية والسياسية في المنطقة. إن وجود إيران مواليةً للصين وروسيا، ومتوافقة مع مصالحهما الجيوسياسية في تقسيم العالم والهيمنة والنفوذ، يشكل عقبة أمام مصالح أمريكا وإسرائيل الكبرى في الشرق الأوسط الجديد. إن محاولة وضع إيران في خدمة أمريكا هي الهدف الاستراتيجي لهذه الحرب المدمرة، وتحاول أمريكا بكل إمكانياتها العسكرية والاقتصادية تحقيق هذا الهدف، سواء بسقوط الجمهورية الإسلامية أو بإضعافها وبالتالي إجبارها على الرضوخ لمطالبها الاستراتيجية في مواجهة الصين وروسيا. إذاً، فإن آمال وأهداف اليسار غير العمالي المرتبطة بهذه الاستراتيجية الرجعية ليست مجرد آمال لا إنسانية فحسب، بل هي أهداف رجعية لا تخدم إلا الطبقة البرجوازية الإيرانية القومية، وهي على النقيض تمامًا من مصالح الطبقة العاملة والجماهير الكادحة والمحرومة في إيران.
حوار المتمدن-العدد: 8647 – 2026 / 3 / 15 – 16:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية