منصور حكمت

أسس الشيوعية العمالية

حديث في جمعية ماركس – لندن- كانون الثاني 2000
)تم تدوين النص نقالً عن تسجيل صوتي للندوة(
ترجمة: فارس محمود
بضع كلمات فيما يخص اختيار عنوان موضوع اليوم
قبل أن أبدأ في الموضوع نفسه، ألتحدث لكم عن أسس الشيوعية العمالية. إن هذا العنوان هو أسس الشيوعية برأيي. أي
إن موضوع أسس الشيوعية العمالية ليس شيئاً سوى أسس الشيوعية. في كتاب “اختالفاتنا”، والذي هو نقاش جدلي حول
الشيوعية العمالية، ورد سؤال يقول: ما فرق هذه الموضوعة عن الشيوعية؟ أو يسأل: ما الشيوعية العمالية في الواقع؟
هل هي بحث نظري؟ رؤية؟ حركة؟ حزب؟ كيف تعّرف الشيوعية العمالية اساساً؟ هل هي نظرية؟ حركة سياسية أم ماذا؟
لقد ذكرت، في ذلك الكتاب، أني أستعمل الشيوعية العمالية بوصفها مرادفاً للشيوعية؛ وسأتحدث لكم الحقاً لماذا توجب
عل ّي، في هذا الموضوع، استعمال هذه الكلمات المترادفة بهذا الشكل؟ مثلما إن الشيوعية حركة، ونظرية أيضاً، وكذلك لها
أحزاب، ولها تاريخ أيضاً، يمكن كذلك للشيوعية العمالية طرح موضوعها وتقييمها والتحدث عن أن الشيوعية العمالية
تعني كذا بوصفها نظرية؛ وبوصفها حركة الشيوعية العمالية تعني كذا؛ وبوصفها مجموعة أحزاب تعني كذا. بوصفها
حركة في النضال السياسي، وفي سلسلة تكتيكات، يمكن تعريف الشيوعية العمالية بهذا الشكل. وكسلسلة، أساليب، نهج
وسلسلة معايير وأساليب وموازين سياسية تعني الشيوعية العمالية كذا. ليست الشيوعية العمالية احداها إن كانت
الشيوعية العمالية عبارة مرادفة للشيوعية. وعليه، ماذا تكون الشيوعية، ينبغي توضيح الشيوعية العمالية باألبعاد ذاتها.
وسأسعى، ال اليوم، بل في مجمل ندوات الشيوعية العمالية لتناول أبعاد هذه الكلمة.
إن هاتين الندوتين لموضوعة الشيوعية العمالية ربما تكونان مقدمة لعمل ذي وتيرة أكبر، وهو أن نبلغ موضوعة برنامج
“عالم أفضل”، نتطرق الى تلك الميادين والبنود التي يتناولها ذلك البرنامج، نتتبعها في سلسلة ندوات، مثال ثماني الى
عشر ندوات، تختص كل منها بموضوع واحد نتحدث حول قضاياه. هناك بحث الرأسمال، وآلية تطور الرأسمال وعمل
الرأسمال. بوسعنا تخصيص ندوة لعمل الرأسمالية، لمفهوم الدولة، الحكومة الراسمالية، أن نتحدث عن االشتراكية
البرجوازية والشيوعية العمالية والشيوعية البرجوازية والتي هي فقرة في ذلك البرنامج. بوسعنا الحديث عن الثورة
واالصالحات، الحديث عن ماركس، نتحدث بعدها عن تلك الجمهورية، النظام السياسي الذي ننشد، نتحدث عن المجالس،
وعن المطالب االقتصادية.
يتمثل هدفي، من موضوعات الشيوعية العمالية التي أطرحها في ندوتين، أن أصل مكاناً أشرع فيه بتقويم ومناقشة مواقف
الشيوعية العمالية في عالمنا المعاصر واحداً تلو اآلخر. على سبيل المثال، في ما يخص اإلجهاض، لماذا تأتي هذه المواقف
من تلك الرؤية؟ في ما يخص إنهاء ومحو البغاء، أعتقد أن هذه المواقف تاتي من تلك الرؤية؟ لماذا ينبغي استخالص
الحزب السياسي على سبيل المثال من هذه الرؤية، وأن تكون له مثل هذه السمات والخصائص؟ وإن هذه بالطبع آرائي.
وإذا أردنا، بوسعنا الحديث عن هذه الجوانب واحداً تلو اآلخر.
إن كان من المقرر أن أوضح أسس الشيوعية، فسأبدأ من هذا الكتاب، من عالم أفضل ومن صفحته األولى. ولكن ينبغي أن
تمضي ندوة الشيوعية العمالية إلى وسطه لتشرع من هناك، إلى ما يسمى “الشيوعية العمالية والشيوعية البرجوازية”.
أود أن أبدأ الندوتين من هنا.المسلمات واألرضية الموضوعية للشيوعية العمالية
بخالف الشيوعية إجماالً، ليست الشيوعية العمالية بحثاً اثباتياً )affirmative-م( حول ماهي االشتراكية. إنها بحث حول
ما ال تكون عليه الشيوعية، وإن الـ”ما ال تكون” هذه هي ليست الئحة نقول فيها إن الشيوعية ال تعني كذا. إنها تقول “ال”
باسم الشيوعية، لمعسكرات معينة ظهرت باسم الشيوعية. وعليه، ُط لتاريخ مر باسم الشيوعية، العتقادات معينة رحت
ليس بوسع الشيوعية العمالية أن تقول إثباتاً: ظهرت الرأسمالية، نمت البروليتاريا الصناعية، اكتسب الصراع الطبقي شكالً
جديداً، غدا فائض القيمة أساس المجتمع، وبعدها نما هذا الشكل من الشيوعية.
ال يرى موضوعي أن هذا التناول كافياً. في الحقيقة، لم يكن هذا كافياً بالنسبة لماركس نفسه كذلك في البيان الشيوعي،
وسأبين لكم ذلك اآلن. لقد كان ماركس مجبراً في البيان الشيوعي نفسه أن يرسم خطاً فاصالً مع الشيوعية االقطاعية،
االشتراكية االقطاعية، االشتراكية البرجوازية الصغيرة، االشتراكية الحقيقية األلمانية، ويقول إن الشيوعية ليست هذه. وما
هو فرقها؟ إن أحد فصول البيان الشيوعي نفسه هو حول االشتراكية البروليتارية واالشتراكية غير البروليتارية
واالشتراكية البرجوازية. إن هذا يصح علينا بصورة أولى.
إن دخول هذا النقاش أساساً هو الدخول للشيوعية العمالية وغير العمالية برأيي. إذ يعد توضيح هذا التمايز أمراً أساسياً. ما
الذي نطلق عليه شيوعية عمالية، وما الذي نطلق عليه شيوعية غير عمالية، وما الفرق بينهما، ولماذا على الشيوعية
العمالية، أن تطرح نفسها، ولماذا ينبغي أن تطرح وفق هذه الخطوط. وعليه، إن شروع نقاش هاتين الندوتين هو نقاش
جدلي بمعنى ما، جدل انتقادي لما أطلقوا عليه شيوعية، أو ما أطلقنا عليه أنا وأنتم شيوعية وبوصفها شيوعية طرحت
نفسها في عالمنا، وس ّمتها البشرية شيوعية، وإن نقدها ليس نقد معسكرها األساسي فحسب، بل مجمل المعتقدات
والتصورات والصيغ والتفسيرات التي طرحتها تلك الشيوعية عن نفسها، وافترضنا أنها مسلمات وبديهيات فحسب.
وسأشير إلى كيف أن تلك التصورات واالعتقادات التي كانت بديهيات ومسلمات لدى اليسار هي أمر ليس بديهياُ وال مسلماً
به، ليس هذا وحسب، بل أنها في تعارض مع رؤية ماركس والشيوعية العمالية.
على أية حال، إن نقطة انطالق الموضوع، ندوة الشيوعية العمالية، هي مقدمة إلعطاء رواية أخرى للشيوعية. يوصلنا لب
هذه القضية التي ننظر لها الى مكان واحد، وهو رواية وصيغة أخرى لشيوعية تنشد الدفاع عن نفسها، الدعاية لنفسها،
وأن تجمع لنفسها أناس يشاطروها الرؤية.
إن الندوة التي أقدمها اآلن قد قمت بها مرة في عام 1989 .يمر اآلن أحد عشر عاماً على أول ندوة للشيوعية العمالية
والتي طرحتها في إطار الحزب الشيوعي اإليراني، في مدينة مالمو السويدية. وقد حضرها أناس كثر. أعتقد أن ليس بوسع
هذه الندوة أن تكون تكراراً بسيطاً للموضوع ذاته. إن جزءاً من ذلك يعود إلى أن بوسعنا اليوم أن ننظر بصورة أفضل كثيراً
لجوانب موضوعنا، وجزءاً آخر يعود لألحداث التي جرت، الخالفات التي ظهرت. على سبيل المثال، كانت آنئذ شيوعية
معسكرات، فيما لم تبق اآلن. ولهذا نتحدث في إطار آخر.
