المقالاتعادل احمد

أزمة المهاجرين، أم المهاجرون في أزمة ؟

عادل احمد

ان ما حدث أخيرا من وصول الآلاف من المهاجرين، الأطفال والنساء والشباب من العراق وسوريا وأفغانستان الى الحدود البيلاروسية – البولندية منذ أيام وفي طقس بارد أحيانا يكون تحت الصفر المئوي، هربا من جحيم بلدانهم تاركين ورائهم بقية عوائلهم واصدقائهم وعلاقاتهم الاجتماعية للبحث عن مكان آمن يضمن مستقبل أطفالهم وعوائلهم … وخلقت هذه الحالة أزمة متفاقمة بين الدولتين الأوروبية من جهة والدولة البيلاروسية من جهة أخرى.

ان الهجرة والتنقل من مكان الى مكان اخر طوال التاريخ في البحث عن تحسين الحياة والمعيشة؛ هي ظاهرة اجتماعية و تعتبر من الحريات الإنسانية التي يجب ان تمنح لكل فرد أينما وجد. ولكن بعد تشكيل الدول البورجوازية وحدودها القومية وترسيم الحدود، جعلت من هذه الحرية والحقوق الإنسانية منحة ومنة تفتخر بها الدول الرأسمالية وان توسيعها وتضيقها مرهون بشروط الاقتصادية والحالة السياسية لهذه البلدان او تحت ضغط التيار الإنساني والاجتماعي وخاصة الحركة العمالية طوال القرنين الماضيين. واليوم بعد دخول النظام الرأسمالي في أزمته الاقتصادية والتي تعمقت اكثر بعد وباء كورونا ، فان مسالة المهاجرين اصبحت مشكلة كبيرة للطبقة الرأسمالية العالمية وتحارب بشتى الإشكال لمنع وصول المهاجرين الى الدول الغربية الصناعية، والتي هي أصلا تعاني من صعوبات توفير فرص عمل لمواطنيها، وتريد ان تعلل مشاكل وتناقضات ومشاكل نظامها المزمنة، وتناقضه مع متطلبات المجتمع المعاصر اصبح النظام البرجوازي عاجزا امام تطور المجتمع الحر وامام السعادة البشرية … ولهذا تُرجع مشكلتها الاقتصادية إلى وجود اعداد هائلة من المهاجرين على أبوابها على الرغم من إن هؤلاء المهاجرين يوفرون لأنظمة هذه البلدان أرباح عالية، بسبب رخص أجورهم، وخلق نوعا من التنافس على الأجور والمستحقات المالية الأخرى تجعل من عموم الأجور الوطنية أرخص نسبيا. ان الدول الغربية حتى وان تسد الباب بوجه المهاجرين بشكل صارم، فهذا لن ينفع بشيءٍ في تحسين أمورها الاقتصادية والتي هي في ازمة خانقة دورية ومزمنة. ولكن لكي تغطي هذه المشكلة فان عليها خلق أسباب أخرى  مثل أمور المهاجرين والتي لا دور لها بتاتا في مشكلتها الاصلية  لان سوق العمل والتنمية الاقتصادية مرتبط بعرض وطلب السلع والاستهلاك البشري… ولهذا من السخف تعليله بوجود اعداد هائلة من المهاجرين. في حين عندما تحتاج السوق قوة العمل واليد العاملة الكبيرة فان كل هذه الدول تفتح أبوابها للمهاجرين وتمنحهم حق اللجوء والإقامة وتسهل أمور المهاجرين ، كما شاهدناها بعد الحرب العالمية الأولى والثانية والتي استقبلت مئات الاف من العمال من الدول الأفريقية والآسيوية والشرق الأوسطية الى الدول الغربية وساعدوا في نمو وتطور حركة الرأسمال في هذه الدول …

وان مسالة المهاجرين الان في بيلاروسيا وبولونيا وقضيتها يجب بحثها في هذا السياق أي في سياق خدمة الرأسمال. يجب ان يُنظر اليها من زاوية بأن: هل القادمون والمهاجرون يفيدون الاقتصاد والربح في الدول الأوروبية والأمريكية ام لا؟ وفي حالة، يخدم المهاجرون عملية الأرباح فالأبواب مفتوحة ومرحب بهم كما حصل في المانيا قبل خمسة سنوات مع المهاجرين السوريين. واذا لم يخدم الرأسمال فان التشديد في منعهم وسد الأبواب بوجه المهاجرين تصبح سياسة عامة للدول الغربية. علاوة على ذلك فان الدول مثل بيلاروسيا وروسيا  تلعب بورقة المهاجرين كضغط على الاتحاد الأوروبي لتخفيف العقوبات الاقتصادية عليهم و تقوم بتسهيلات التأشير والدخول وتنقل المهاجرين الى أبواب وحدود الاتحاد الأوروبي. وفي المقابل يكون رد فعل الاتحاد الأوروبي  قاسيا بحق طالبي اللجوء والمهاجرين، وتخلق المشاكل وارسال الجيش لمنع عبورهم وبهذا العمل من الجانبين خلقت مشاكل إنسانية وسببت بموت المهاجرين في الغابات وانتشار الأمراض والتعذيب الجسدي والنفسي خلال عبور الاسلاك الشائكة.

ان الهجرة والسفر والبحث عن الامان الاقتصادي والسياسي من ابسط الحقوق الإنسانية، وليس مشكلة بحد ذاتها ولكن اذا جعلت من مسالة اللاجئين والمهاجرين مشكلة سياسية واقتصادية ، فان هذا يرجع الى الطبيعة غير الإنسانية للنظام الرأسمالي والتي تتاجر حتى بحياة ناس يبحثون عن حياة كريمة  أي يُجعل من قضية المهاجرين مشكلة عويصة تنفق اموال وجهود كثيرة على الحواجز لمنع دخولهم اليها.

ان العالم مستيقظا ويرى بأم عينيه ما يدور في بلدان عديدة من المآسي والويلات وخاصة أفغانستان وسوريا والعراق واليمن وليبيا والسبب هي تدخل الدول الغربية وامريكا في شؤون هذه البلدان وخلقت مشاكل وحروب وانشاء جماعات إرهابية وبربرية خبيرة بالقتل والإرهاب.  ولم يتركوا طريقا اخر تسلكه جماهير هذه الدول في اللجوء الى أماكن أخرى بحثا عن مكان آمن. وان الإنسانية والحركة التحررية والمساواتية واعية لمنع حدوث مأساة بشرية كما في السابق ولهذا تتعاطف مع الأطفال والنساء والشباب وتحاول مد يد الإنسانية لهؤلاء المهاجرين عن طريق توفير الغذاء والملابس وتحاول الضغط على بلدانها لكي تساعد على تخلص المهاجرين من المعاناة كما ارسل مواطنون ألمان حافلات لنقل المهاجرين اليهم ومساعدتهم. وعلى كل الإنسانية أينما يكون ان تضغط على حكوماتهم من اجل قبول المهاجرين وتوطينهم في البلدان التي يرغبون العيش فيها ، علينا ان نجعل عن طريق قضية المهاجرين  اتحادا امميا وندافع عن الإنسان وقضاياه وعن كل الأمور المتعلقة بالإنسانية … وعلى البشرية ان تهزم شر وكراهية النظام الرأسمالي المتعطش الى الربح وتراكم الأموال. أظهرت مسالة المهاجرين بان  الإنسانية  اقوى من القومية واقوى من التعصب الديني واقوى من الحدود الوهمية المرسومة للبشرية المعاصرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى