
عواد أحمد صالح
شهدت إيران تظاهرات متصاعدة شملت معظم المدن، وتطورت لمواجهات مع النظام من قبل مجموعات معارضة مسلحة، وسط تدخلات خارجية ودعم إقليمي ودولي. فمن ناحية، بدأت الاحتجاجات كمطالب حياتية تعكس تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية، الناجم عن الحصار الخانق الذي تفرضه الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل، وعن الفساد المستشري وسوء الإدارة المزمن. ومن ناحية أخرى، تعبر عن طموح قطاعات واسعة من الجماهير الايرانية المتحضرة نحو التحرر من قبضة نظام الملالي، ونيل الحريات السياسية والاجتماعية.
لو افترضنا نجاح هذه الحركة في تغيير النظام الإسلامي، فما الذي سيحدث؟
اي نظام نظام جديد سيأتي في خضم فوضى داخلية وعالمية ستهز المجتمع الإيراني. وفي ظل توازن القوى الحالي، سيكون هذا النظام – من الناحية السياسية – في صف المحور الأمريكي-الإسرائيلي-الغربي، وسيصبح نظاماً تابعاً طيعاً لتوجيهات الولايات المتحدة الطامعة في ثروات إيران النفطية والمعدنية. سيكون هدفه الأكبر إخراج إيران من دائرة نفوذ القطب المنافس المتمثل في التحالف الصيني-الروسي. ولن يكون هذا النظام في خدمة الجماهير الإيرانية كما يروج بعض المعارضين الإصلاحيين والليبراليين والملكيين وحتى القوى اليسارية والشيوعية. على الأرجح، سيعتمد سياسات نيوليبرالية تزيد من تعميق الهوة بين غالبية الجماهير والطبقة العاملة من جهة، وبين طبقة أوليغارشية جديدة تُنصّبها الأجندات الإمبريالية من جهة أخرى. هذا إذا لم تؤدِّ الأحداث إلى تقسيم إيران إلى دويلات أو مناطق على أسس طائفية أو قومية، على غرار ما حصل في العراق.
يعوّل بعض اليساريين على أن قيام نظام بديل سيفتح أبواب الحريات السياسية والاجتماعية، وقد يستفيد اليسار من هذا المناخ. لكن، إلى أي مدى سيكون له دور مؤثر كقطب سياسي في النظام المحتمل؟ لا يمكن الجزم بذلك. ثم ما طبيعة هذه الحرية الموعودة وآفاقها وحدودها؟ لا يمكن لأحد التكهن بذلك.
لا أدفع هنا عن نظام الجمهورية الإسلامية الثيوقراطي القمعي والرجعي، ولكن في سياق المرحلة التاريخية الراهنة، لا توجد الظروف المحلية والعالمية الملائمة لقيام نظام تقدمي في إيران، بسبب اختلال موازين القوى لصالح القوى الإمبريالية ووكلائها وأذيالها من مختلف الاتجاهات البرجوازية والرجعية.
إن سقوط النظام الإسلامي المفترض في إيران يعني سقوط أهم قلعة للإسلام السياسي في المنطقة، وإذا ما سقط، فسيبدأ دور قوى الإسلام السياسي في المنطقة بالانحسار والدخول في مرحلة الأفول وزوال التأثير السياسي والاجتماعي. وهذا جانب أساسي ومهم في القضية.
لكن على القوى اليسارية في إيران، بشكل خاص، أن تضع في حساباتها أنها لن تحصل على موقع في السلطة المفترضة، حتى لو لعبت دوراً مؤثراً في الاحتجاجات. لأن النظام الأمريكي والغربي المتوحش، وتوازنات القوى في الشرق الأوسط في هذه اللحظة التاريخية، لن يسمحا بقيام أي نظام ذي طابع يساري في إيران يكون متحرراً من الهيمنة الأمريكية والغربية.
على اليسار الشيوعي والاشتراكي أن يحدد موقفه بوضوح من الاحتجاجات المشروعة للجماهير في إيران، ومن دور القوى الرجعية المدعومة غربياً داخل هذه الاحتجاجات. إن إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية يبقى هدفاً مهماً، ولكن يجب أن نكون حذرين إزاء الآليات التي ستُستخدم للإطاحة بالنظام، والسيناريوهات المحتملة، والقوى التي ستبرز في حال سقوطه.
ويجب على اليسار الشيوعي والاشتراكي أن يكون مستعداً للمساهمة بشكل فاعل – فيما لو سقط النظام – في تجنيب الشعب الإيراني عوامل الفوضى والسيناريو الأسود المحتمل