على أية حال، توجب على الشيوعية، في تلك المرحلة، أن تمايز نفسها عن الشيوعية الشعبوية، غير الشعبوية،
البرجوازية، المعسكراتية )من كلمة معسكر-م( والتي كانت قائمة آنذاك. أعتقد أن عليها أن تمايز نفسها اليوم كذلك عن
نوع من نزعة )كاركر كرائي(، “اللهج باسم العامل او العمالوية-م”، التشدق العمالي الزائف. إنها اختالفات، ربما إذا ما
قورنت بأحد عشر عاماً خلت، ينبغي تناولها في هذه الندوة. وإنه اختالف موضوعة اليوم عن موضوعة ذلك اليوم. ربما،
وبدرجة ما أيضاً، بوسع المرء، بعد أحد عشر عاماً، أن يطرح الموضوع بشكل أكثر إيجازاً وفائدة. وان يكن نص بحث
ندوة الشيوعية العمالية، الندوة االولى، سوف ينشر في المجلد 6 من مجموعة اآلثار )آثار منصور حكمت-م( من المقرر
أن تصدر هذه األيام. إن نصها الكامل موجود، وبوسع الرفاق أن يقرأوه الحقاً كذلك. آمل أن يصدر المجلد، ويكون بوسعي
أن أوصيكم بقراءته بوصفه أحد مصادر هذا الموضوع. وإن يكن سيستغرق التنظيم والطبع وقتاً وآمل أن يلحق بالندوة
المقبلة. وإذا لم يلحق، فمن المؤكد أنه سيصدر مباشرة بعد الجلسة.إن أحد ضرورات طرح بحث الشيوعية العمالية هذا، بالنسبة لي، هي أنه خالل )7-10 )سنوات األخيرة وباألخص السنوات
)3-4 )األخيرة، انخرط جيل في الحركة التي نسعى إلرسائها سواء في إيران أو العراق أو خارج البلد )وفي ايران، قصدي
سياق المعارضة االيرانية نفسها(، وهو األمر الذي لم يتعقبه موضوع ما قبل 11 عام. ولم يشهد الجيل المذكور تلك
ُي تقليده، وليس بوسعه االرتباط بها. يمكن أن يكون هدف هذه الجلسة على الخصوص هو ِ رس الموضوعات عن كثب، ولم
طرح مجموعة من الموضوعات. أن تكون مرشداً لألعضاء الجدد في الحزب الشيوعي العمالي. بوسع أصدقاء موضوعة
الشيوعية العمالية أن يمضوا مرة أخرى إلى تلك المقاالت ويتطلعوا فيها، ويقولون إن هذا )ما ذكره في الندوة-م( يتعلق
بتلك المقاالت. وبالنتيجة، يتمثل هدفي بتعريف امرئ أتى حديثاً، وأربطه بدرجة ما بالموضوع الذي قدم سابقاً. وإذا كان
بعضكم أو أغلبكم حاضراً في تلك الجلسات أو يتذكر تلك النقاشات أو أي شيء، ينبغي أن تتحملوا برأيي ألن من الممكن أن
يكون تكرار تلك الموضوعات ذا فائدة لهم.
أود كذلك أن أعرفكم مرة أخرى باألدبيات التي تقف وراء هذا الموضوع. ثمة تل من المواد موجودة. دون أية مبالغة، تل
من المواد موجودة. إذ تواجهني مشكلة في انتقاء أي من هذه الموضوعات وأشير إليها.
موضوعة حول “نحن نحب العامل كثيراً زائداً الماركسية”. إنها موضوعة بمستوى ً إن موضوعة الشيوعية العمالية ليست
ما هي فلسفة الماركسية؟ ما هي منهجية الماركسية؟ أي نوع من الظواهر هو الحزب؟ ما هي اختالفات الحركة االشتراكية
والحركة غير االشتراكية؟ ما هو عليه الرأسمال، وما هو ليس عليه؟ ماذا كان االتحاد السوفيتي، وماذا لم يكن؟ طيف واسع
من المقاالت والمواضيع حول أية أشكال يتخذه النشاط بين العمال؟ ُنصب من األبحاث ومن المواضيع المدونة والمطبوعة
إلى أشرطة التسجيل التي لم تدون بعضها وبعضها رسائل غير مطبوعة ومنشورة تشكل هذه الظاهرة.
أقر بمهمة لهذه الندوة، أحدها أن أقدم هذه الكتابات مرة أخرى المرئ ذي صلة بالموضوع أن أعّرف وأعرض هذه الكتابات
مرة أخرى وأقول ها هي، إنها تتعلق بهذه األشياء، وكيف بوسعنا أن نمضي صوب تلك األشياء، وبأي ترتيب، ونقرأها.
توصيتي أن تقرأوها حقاً. من الممكن إن موضوع ما قبل 11 عاماً مثل عربة صنعت قبل 11 عاماً وننظر إليها اليوم. في
ذلك الوقت كانت ذات شياكة، واآلن ال تبدو جميلة جداً. من الممكن إن موضوع ما قبل 11 عاماً الزال يحوي أموراً أولية
وخاماً مقارنة بعقليتنا اليوم. ولكن حين تمضي لتنظر له سترى أشياء كثيرة فيه. إذ طرحت مواضيع جدية إلى حد كبير.
كان لها تاثير حاسم في وقتها على حياة وممارسة أناس كثر. أحث كل من يأتي لهذا الموضوع أن يتابع تلك الموضوعات.
أورد نقطة هنا كذلك. ليست هذه الجلسة جلسة الحزب الشيوعي العمالي، ليست جلسة سياسية. ال أنوي أن أقدم خطاباً
سياسياً. أريدها في الحقيقة مثل ندوة بحثية ونقاش حر، مثل حال مدرسة بالغين يجلسون للحديث عن ظاهرة من زاوية
علمية. أود كثيراً أن ال تنظروا لي في إطار حزبي هنا، وأن ال تنظروا لي ولآلخرين من أعضاء الحزب أنفسهم بإطار ذهنية
حزبية. وأوصي كذلك أي امرئ ينتمي إلى حزب آخر، أن ال ينظر لنفسه من زاوية حزبه، ويفترض أن ماركسياً ما أو أن
شخصاً ذا عالقة بالماركسية حضر هنا وينصت لموضوع كي يكون قادراً على التعامل مع بحث علمي أو بحث تحليلي بنقاط
قوته وضعفه.
ال أورد أياً من الدعاية الحزبية أو النشاط السياسي للحزب الشيوعي العمالي بصورة مباشرة في موضوعي هذا. إنها ندوة
تتعلق بالشيوعية العمالية واألدبيات الموجودة، وإذا عدت لهذه الكتب والكتابات، فذلك ألنها أدبيات هذا العمل. لو كانت
هناك أدبيات أخرى، لكنت مضيت لها وتناولتها. ولكن هذه الكتابات، وبصورة محددة، هي تلك التي أتحدث عنها وذلك ألنها
تاريخ هذا الموضوع.
فضالً عن ذلك، إن شمولية هذا العنوان تسمح لي بكل ما أود قوله وأتناول أي زاوية أرغب. إن كل الموضوع هنا ذو صلة
وربط. إذا كان أي بحث ذا صلة بالشيوعية بصورة حقيقية، ال يمكن حقيقة إخراجه من مفردات هذه الجلسة. وإن هذا
سيساعدنا على األقل في بداية موضوع ما، رحلة واسعة بحد يمكن أن يتضمنها أي موضوع. وبعد ذلك، يمكن أن نعرف
عالقتنا بأي شيء، ومشكلتنا مع أي المفاهيم والمقوالت، نمضي لنركز عليها ونعمل عليها. إن للعنوان هذه الميزة كذلك.نهاية زلزال انهيار االشتراكية البرجوازية، بداية هجمة الشيوعية العمالية
فضالً عن موضوع جمعية ماركس، بموضوعة الشيوعية العمالية هو أنه أزفت مرة إن سبباً أساسياً النطالق الموضوع،
أخرى ساعة هجوم نظرية الشيوعية. من 1989 الى 1992 ،جرى حدث مهم في العالم، وقد كان إعالن نهاية الشيوعية
بشكل ما، ُش َّن هجوم، توارى االشتراكيون من كل حدب وصوب. وقف عدة، وتوارى كثيرون. بالضبط، بنفس الجملة التي
ذكرتها في المؤتمر الثالث )للحزب الشيوعي اإليراني في كانون الثاني عام 1989-م (، في عام 2001 ، ستجد إزاء كل
ماركسي ذا خط وموقف، ألفي ماركسي سابق، يتحفوننا بأن ليس لهذه األعمال من طائل، وأن هذه الكلمات، كلها، قد بلغت
حدها ونهايتها وال أفق لها وفقدت أهميتها. واآلن نرى أن هذا األمر قد حدث! لقد طرحنا هذا الموضوع في وقته، في
المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي اإليراني، وقد كان غورباتشوف قد أتى للحكم تواً. وحدث هذا بالضبط، وكنتم شهوداً على
ذلك.
ولكن أعتقد اآلن أن بوسع مرحلة أخرى من هجوم للماركسية أن يبدأ مرة أخرى. إن عالئم هذا العمل موجودة برأيي. قبل
)5-6 )أعوام، في المؤتمر األول للحزب الشيوعي العمالي اإليراني، طرحت موضوعة “نهاية مرحلة”، قلنا في هذه
السنوات الست، بلغ هجومهم علينا أقصاه وانتهى. م ّر وانقضى كل شيء. شنوا هجوماً علينا، قتلوا، اعتقلوا، أغلقوا،
ضربوا، أعلنوا حلنا، أعلنوا انعدام صلتنا، لم يقوموا بهذا تجاهنا، بل بوجه أي امرئ تحدث عن وجوب أن تكون طبابة
الناس مجانية. سخروا، بمعنى ما سخروا أيضاً من أن يفكر أحد بمجتمع. ال يحق لك أن تكون نصير المجتمع، ينبغي أن
تكون نصير الفرد والسوق.
إذا تتذكرون أن السوق الحر أصبح كلمة مقدسة بحد بحيث أحيل إليه كل شيء. الصحة، الطب، التربية، التعليم، الصالت
اإلنسانية، التغذية، الرواتب، كل شيء تم ربطه بالسوق. كل هذا لم يدم 3-4 سنوات، كان هذا أقصى ما بلغته جهودهم، لم
يبق “بوش”، وال تاتشر وال ريغان، وال الريغانية وال التاتشرية. وعاد االشتراكيون الديمقراطيون مرة أخرى اآلن استناداً
إلى خط ثالث، كي يتداركوا تدهور األوضاع. لقد شنوا حملة لست سنوات ونثروا لست سنوات النعوت السيئة، ست سنوات
من إشاعة األكاذيب. وكان رمز ذلك اإلطاحة بالحبال بتمثال لينين. تمثال لم نشّيده نحن، ولم تتحطم أعصابنا كثيراً حينها.
لقد أطاحوا بتمثال لينين بوصفه إطاحة برمز الهجوم على ميدان الرأسمال كي ال يتجرأ أحد آخر على القيام بذلك. لقد
سحلوه في الشوارع ورموه في األنهار. لقد سحلوا هذا التمثال فيزيقياً. ولكن في كل مكان، إذا كنت طالباً جامعياً، إذا كنت
منهمكاً في العمل السياسي، إذا كنت في نقابة، ستفهم أنهم يطيحون بذلك التمثال بطرق أخرى كذلك. لقد دفعوا ماركس
خارج األكاديميا! أعلنوا نهاية ماركس، وانعدام صلته! لم يعلنوا نهاية ماركس فحسب، بل نهاية التاريخ.
قالوا من اآلن والحقاً سيقف المجتمع عند هذه المرحلة. إن هذا هو نفسه ما سيبقى من اآلن والحقاً، المجتمع هو هذا
وحسب، الرآسمال والسوق. اذهبوا وفكروا بحالكم وحياتكم الشخصية. لن يكون ثمة تغيير. إن مسار اإلنسان من العصر
الحجري قد بلغ هنا. لقد انتهى بوصوله لهذه المرحلة. أطلقوا على ذلك نهاية التاريخ. وعمموا هذا في العلوم، علم
االجتماع، الجامعات، اإلدارة ووسائل اإلعالم. ليس بوسعكم أن تجدوا صحفياً اشتراكياً يقول هل تسمحون لي أن أقول إن
ثمة رواية أخرى للوقائع التي تتحدثون عنها، هل مسموح لي أن أذكرها؟ في أوائل السبعينيات، من بين كل مراسلين
خبريين، تجد أحدهما يقول أنا اشتراكي، ومن بين كل ثالثة استاذة جامعة، تجد اثنين قد علقا صورة ماركس في غرفتهم.
في أعوام 1990 و1991 ،إذا عرفوا أنك اشتراكي، قد ال يؤجروك بيتاً في أوربا الغربية. وذلك للصورة التي رسموها عن
أناس ما، عن قطب مهزوم، بصورة تشمئز لها األنفس. قرنوا تشاوشيسكو بماركس وشوهوا كل شيء. لقد استمر ذلك
لست سنوات.
لقد طرحنا في المؤتمر األول للحزب الشيوعي العمالي، “نهاية مرحلة”، وهو منشور في المجلد الثامن. إن هذه المرحلة قد
انتهت. لقد غدا أمراً ملموساً أن الضغط قد ى
ول وعدنا لعملنا الشيوعي. لقد مرت تلك السنوات الست بصعوبة بالغة على كل ّ
امرئ كان منهمكاً بنشاط شيوعي، وعلى أي امرئ يسعى إلبقاء جمع شيوعي موحداً. مرت بصعوبة بالغة، وبوسع أناس
هنا، أنفسهم، أن يفكروا َم ْن وأية أسماء كبيرة غدت ضحية تلك السنوات الست للحملة. قلة بقيت، وأي أناس وقفوا جانباًشيئاً فشيئاً أو انضموا إلى الحركات القوس قزحية المختلفة االخرى؟ تركوا الحركة الشيوعية وانضموا إلى الحركة المدافعة
عن المؤجرين على سبيل المثال. وذلك ألنهم يتحلون بشرف ونزاهة، يحسون أن هذا الزال مفيداً. توارى كثيرون. انقضت
ست سنوات وعادت تلك األجواء.
إن موضوعتي اليوم هي أن اليوم هو مرحلة يمكن أن تتلمس فيها مرة أخرى الحملة الماركسية، ال للدفاع عن أنفسنا، بل
بوسع حملة شيوعية أن تنطلق. وإن أردت أن ترى عالئم ذلك، عليك برأيي أن تمضي لتعقبها في القسم المتخلف من
المجتمع، ألن قسمه المتقدم يقول إن عمال باريس في إضراب. انتهت تلك المرحلة. يعم الهيجان فرنسا مرة أخرى، تتعالى
مرة أخرى دعوى العامل والرأسمال في فرنسا. وفي ألمانيا، ثمة اضطراب ما ويمكن رؤية أنه لم يستلزم ثالث أو أربع
سنوات ليخفت غبار الضجيج. ولكن اذهب لرؤية اقسامهم المتخلفة، برأيي أن المعلم األساسي لهذه القضية هو اللغط الذي
انطلق في األكاديميات ضد مدرسة ما بعد الحداثة.
ضد المدرسة المنحطة لما بعد الحداثة، مرحلة تنامي مثل عظيمة
بموازاة هذه الهجمة المسماة سياسية، حققت مدرسة ما هدفاً. يقول البعض عنها قديمة ويقول البعض اآلخر إن جذورها
جديدة. مدرست حققت هدفاً، التنكر ألي أمر عالمي الطابع، كل أمر يشمل العالم، صحة أي مبدأ، وأي أسس لتقدم المجتمع
وتطوره، تنكرت لوجود مسار تقدمي في المجتمع ومسار لدفع المجتمع نحو القهقري.
إن ما بعد الحداثة موجودة في مجمل األقسام كذلك، تنطلق من مكان معين وتمضي نحو العلوم وعلم االجتماع ومن الممكن
حتى علم الفيزياء. وهو ليس ثمة أي أصل مؤكد. جهة التقدم ليست أمراً معلوماً، وإن كل شيء هو ذو اعتبار وقيمة
لنفسه. ترى نموذجاً من تطبيق وقرابة ما بعد الحداثة مع النسبية الثقافية. حسناً إنها ثقافتهم، وإن تلك أيضاً ثقافة اولئك.
إن جزوا رقاب بعض، فإن تلك هي ثقافتهم!
وليس هناك أفضل من هذا، وليس بوسعنا أن نقول ما هو أفضل. ال يمكن أن تكون لنا سلسلة معايير عالمية للحقيقة. ليس
بوسعنا أن نعتقد بما جرى علينا أو حتى أن ندعي أن بوسعنا أن نعرف ما سيحل بنا. ال يمكن أن تكون لنا أمور كبيرة أو
حتى موضوعات كبيرة لبحثها ونقاشها. كل شيء محدد، صغير ومحلي، وإن الصغير والمحدد والمحلي نفسه ما هو صحيح
ومبدئي. وإن كل أمر كبير مشكوك فيه، وإن أي مسار هو كاذب، سواء للتراجع أو التقدم، أو حتى إن ثورة صناعية قد
جرت في إنكلترا هو أمر ليس موثوقاً به، إنهم يفكرون في ذلك! يقولون: ليس أمراً موثوقاً أن ما نطلق عليه الثورة
البرجوازية في بريطانيا هو أمر قد جرى، هل جرت ثورة حقاً؟ النهم يقولون إن هذا التصنيف قد ْج َري
ُأ يوماً ما بذهنية ُأ
ماركسية، أطلق عليها ثورة برجوازية.
إذا نضع هذا الوصف جانباً، عندها ستكون األمور مجموعة أحداث. يمكن تعريف ووصف النضال ضد الملكية أو ضد الخان
أو حتى توضيح صراع مالكي األراضي مع الملوك. لماذا يطلقون عليها “الثورة الصناعية” أو “الثورة البرجوازية” أو
“عصر التنوير” أو أي شيء آخر. تلك أيام ال تنسى بالنسبة لي. حين كنا طلبة جامعيين، كانوا دعاة إعادة النظر
بالماركسية. كانوا أعضاء الحزب الشيوعي البريطاني. لقد التقيناهم واحداً واحداً في ندوات. كانوا ممثلي االمتعاض من
الماركسية، وباألخص كان عداؤهم للينين وامتعاضهم الشديد من أنكلس. يهدفون الى فصل ماركس عن أنجلس ولينين
وذلك كي يكون هو طرف النقاش، وبعد منتصف حديثهم، تراهم ال يشاطرون ماركس ايضاً، ويعيدون نظرهم في حينه وفق
خط غرامشي وخط الشيوعية االوربية و..، ولكن بعد ذلك وفق خط ايزم )ملحق مثل ماركسيزم، ليبراليزم، و…غيرها-م(
لهم.
نظرت ورأيت مصادفة بعضهم، وقد شرعوا بالدفاع عن الماركسية بوجه ما بعد الحداثة. إذا كانت الجامعات، أكاديميات
خارج المجتمع، قد شرعت تقول إنهم يفرطون كثيراً بشن حملة على ماركس، ويقولون لماذا ينبغي الدفاع عن كتابة
ماركس للتاريخ، عن الكتابة التاريخية الماركسية، عن التفسير االجتماعي للماركسية، علينا أن ندرك أنا وأنت أن شيئاً ماقد حدث، وذلك ألن عمل األكاديميات هو أن تاتي، في المطاف األخير، لتوضح للناس ماقاموا به. تقول إنه هكذا كانت عليه
الثورة المشروطية، وهكذا كانت عليه الثورة الفرنسية كذلك وهكذا كانت الثورة الروسية. لم يكونوا يعرفوا شيئاً عن
البلشفية قبل البلشفية، ولكن أصبحوا بعدها ملمين بها. قبل أحداث يوغسالفيا، لم يكن لديهم أي تقييم لهذا الحدث
والوضعية، ولكن بعدها كان هناك ثمانمائة مجلد حول ما كانت عليه مصيبة البلقان. إذا كان يحدث شيء ما في األكاديميات،
فاعرف أن حدثاً ما قبله كان قد جرى. وان يمكن رؤية وقوع االحداث السابقة بوجود ظواهر ما. في االحتجاجات العمالية
التي انطلقت في أوربا تدريجياً ومارست الضغط على يمين المجتمع الغربي وأجبرته على اتخاذ موقف الوسط.
إذا تتذكرون، لم يتخذ أحد موقف الوسط. لشدة ما كانت الغلبة لتاتشر والتاتشرية، لم يفكر أحد أن بوسع حزب العمال في
هذا البلد أن ياتي للسلطة مرة أخرى. ولكن، بعد ست سنوات، أتى للسلطة. ما أود قوله إذا كانت األكاديميات البرجوازية،
وبعد أبناء الحزب الشيوعي البريطاني أنفسهم الذي حملوا معوالً وأتوا لتقويض الماركسية، مضت بوجه ما بعد الحداثة
والتردي السياسي والرجعي المرافق لها لتدافع عن النظرية الماركسية، عن علم االجتماع الماركسي، عن الرواية والنقد
االدبي الماركسي، وما يسمى بالتفسير الماركسي للمجتمع حتى، فإن هذا بوسعه أن يبين أن القضية قد تزحزحت عن حالها
السابق. وبرأيي قد شرعت أيضاً ألن أجواء اليوم ليست أجواء قبل عشر سنوات خلت. إن هذا ما تحسونه وتتلمسونه
بصورة تامة. إذا كان لبحثنا أن يكون له مكان ما في هذا السياق، علينا أيضاً أن نتصل بهذه القضية ونرتبط، وربما قد
نتمكن مرة أخرى من أن نقيم حركة نظرية في اليسار اإليراني وفي حركة الطبقة العاملة مثل العمل الذي قمنا به قبل 20
سنة خلت.
االختالفات المهمة ما بين الجيل الجديد من الشيوعيين، ماركسية ما بعد مرحلة “نهاية الشيوعية”
قبل عشرين عام خلت، وفي رحم الثورة، اوجدنا اختالفات نظرية مهمة بين جيل من شيوعيي إيران. لقد طرح ذلك الجيل
نفسه، وكنا ناشطيه كذلك. برأيي، يبدو أن بوسعنا اليوم مرة أخرى القيام بعمل ما من جديد، أن نقوم بعمل جديد، أن يحدث
تخمر وتفاعل جديد، أن يظهر جيل جديد من الماركسيين يلعب، من اآلن فالحقاً، دوراً أساسياً في الثورة المقبلة في إيران
على األقل، وفي ثورة المنطقة. وبرأيي، في الثورات التي ستتخذ، نظراً لألوضاع، طابعاً عالمياً في العالم المعاصر. أن
يظهر نوع من الماركسية ترك حتى ورائه موضوعة نهاية الشيوعية ويعرف ماذا يريد، يضع جانباً النقاشات حول
المعسكرات، وإن تفسيره لنفسه ومهامه واضح له. إن كان لجمعيتنا، )جمعية ماركس-م( ومناقشاتنا هدف، هدف متفائل
ومحلق في تطلعاته، فهو خدمة هذه العملية والمشاركة فيها.
نحن جمع بقي معارضاً للمعسكرات، تنصلوا عن مهمة الدفاع عن مرحلة بريجنيف وألقوها علينا. وقفنا برسوخ. حين الذت
منظمات “راه كاركر” و”أكثريت” و”الفدائيين” بالفرار، كنا نقف بثبات، ونحن من دافعنا عن التجربة السوفيتية حين كانت
تتعرض لهجوم التاتشرية. فيما لم يبقوا هم، مضوا، أصبحوا ديمقراطيين. وفجأة، غدوا جميعاً، وبصورة غريبة،
ديمقراطيين. على غرار الحزب الشيوعي اإليطالي الذي غير اسمه إلى الديمقراطيين اليساريين، وبعث توني بلير بالغاً إلى
مؤتمرهم الحالي. كلهم أصبحوا كذلك. ال يمكن الحديث معهم أيضاً عن االشتراكية.
إن العمل الذي استطعنا القيام به في تلك المرحلة كان برأيي هو أننا صّنا، في أجواء اليأس تلك، وفي أجواء الهجوم تلك،
خندقاً سياسياً وخندقاً تنظيمياً وخندقاً فكرياً وتعاليمياً )من كلمة تعاليم-م(، وحفظنا أفراداً ومادة إنسانية حولها، أصدرنا
وأدرنا أدبياته، وأبدينا في أنفسنا مرونة وتحويراً كبيرين كي نقوم بهذا العمل. أي لو كنا قد اتخذنا موقفاً متصلباً أكثر نوعاً
ما في حينه، لتحول الحزب الشيوعي العمالي نفسه إلى شيء صغير كثيراً. لقد ألغينا القرارات، أعطينا فسحة أكبر من
الحرية، لم نتحول إلى “بابا” ألحد ما، لم نقم بتفتيش عقائد، تركناها حتى يبقوا داخل هذا الصف إلى أن تمر هذه الموجة.
وحين مرت هذه الموجه، بدأ فعالً تاسيس الحزب الشيوعي العمالي وشرع بنشاطه السياسي.
ما أود قوله هو أنه كان يمكن عقد مثل هذه الجلسة، ولكنها ستكون عديمة الفائدة، عديمة الفائدة في تلك األجواء. إذ ليس
ثمة آذان صاغية. ليس ثمة إحساس وحماس فيها، لم تكن ثمة صلة اجتماعية تتعقب عقدها. وبرأيي، ال تؤدي إلى تربيةأي طيف أو يعرف: ها إن اليمينيين وقد مضوا اآلن، كم قدم يمكن لهم أن يلجوا، براية حمراء، الشارع بحيطة وتوجس؟
توفر هذا الجو اآلن، ويمكن الحديث بصورة مؤثرة برأيي. ال أريد أن أقول أن نبدأ من الغد وينبغي أن نبدأ حتماً اآلن. كال،
برأيي كان بوسعنا دوماً أن نواصل إصدار هذه النشرة. ولكن هذه الجريدة )يلوح لالجتماع بالجريدة( هي جريدة “نقد”،
جريدة قديمة جداً وإن صديقاً باسم شهرام واالمانش كان يصدرها مع أصدقاء له في ألمانيا. أعتقد أنها توقفت عن الصدور.
سمعت أنها توقفت. صدر منها في جيل خاص. وحتى خمسة أعوام بعد هذه العملية، أخرج اليسار في لحظتها رأسه من
حفرته، في تلك السنوات، صدر 20 أو 30 عدداً منها. أرايتموها؟ نعم، قد يكون عدد قليل قد اطلع عليها.
إذا قمنا بعمل نظري في تلك المرحلة، لو ذهبنا في تلك األجواء ومسكنا بهذه الحلقة، قد ال نكون بهذه الدرجة من ابتعاد
الناس عنا. ولكننا اتخذنا ما يمكن تسميته بالترفع عن هذا كذلك برأيي. ومهما كان لي ولكم اهتمام بالكتابة لمجلة نظرية
تريد أن تصدر في عام 93 و94 وتناقش نظرية ماركس، لتمت قراءتها بقلة اهتمام، ولكن هذه األجواء قد تغيرت اآلن
برأيي. وإن مرحلة شن هجوم قد بدأت.
لقد انهزم السوق خارج األكاديميات! لقد انهزم السوق قبل 3 أو 4 سنوات. ال يجرؤ أحد على القول إن السوق الحر هو
جواب المسائل وحلها. إنهم ال يجرؤون على ذلك حتى. أثار وباء الزكام نقاشاً في هذا البلد )بريطانيا-م(، وهو نقاش الطب
والصحة العامة في هذا البلد. إنه جدل يدور في كل مكان. غدت حكومة بلير المتغطرسة والمتعجرفة التي لم تطأطأ الرأس
ألحد عرضة لهجمة شيوع االنفلونزا وانعقد لسانها، وأقرت بوجوب التفكير باألمر. إذ ال يتحدث أحد بعد عن أنه يسلم حل
هذا األمر للسوق الحر. ال يجرؤ حتى المحافظون على الحديث عن إحالة الطب للقطاع الخاص، وال يجرؤون على القول:
أيها الناس، بوسع أي امرئ يرغب أن يذهب لقطاع الطب الخاص. الطب في تلك المرحلة؟ كانوا يقومون بخصخصة
السجون! إنهم يفكرون اآلن كذلك في خصخصة السجون. أي أن يقوم جمع منا بتوظيف األموال في ميدان السجون، ومن
ذلك نجني أمواالً! إن هذا هو المجتمع الذي تطأ أقدامنا خارجه.
لقد الحقت الهزيمة بأجواء “السوق”. إذ نسمع اآلن، بعد هزيمة السوق الحر والليبرالية الجديدة والنزعة الفردية التي
انتهى عمرها برأيي قبل ثالث أو أربع سنوات، صوتاً يصدح في المجتمع اآلن: ال يمكن أن يكون األمر على هذا النحو!
ينبغي أن يكون للمجتمع توجه، أن يكون ثمة صح وخطأ. ينبغي أن يكون المستقبل أفضل من الماضي. وإن لماركس
واالشتراكية ما يقوالنه بهذا الخصوص. صحيح أن االشتراكية القائمة األن عاجزة في بلدان أوربا، التي هي بلدان حاسمة،
ليس لها أي أثر أساسي، ولكن يمكن تلمس ضغط االشتراكية على أقسام من الطبقة البرجوازية نفسها بأن هذه النقاشات
ليست جواباً ورداً على األمور.
إن الحركة المناهضة للرأسمالية التي دفعت األمور من سياتل الى لندن لهيجانات هي أحداث عفوية لحركات وميول قد
تجمعت في أفئدة الجماهير. ألسوق لكم مثاالً آخر: حين نال أطباء بال حدود جائزة نوبل، وألقى رئيسها، وأظن أنه رئيس
قسم بريطانيا، خطاباً حين تسلم الجائزة، خطاباً مهيباً ضد أمريكا واألمم المتحدة بالحديث عن: أية أوضاع خلقتموها في
العالم؟ من كان جالساً هناك هم جميعا جزء من ارستقراطية المجتمع السويدي، وربما قادة دول أخرى. قامتا، أمريكا واألمم
المتحدة، بدرجة من التخريب والدمار بحيث حين تحدث بصورة مناهضة لألمم المتحدة وأمريكا ولفكرة النظام العالمي
الجديد وتدخل أمريكا ومجمل تلك األعمال، التي على منظمة أطباء بال حدود أن تهرع للملمة آثارها وعواقبها على
الضحايا، صفقت ارستقراطية عالمنا المعاصر هذه له أيضاً!
صحوا على ذلك قبل ثالث سنوات. ولكن غدت األجواء اآلن بشكل بحيث إذا أزل َت الرقابة عن صحفي، ستجد أن قلبه يريد
أن يقول شيئاً آخر عن يوغسالفيا. إذا رفعت الرقابة عن صحفي يكسب ثمانين أو تسعين ألف جنيه سنوياً في بريطانيا،
ستجد أن قلبه ينشد قول شيء آخر عن العراق، وحين ترفع N.N.C أياديها من أحد صحفييها، تراه يريد أن يقول شيئاً
آخر. لقد بلغ األمر أنه في حفل توزيع جائزة نوبل، إذا توجه الشتائم ألمريكا وتؤاخذ األمم المتحدة على أي استهتار تقيمه
في العالم باسم الحرية والمساواة وما إلى ذلك، باسم االنسانية، فإن الجمع الجالس هناك، يقف على أقدامه، من ملك السويدإلى ذاك الشخص الجالس في األكاديمية، ويشرعون في التصفيق بشكل ُيجبروه ست مرات على التوقف. إن الضغوطات
على الطبقة الحاكمة هي أمر ملموس.
أن ال ُيطرح كالم ماركسي هو أمر وحقيقة جدية ال تعود الى انهيار االتحاد السوفيتي ووضعية ما قبل عشرة أعوام، بدأ ذلك
قبل ثالثين أو أربعين عاماً، حيث لم تبق الشيوعية راية احتجاج، لكن تغير الوضع اآلن بشكل بحيث يمكن أن تمضي لتقول
كالمك. ماذا حل بموضوعة النظام العالمي الجديد حقيقة؟ لقد انتهت موضوعة النظام العالمي الجديد، ليس ثمة امرؤ كذلك
يدعي إقامة نظام عالمي جديد، يراقب اآلن ليرى إلى أي مدى يقدر الناتو على التدخل في المطاف األخير. ال تجد أي عنصر
للنظام العالمي الجديد. ولكن إذا تتذكرون قبل ستة أعوام، هناك ألف نظرية ونظرية حول كيف سيكون عليه هذا النظام
استناداً إلى عالم ذي قوة عظمى وحيدة.
مضى النقاش مرة أخرى اآلن صوب أن هناك طرفاً في الموضوع هي جماهير تنشد أشياء ما. ليست القوى العظمى من
عليها أن تعيد ترتيب األمور. تصدينا بصورة سياسية لهذه السنوات الست أو السبع. أعتقد أن علينا مهمة القيام بحصتنا
ومساهمتنا النظرية، وبهذه الحركة النظرية وبالحركة النقدية التي بوسعها أن تتطور وتنمو في هذه المرحلة. أعتقد أننا،
بوصفنا حزباً شيوعياً عمالياً، أشخاصاً في الحزب الشيوعي العمالي، نتمتع بمكانة خاصة، وذلك ألننا لم نغادر الميدان.
وأزفت ساعة أن نتحدث عن “ألم يكن هذا ماقلناه؟!” ووقفنا وسعينا إلى كسب تلك القوى التي لذلك الخط في المجتمع.
وعلينا اآلن أن نلج هذا الجدل.
سؤال: ما مدى ماركسية هذه العملية؟ برأيي إن ما يجري ليس ماركسياً. إن ما يطلق عليه ميزان القوى في العالم اآلن
ينعطف لصالح اليسار مقارنة بسبع أو ثمان سنوات خلت. الزال ال يعكس اقتدار الماركسية. ولكن برأيي يمكن رؤية حضور
اليسار االشتراكي وماركس في هذه الظاهرة. ال أستبعد أوضاعاً تمضي فيها األكاديميات على األقل صوب ماركس وذلك ألنه
يحضر في حياة المجتمع.


على أية حال، إن هذا يوضح إطار البحث الذي أود طرحه هنا. إن هدفي هو بصورة واضحة جداً طرح الشيوعية مرة
أخرى. طرح الشيوعية مرة أخرى بالشكل الذي أعتقد أنه ينبغي أن تطرح به. أطرح شيوعية سميتها الشيوعية العمالية.
تتمثل مهمتي في أن أسعى في هذه النقاشات إلى رسم تصوير للندوة بحيث، على االقل، تعرفون حين أقول الشيوعية
العمالية، فإن رؤيتي للشيوعية العمالية هي رؤية للماركسية، ما هي عليها وما ليست عليها. بعد أن نصور هذه الظاهرة،
بوسعنا أن نخوض نقاشنا المتبادل. إنها صياغة أخرى للماركسية. إن الشيوعية العمالية، في التحليل األخير، مثل بقية
الصيغ والروايات والقراءات القائمة للماركسية، صيغة أخرى. إنها باعتقادي صيغة عّرفت وحددت إطارها الفكري بصورة
دقيقة مقارنة بالعديد من الصيغ.
إذا اردت أن ترى ما هي الماوية، ُتو َّضح الماوية بعون تاريخ الصين. بمساعدة ثورة الصين، ُتَو ّضح الماوية. إذا أردت أن
تقول فقط ما هي أفكار ماو؟ ال تصل إلى كراسين ونصف تقريباً، أعتقد أن الفالح الصيني يضحك عليها اآلن. في وقتها،
كان الكتاب األحمر في القرى، كيف نزّيت بنادقنا كي ال تصدأ، وأي نوع لدينا من التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي، ومن
هو طرف التناقض األساسي ومن هو طرف التناقض الثانوي، وكيف على الفالحين الصينيين أن يحفظوا عن ظهر قلب هذه
الجداول ألنه حين أريد أن أغير جبهة ما وأدخل الحرب مع جبهة أخرى كنت حليفاً لها حتى األمس، لهذا عليكم أن تقرأوا
“حول التناقض” كي تعرفوا لماذا أريد من األربعاء المقبل أن أغير التناقض الرئيسي! إذا أردت أن تطلع على الماوية
بوصفها رؤية، ليس لها أدبيات كثيرة.
إذا أردت رؤية التروتسكية بدون الستالينية، بدون ظاهرة ستالين وانعكاس تروتسكي في ستالين وحقيقة ستالين والتي تم
نقدها الحقاً من قبل التروتسكيين، ال أعرف كيف يمكن أن تجلس وتوضح ما هي أركان واختالفات المدرسة التروتسكية.من الواضح أن مرحلة ما بعد تروتسكي ال يمكن فصلها أيضاً عن تطورات اليسار األوربي، وأن العديد من المفكرين
الالحقين وضحوا التروتسكية في فروعها المختلفة. لكن ألوضح مرة أخرى أن التروتسكية ليست شيئاً ذات مواضيع
وأبحاث مدونة بقدر ما هي كيف فكر التروتسكيين أو يعرف الجميع أصولهم ومبادئهم الفكرية، صلتهم بالقومية أو األممية
وغيرها أو مثال العامل الصناعي وأوربا وخارج أوربا وغيرها.
أو أفترض أنك تريد أن تطرح أدبيات اليسار المعادي لإلمبريالية الذي كان أساس النضال شبه الشيوعي في أمريكا
الالتينية، وتقول إن هذا ما يقولوه عن المجتمع، عن االقتصاد، عن الدولة، عن نظرية الحزب، عن الدين، عن السياسة،
من الصعب أن تبني من أدبياته منظومة كاملة. إنك ترى عادة نضاالً سياسياً، حركة سياسية، وبعدها، سيراً ذاتية ومحللين
يأتون ليقولوا مثالً إن حركة الزاباتيستيين في المكسيك هي هذه وتأتي أفعالها وممارستها هذه من عقائدهم تلك. إنهم
أنفسهم لم يتركوا مجموعة عقائد بصورة منسجمة بحيث بوسعك أن تراها.
ثمة مدارس شيوعية موجودة: األوروكومنيزم، الشيوعية االوربية، غرامشي، ولكن هناك كتابات قليلة لها. ولكن غرامشي
نفسه لم يعد نفسه معادالً لألوروكومنيزم )الشيوعية االوربية(. لقد قال كالمه، إنه امرؤ قال إن األوروكومنيزم هي عادة
مجموعة أطروحات مثل أطروحات بروسترويكا وغالسنوست غورباتشوف على سبيل المثال. تطرح نوعاً من خط، وما بقي
فهو واقع سياسي.
على النقيض منهم، الشيوعية العمالية فقيرة وضعيفة إلى أبعد الحدود من حيث الواقع السياسي. ليست ظاهرة قط في
عالمنا المعاصر، إال أن نأتي لنوضح الشيوعية العمالية باليسار في إيران والعراق وبمقاطع من أحداث. أما غير هذا، فهي
رؤية. إنها نقد. على العكس، إذ يمكن فهم أركانها النظرية، الفلسفية، المنهجية، االقتصادية، السياسية، ويمكن مطالعة
نظريتها في ما يخص الدولة، رأيها بالمراحل الثورية، بماركس نفسه، بمكانة ماركس في كذا ظاهرة أو مكانة الظاهرة
الفالنية عند ماركس، ولكن ال يمكن القول إن الشيوعية العمالية نظرية كانت ُمسِّيرة لحدث وواقع تاريخي مهم على سبيل
المثال في المنطقة الفالنية. فيما على النقيض من ذلك، يمكن إطالقه على التروتسكية والماوية. الزالت الشيوعية العمالية
منظومة فكرية، رواية عن الماركسية، نقد معين، صيغة وقراءة معينة للماركسية تسعى لترسيخ نفسها.
لقد جعل العديد منا، من هذه الشيوعية العمالية، هوية سياسية له. أعتقد أنها بدرجة من التحديد بحيث بوسعها أن تفصح
عنا. بوسعها أن توضح هويتنا السياسية والثقافية والفلسفية والمنهجية. نطلق على أنفسنا شيوعية عمالية، وعلى آخرين
شعبويين، وعلى غيرهم ماويين. ونعتقد أن الشيوعية العمالية جلية بحد كا ٍف لتوضيح هذه الهوية. لتوضيح رؤيتنا، نظرتنا
للعالم المعاصر، مساراته، أولويات االنسان اليوم، األصول التي تنبغي مراعاتها، اآلمال واألهداف التي ينبغي تحقيقها،
نعتقد أن الشيوعية العمالية تقول لنا كل هذه. أعتقد أن مصطلحنا ومفهومنا يرمزان ويعبران إجماالً عن نقدنا لهذا العالم
الخارجي. أعتقد يمكن على أساسها تأسيس حزب، وأسسناه. بوسعها أن تكون أساس تأسيس عدة أحزاب سياسية. بوسعها
أن تحدد لنا استراتيجية للنصر حتى. وفي الفترة األخيرة، بوسعها أن تحدد لنا حتى األسلوب السياسي لحزب سياسي. على
هذا األساس، بالنسبة للكثيرين، آلالف االشخاص، عدة آالف من األشخاص على األقل في كل المنطقة، إيران والعراق،
الساكنين اآلن في أوربا، لعدة آالف من األشخاص، تعد الشيوعية العمالية رؤية ومدرسة ورؤية محددة ويمكن رسم
مالمحها بصورة تامة. إنها ليست لفظاً. إنها شيء يمكن رسم مالمحه، يصيغ حياتهم اليومية، نشاطهم، ونظراتهم
واألسلوب الذي يطرحونه. أي شيء يجابهونه، وأي شيء يتصدون له، وأي شيء يتراجعون أمامه، وكيف يمضون ليلهم
ونهارهم في هذا المجتمع، هو أمر توضحه هذه الرؤية إلى حد كبير. وإن هذا يقول لنا أمراً أال وهو إنها ميل واتجاه ورؤية
مهمة.
طرحت على نفسي سؤاالً: ماذا كان ماو قبل انتصار ثورة الصين؟ قبل عام 1949 ،قبل عام 1928( على أية حال، إن ماو
كدح أيضا عشرين أو ثالثين عاماً(، ماذا كان ماو في عام 1928 و30و 31 ،و32؟ كان يعود تواً من الكومنترن )األممية
الثالثة( من عند ستالين، ماذا كان يقول ماو في حينها؟إذا كنت تعيش قبل انتصار ثورة اكتوبر، على سبيل المثال في عام 1914 ،ويقولون ما هي البلشفية؟ ماذا تقول: إنها
مدرسة عظيمة أزاحت العالم؟ لم يكن األمر كذلك! البلشفية في تلك المرحلة تيار داخل االشتراكية الديمقراطية الروسية،
راديكالي، عمالي، ال يساوم مع المساومات السياسية للمناشفة مع االستبداد السياسي، كان يقوم بفصل صفه في األممية
الثانية عن النزعة االرتقائية والتدريجية والتكاملية. ولكن ما هو أهم من هذا؟ في الحرب العالمية األولى، مضى ليقف ضد
الحرب، وبدل أن يدافع عن برجوازية بلده، تحدث عن وجوب إدارة فوهات البنادق صوب برجوازية بلدانهم. إنها البلشفية
في تلك المرحلة.
أثمة عدة آالف كانوا بالشفة بالمعنى الفكري الفلسفي في حينه؟ ال أعلم! يمكن المضي ودراسة األمر والتحقق منه. كانوا
عدداً من المهاجرين من روسيا وعدداً من العمال في روسيا. يتجمعون على األغلب في مدينتين أو ثالث رئيسة. وإن كانت
هناك أدبيات عندهم، ال نعرف أنا وأنتم عن ذلك. انظر اآلن نطبع جميع أعمالهم. بوسعنا وضعها أمامنا، وننظر ما هي
الكتب األساسية للينين قبل 1917 ،قبل 1908 ،قبل 1905؟ حين تنظر ترى أن الكتب األساسية للينين هي المتعلقة بثورة
روسيا. تكتيكان في االشتراكية الديمقراطية الروسية، مالعمل؟، اإلمبريالية، والذي يعود أساساً للحرب وصلة الحرب
االمبريالية ومنافساتها. وبعدها نبلغ مرحلة 1917 التي شرع لينين بالكتابة حول الدولة وألف شيء وشيء تعد اليوم
أسس أبحاثنا في مجابهة األممية الثانية.
عبر ثورة روسيا، تحولت اللينينية إلى اتجاه يلعب دوراً في حياة الجماهير. وليس قبلها! لم يكن معلوماً قبلها أن البالشفة
سيكونون اتجاهاً أساسياً في اليسار العالمي. لم يكن معلوماً مسبقاً. إذا أردت أن تقيسها حينها، من الممكن أن تكون بقدر
األبعاد التي ذكرتها. نحن أيضا حزبان أو ثالثة أحزاب سياسية في بلدين أو ثالثة بلدان، أحدهم من 60 مليون نسمة. لدينا
جرائد كثر. حين تنظر إلى جرائد البالشفة، تجد أنها أقل منا بكثير، وأن نفوذهم على الرأي العام لبلدهم كان أقل منا بكثير.
ففي يومنا هذا نفسه، لدينا إذاعتان أو ثالث تبث في المنطقة، أحدهما شرعت في عملها قبل أربعة أشهر. يتصلون بها، من
هذا الطرف من العالم لذاك، أناس يقولون إنهم يشاطرونها الرأي. من زاهدان إلى تبريز. يبحثون عن كتبه، تأسس حزب
ِتلَ منه، يحارب، يقوم بالدعاية. حزب تأسس بصلة مع
مماثل له في العراق. ونظراً لتأسيسه، التف أناس كثر حوله. قُ
إيران، أعتقد أني ال أبالغ إذا أقول، إنه أكبر منظمة يسارية معارضة إيرانية، أكثرها نشاطاً. ربما أكبرها يعني في التحليل
األخير أكثرها عدداً، إنها أقوى منظمة يسارية وأكبر منظمة يسارية راديكالية، وإن راية الماركسية في البلد بيدها. إن مثل
هذه الظاهرة هي قبل انتزاع أي نوع من السلطة، قبل أن نسيطر على زقاق، قبل حتى أن نحافظ على قرية بيدنا، قبل أن
نعلن حكومة والية ما. إن هذا هو وضع توجه.
وعليه، أعتقد أن الشيوعية العمالية، وبصورة حقيقية وواقعية تقف بموازاة التروتسكية والماوية والشيوعية األوربية
وغرامشي وأفترض اليسار الجديد حتى )والذي، أي اليسار الجديد، ليس مع هذا الصف، ليس قطعاً، وذلك ألنه لم يترك أي
حدث سياسي حقيقي في حياة مجتمع مهم، لم يرتبط هذا التيار بشيء(. إنها )الشيوعية العمالية-م( تيار في أوضاع ما قبل
ثورية، ما قبل انتزاع السلطة. يمكن أن تسلك هذا الدرب، ومن الممكن أن تمر وتتالشى. بوسع هذا التيار وهذه الرؤية أن
يبقيا تحت األرض إلى أن يخرجهما يوماً ما، شخ ٌص ما، في مكان ما، ويقوم مع هذه الراية بعم ٍل ما يبقى في أذهان
الجماهير ويقولون: آها، إن الشيوعية العمالية اتجاه سياسي، اتجاه يساري معروف يمكن الحديث عنه، ويمكن كتابة
شهادة دكتوراه حوله. كيف يفكرون؟ لماذا قالوا ذلك؟ ما هو فرق واختالف مواقفهم عن البقية؟ الزالت رؤيتنا اآلن، رؤية
حركة معينة في الشرق األوسط. استطاع البعض أن يجد له أنصاراً ومؤيدين في أمريكا وأوربا الغربية، استطاع البعض
ترسيخ موضعها، ترسيخ دورها في أماكن أخرى، لكن الحديث أساساً عن عدة آالف من األشخاص الشيوعيين في عدة
بلدان تعاطفوا معها، وبعدها واجهوا بنتائجها السياسية على شكل نشاطات هذه األحزاب.
أعتقد أن هذا أمر مهم. أي إني ال أقول هذه األشياء كي أقلل من شأن الشيوعية العمالية، بل إني أتحدث عن أهميتها. إن
أهم من الماوية قبل انتصار الشيوعية العمالية هي، وقبل أية ثورة في إيران والعراق وكردستان، بلدين أو ثالثة،
ظاهرةٌ
الثورة الصينية برأيي. وذلك ألنه لم يكن لها، أي الماوية، أي تصور عن أي شيء. يمكن الحديث عن الحزب الشيوعيالصيني الذي سعى بعون الكومنترن إلى طرد اليابان. لقد تأسست الماوية بوصفها ماوية في رحم تلك العملية. كان األمر
على العكس في منظومتنا.
في منظومتنا، الشيوعية العمالية منظومة مدونة، رؤية معينة للماركسية. إذا كانت الماوية رواية معينة للماركسية، وذلك
ألن الباحثين ذهبوا بعد ذلك ووجدوا أنها كانت رواية معينة للماركسية. رأوا أعمالها. نظروا إلى سياساتها، قّيموا
طروحاتها، فهموا: آها، إذا وضعناها تحت سقف واحد، ستكون مدرسة لنفسها تنظر للماركسية بهذه الطريقة. وعليه،
يمكن دراسة األبعاد المختلفة لهذه الموضوعة، ونظراً لهذا، الشيوعية العمالية مهمة برأيي. ال ألنها اآلن أساساً على
السطح ظاهرة مثل الماوية، التروتسكية، البلشفية، األوروكومنيزم أو اليسار الجديد. إنها ليست على هذا الصعيد
والمستوى قط. لم نّدعي هذا قط. بيد أن القدرة االنفجارية الموجودة داخلها أكثر عظمة منهم، وذلك ألنه انتهى عمرهم،
ورأينا ما يمكن أن يأتي على أيديهم. ولكن هذه، أي الشيوعية العمالية، تنتظر فرصة في المنطقة، وإذا كانت غداً، ولمدة
ثمانية أشهر أو سنة حتى عشر سنوات، في زاوية ما من ذلك البلد، تكون الشيوعية العمالية على سبيل المثال اإليديولوجيا
والسياسة السائدة على حزب سياسي ينتزع سلطة، ويطبق برنامجها فوراً، وأفترض يعلن عشيتها مساواة المرأة والرجل
في هذه المنطقة، المرأة والرجل متساوين، يتمتع الطفل بحقوق إنسانية، يحجر الدين في جحر: ال تتعرض للحيوانات،
تحدث بأدب، ال تلحق أذى باألطفال حتى نفسح المجال لك لتقول ما تريد، هنا الملكية الخاصة ملغاة، وإن أي أمر موجود في
هذا الكتاب )عالم افضل، برنامج الحزب-م( يتم تنفيذه وتطبيقه.
إذا قمنا بهذا العمل لمدة ستة أشهر، عندها ستحل الشيوعية العمالية بوصفها اتجاهاً سياسياً ذا مكانة على الخارطة. عندها
يمضي شخص من بوليفيا، وآخر من إيطاليا وشخص من أفريقيا لقراءتها. إنها تترجم اآلن إلى لغات كثيرة، عندها ستترجم
حلَّ أيضاً في إيران والعراق والمنطقة وكذلك حركة تحت هذه الراية. عندها يمكن إلى لغات أكثر. عندها يقولون إن اتجاهاً
أن نجد نظيرها ومعادلها األلماني، آمل ذلك. إن فرقنا برأيي هو أن مستقبل البقية في ماضينا، في وقت إن مستقبلنا اآلن في
طور التشكل والصياغة. وعليه، إنه ألمر مهم أن عدة آالف من األشخاص، أؤكد، في أوج المعاداة العالمية للشيوعية، في
أوج إعالن العالم لنهاية الشيوعية، في إوج حكومات شرسة في المنطقة، وقف عدة آالف لعقد )على األقل عشرة أو خمسة
عشر عاماً نمضي على هذا الخط( وبقوا متحدين وصرفوا طاقتهم وحياتهم لهذا، وإنه داللة طاقة سياسية عظيمة لهذا
الخط. وإن هذا ما يجعلنا ويسمح لنا بالحديث عنه.
إني أتحدث عن الشيوعية العمالية، ليس بوصفها سلسلة عقائد انتقائية يمجدها أحد آلخر في بيت رفيقه، بل بوصفها تلك
اإليديولوجيا والمنظومة الفكرية التي وحدت حولها حزبين سياسيين بهذا الحجم في أحد أعقد أوضاع تاريخ االشتراكية،
أبقتهم في الميدان، أبقتهم منهمكين بالدعاية والتحريض، بالرد على األكاذيب، باالنهماك في الرد على الخرافات، بتوفير
مالذ آمن ألناس فارين، بالدفاع عن حقوق المرأة. إنها أمور مادية، إنها أحداث جرت. إن هذه االتحادات موجودة، أقيمت،
إنها اتحادات حالت دون توحيد الحكومة القومية هنا، أحداث كانت مبعث عدم انجرار المعارضة خلف الحاج خاتمي، إنها
أحداث جرت. إنها أحداث كانت مبعث أن يكون اليسار اإليراني أكثر ماركسية من اليسار في باكستان، من يسار تركيا، من
يسار إيطاليا، من يسار ألمانيا. إن هذا أمر مهم! 60 مليون نسمة يعيشون في ذلك البلد فقط، بلد نفطي في الخليج العربي.
لو تضع هذه الرؤية تاريخ هذا البلد تحت تاثير تلك األحزاب لستة أشهر، عندها تمضي هذه الرؤية لتقف بمستوى
التروتسكية، الماوية، اليسار الجديد واألوروكومينزم، وُيجبر اآلخرون على مطالعتها مثلما هو الحال معهم.
على أية حال، تصل بي أهمية هذه الرؤية، في المطاف األخير، مباشرة إلى نقطة أخرى تبين لي تعقيد موضوع اليوم، على
األقل بالنسبة لي، ولكم بدرجة ما. إنها مكاني في هذا البحث. هذه هي المشكلة القائمة. لقد دون شخص معين 9.99 %من
الكتابات واألدبيات التي تحدثت عنها. وإنه هو من رفع هذه الراية أكثر ودفعها لألمام ووضحها. كتب رسائل من أجلها،
جادل من أجلها، أبدى رأيه وكتب وو َّض َح من أجلها. إذا افترضنا غير ذلك، أي إذا لم اكن أنا متحدث هذه الندوة، ويأتي
شخص ثالث هنا لتقديمها، سيكون األمر بسيطاً جداً. سيأتي ليقول انظروا: الشيوعية العمالية هي مجموعة مباديء، أحكام
وتحليالت ّدونها أساساً، على امتداد سنوات 86 الى 96 ،امرؤ اسمه منصور حكمت في الكتابات الفالنية. وكانت هناكأشياء أخرى كذلك، ولكن إذا أردنا أساساً أن نعرف ما هو موجود، تمثل تلك المادة الهيكل األساسي لهذه األدبيات، وأود أن
أتحدث عنها.
بوسع شخص ثالث، وبراحة بال، أن يتناول الموضوع. بوسعه أن يتحدث عن ضعفها، ولكن بوسعه، في الوقت ذاته، أن
يبين نقاط قوتها أفضل مني. بوسعه أن يتحدث بصورة موضوعية وال يحسبوه عليه تكبراً. عندها ال يحسبوا أنه يمجد
كتاباته. بوسع شخص ثالث أن يطرح هذه الرؤية بعينيتها. إن هذا الشخص قال كذا، وبوسعه أن يمضي للبحث في جذور ما
قاله. األمر صعب بالنسبة لي، ويتحمل أشياء أخرى كثيرة غير البحث عن الحقيقة.
بدالً من أن إذا أتيت ألقول: رفاق! إن جذور موضوعة الشيوعية العمالية بصورة واقعية تعود إلى شخصين أو ثالثة،
يترعرعوا في اليسار اإليراني، ترعرعوا مع اليسار اإلنكليزي. إن هذا أمر مهم في هذه الظاهرة. إن هذا أمر مهم إن أردت
أن أعّرف واصف هذه الظاهرة. ْ أن نعّرف أن األشخاص الذين كانوا منطلق ومبعث خطنا هذا الذي نناقشه هم موجودين
هنا، مثلما ذكرت في جوابي على “درب الحرية”، أن أساسها هو أن جذورنا اليسارية ال تعود إلى االنتقال من اإلمام
الحسين إلى جيفارا ومن دكتور مصدق إلى لينين. إن جذورها في الغرب، إن جذور موضوعتنا في ألمانيا، في بريطانيا. إذا
تحدث شخص ثالث بهذا الكالم، بوسعه أن يصّر على هذه الموضوعة ويقول: نعم إن منصور حكمت أو حميد تقوائي كانا
أساس ظاهرة باسم ]منظمتي[ سهند واتحاد المناضلين الشيوعيين )منظمتان أسسهما منصور حكمت ورفاق له-م(. إن
سبب ظهور هذه الرؤية بهذا الشكل هو أنهم، وبصورة ملموسة، لم يستمدوا في تلك اللحظة شيوعيتهم من الخط الفدائي
في إيران. إنهم لم يأتوا من الماوية، بل تطوروا ارتباطاً باليسار في بريطانيا. وإن معايير ومقاييس أخرى في الشيوعية هو
ما كان مطروحاً بالنسبة لهم. في تلك المرحلة، لم يكن لها مسحة شرقية أو عالم ثالثية أو مسحة معادية لإلمبريالية. كانت
شيوعيتهم معادية للرأسمالية. بوسعي أن آخذكم معي إلى أدبيات ]منظمة[ اتحاد المناضلين الشيوعيين كي أشير لكم إلى
األصول الفكرية للشيوعية العمالية بالشكل الذي صيغت فيه خالل السنوات العشرين المنصرمة في إيران، وأريكم أسسها
االجتماعية كذلك. وبالتالي، أن أسرد لكم هذا التاريخ. إن كان شخص ثالث يقوم بذلك، فسيكون بوسعه أن يقوم بهذا العمل
بصورة أكثر ارتياحاً برأيي.
ولهذا أطلب سمحكم إن كنت مجبراً على الرجوع، على امتداد الموضوع، بصورة مستمرة إلى كتاباتي، أو إلى منظمة أنا
نفسي عضو فيها، أو عدة أناس عملت معهم، واسمهم موجود هنا. ثمة كتب كثيرة عليكم قراءتها، ثمة كتابات كثيرة أعتقد
أن على أناس يشاركون في هذا الموضوع أن يقرأوها كي يتمكنوا من إبداء رأيهم. لقد كتبت القسم األكبر منها. وإن مقداراً
كبيراً من الموضوع حول الشيوعية العمالية هو دون شك بحث حول ما مر كل لحظة بحيث جعلنا نقول هذا، لماذا مضينا
من هنا الى هناك، ال حول لماذا أن هذه الفكرة قد طرحت بصورة مجردة. بوسعي، بوصفي شاهداً موضوعياً على عملية
صياغة وتشكل موضوعة الشيوعية العمالية، أن أذكر لكم أن هذه الظاهرة قد ظهرت بالشكل الذي عليه، ظهرت بهذا الشكل
تحت ظل تلك الضغوطات، كانت تتعقب الهدف الفالني، بيد أن هذه هي الحصيلة الموضوعية لنظريتها بالنسبة لنا.
إني مجبر على القيام بهذا العمل، وأتغاضى ع ّما يسمى بأنا المحورية في هذا الموضوع. أعتقد أن بوسع مراقب موضوعي
أن يأتي ليتحدث عني ومكانتي الموضوعية في هذا البحث، وبرأيي من حقه أن يقول، أو إذا افترضتم أن كورش )مدرسي(
أو فريبرز )بويا( يودون أن يتحدثوا هنا، ينبغي عليهم أن يبحثوا األمر على هذه الشاكلة. ولكنني مجبر على القيام بهذا
العمل. ولكن مساوئه، في المطاف األخير، يتمثل بالنسبة بعدم استطاعتي أن أدافع عنها مثلما هو الحال مع دفاعي عن
ماركس وعن رأسمال ماركس، وأقول: انظر إلى هذا السطر، وكم كتب بصورة جميلة، وإن بحثه هذا يعود لبحثه ذاك، وإن
هذا يعود إلى ذلك المكان في اإليديولوجيا األلمانية، ال يمكن بالسهولة نفسها أن أسمح لنفسي وأقول: انظر نادراً )اسم
متعارف لمنصور حكمت-م(، وكم هو جميل ما كتبه هنا، إن بحثه هذا يعود إلى االجتماع الفالني والرسالة الفالنية، وإلى
اجتماع اتحاد المناضلين الشيوعيين، وإلى االجتماع الذي عقده على سبيل المثال في الهايد بارك مع الرفيق الفالني. ليست
أياديي طليقة، لألسف. أعتقد أنه مرتبط بتاريخ هذه القضية. ربما أستطيع أن أقوم بهذا في فرصة أخرى. ربما في ذلك
التاريخ الشفهي الذي من المقرر أن نجلس الحقاً لنناقش ما يخص تجربتنا السياسية جميعاً ونسجلها، ونبحثها هناك.ولكن في المطاف االخير هناك مزية، تتمثل هذه المزية بـ: وإن يكن بوسع الشخص الثالث أن يتحدث بصورة أعمق،
مثاالً إذا جلبت وودي الن أو فليني أو هيتشكوك وتسأله: تحدث لي عن السينما، تحدث لي عن اسمحوا لي أن أورد .
أفالمك! بوسعه، بدرجة ما، أن يعطي رأيه بصورة محدودة أكثر، وذلك ألنه ال يستطيع القول: أي إخراج رائع لهذا الفيلم!
التصوير هنا! إنه مجبر على أن يقول إني أحسست بهذا الشكل في هذا الفلم بحيث عملته بهذا الشكل أو
كم هو جميل فعالً
كانت المحضورات علينا هي كذا. ولكن الزال هيتشكوك وودي الن وفليني يتحدثون عن هذه األفالم بصورة هم هنا وأفالمهم
هناك وانتهى األمر. هذه األفالم وهؤالء هم.
ولكني ذكرت: في الشيوعية العمالية شرعنا بعملية، وهنا نحن ندون، ندونها أخيراً بصورة جماعية، إننا جالسون لعمل فلم
آخر يخص أفالمنا حتى اآلن. وضعنا، من الناحية الموضوعية، هو الوضع ذاته اآلن. وعليه، بوسعنا أن ندفع الموضوع
لما ينبغي أن يكون عليه. ولهذا، لسنا مجبرين. ليست أفالم شخص ما رحل أو جرى له شيء ما، وليس بوسعنا أن نمد
أيدينا عليها، وال نستطيع إضافة حجر أو ميدان لها، وال نغّير دبلجتها. إننا نجلس هنا. إنها انطالقة مرحلة جديدة في
موضوعة الشيوعية العمالية. لم يعط أحد ما “سرقفلية” )الكلمة ذاتها بالعامية العراقية، وبالمصرية “خلو رجل”، اي
بمعنى مقدمة نقدية-م( ليسمعها. إن أعطى فهو جالس في الندوة هذه؟ وعليه، بوسعنا أن نأتي وندفع الموضوع أبعد سوية
لألمام. بوسعنا أن نم ِّحص نقدنا، بوسعنا أن نقول إن هناك ماخذاً ما على هذه الصيغة، من الممكن أن تخرج وتطرح، إن
هناك أبحاثاً جديدة للشيوعية العمالية في سلسلة األبحاث هذه أفضل من السابقة، أوضح، وأكثر وعياً، وتخص حركة
جديدة. ليس بالضرورة البقاء في نطاق تلك الكتب. إن هذا يطلق أيادينا، ويمنحنا حرية عمل.
ولكن موضوعة الشيوعية العمالية، في المطاف األخير، تتحول إلى أن أطرح لكم صيغتي عن ماركس. حين تعود إلى هذه
العملية، وتنظر لها، تجدها هي هذه. أن تجعل من هيتشكوك يتحدث عن أفالمه وإنتاج أفالمه لكم. على أية حال، إن هدف
موضوعة الشيوعية العمالية هو، في المطاف األخير، أن يضع جمعاً من الشيوعيين في مكانة أوعى باألعمال التي يعدوها
لم بنقطة قدرة حركتنا وبنقطة ضعفها،
مهمتهم. أي لنتصور التالي: إذا بلغنا في نهاية هذه الندوات إلى أن يقوم جمع منا مّ
وأن مستقبلها يكمن بهذا المسار. وبوسعي أن أمضي إلى منبر لحسم هذا البحث بين مئة شخص آخر وأرسي قوة استناداً
عليه. ال يمكن أن يكون الهدف األخير لهذه الحركة، مثلما هو الحال عليه من وجهة النظر الماركسية، سوى تغيير العالم.
ليس بوسع موضوعة تتعلق بالشيوعية العمالية أن ال تكون مرتبطة في المطاف األخير باتحاد الشيوعيين ووحدتهم وتغيير
العالم. حتى لو أردنا أنا وأنتم أن نضع فرامل، فإن هذه هي خصوصية البحث. إذا لم ي ِؤد ألى نتيجة، حيث شاركت في
اجتماعات مثل هذه، وإذا طالت كثيراً، سيمضي جمع ويؤسس حزباً جديداً فيها. أود أن أقول إن سمة البحث الشيوعي هي
أنه حين تنصتوا له جيداً، فإنه يحفزكم ألن تقوموا، في المطاف األخير، بعمل تعتقدوه صحيحاً. وإذا قمتم بهذا العمل، عندها
نكون نحن وماقمنا به نموذجاً فعالً، إذ تمكن البحث من أن يكون حافزاً وسبباً ألن يصبح عدد كبير من الكوادر مفكرين
وقادة لمرحلة جديدة من النشاط الشيوعي العمالي المطروح أمامنا. لقد طوينا هذا بصورة بيانية )صعود وهبوط-م(. لم
يضع لمدة طويلة أناس جدد أقدامهم في هذا الميدان في حركتنا، حركة اليسار برأيي.
إن مجمل اؤلئك الذين هم ذوو آراء في اليسار اإليراني اليوم هم ثمرة ثورة 1979 ،أو بدرجة صلب عودهم هناك، وتولدت
شجاعة إبداء الرأي في ما يخص أحكام اليوم الكبيرة. في ما بين ثورة 1979 وإلى اآلن، أي من اليسار الذي ظهر هناك
إلى اليسار الذي يمضي اآلن صوب ثورة جديدة باألخص في المنطقة، ال يحس المرء لألسف أن إيديولوجيين جدداً قد
تشكلوا. شخصيات تقول عنها إن مستقبل الحركة الشيوعية، الحركة اليسارية بأيديهم وهذا واضح عليهم من مالمحهم
اآلن. إن هدف هذه الندوة، في جزء منه، هو أن نلتفت إلى هذه المسالة، ناهيك عن المساعدة في وضع أناس أقدامهم في
هذا الدرب عديم األجر. على أية حال، بلغت اللحظات األخيرة من تلك األربعين دقيقة التي من المقرر أن تكون الجولة
األولى لحديثي.
بعد هذه النقطة، سأتناول طرحاً يتعلق بمجمل الندوات وما سأقوله في كل بحث وبعدها أتناول بحث اليوم. إذا أراد أحد أن
يطرح سؤاالً أو نقاطاً بوسعه أن يطرحها اآلن في العشرة دقائق أو الربع ساعة.أسئلة
سؤال: سؤالي يتعلق بالقسم األول من حديثكم، )بقية الحديث غير مفهوم….(
جواب: برأيي يجب رؤية جانبين في هذه األحزاب. كانت األحزاب الموالية لالتحاد السوفيتي تتمتع بميزة على التيارات
التروتسكية، بالطبع ليس كل التروتسكيين، بل أغلبهم، وباألخص على الماويين الذين في أوربا، وهي أن لهم وجوداً في
أقسام من الطبقة العاملة. أي أن أحد أماكن تواجد األحزاب الشيوعية دوما، األحزاب الشيوعية القديمة في أوربا الغربية
هي الحركة العمالية، وبالطبع يبدي قسم كبير من العمال الراديكاليين والشيوعيين لهذه البلدان نظرة تعاطف مع الحزب
الشيوعي الفرنسي، الحزب الشيوعي البريطاني حتى، الحزب الشيوعي اإليطالي إلى يوم وجوده. إن ذلك الخط وتلك الرؤية
وذلك االنتماء المعسكراتي التي شكلت تلك األحزاب ليس لها دور يذكر في مصير الشيوعية برأيي، ولكن المادة التي تشكل
قسماً كبيراً من هذه األحزاب برأيي، وباألخص على صعيد صفوف الطبقة العاملة، هي المادة ذاتها التي ينبغي أن ُيبنى عليه
هذا المستقبل. سأصل إلى هذا.
سؤال: )غير مفهوم إلى حد ما( في أحد مراحل الشيوعية العمالية، تؤكد على الحركة العمالية في بلدان معينة. في مرحلة
اهتم ماركس وأنجلس بالطبقة العاملة األلمانية، في حين، على سبيل المثال، أن بريطانيا أكثر تقدماً. السؤال هو لماذا تعتقد
بوضوح أكبر أن هذه المسألة تصح على إيران؟
جواب: أعتقد أن دور ثورة 1979 وذلك الزخم الذي أضفته على مسار الوعي والوعي الذاتي وكذلك البحث السياسي
للمجتمع هو أمر حاسم، كذلك األسئلة المطروحة وإيجاد الردود في المجتمع، في الفترة مابين 78 و79 الى 80 و81
برأيي بقدر مجمل العشرين سنة التي سبقتها والعشرين سنة الالحقة في ما يخص النشاط الفكري والسياسي الصريح
والعميق في المجتمع إليجاد الردود.
علي أن أفكر اآلن لماذا ماركس ألماني وليس إنكليزياً على سبيل المثال، ولكن في ما يتعلق بنا، وفي ما يخص لماذا
أمام اليسار على استطاع خطنا أن يجمع هؤالء األلفين أو الثالثة آالف شخص في المنطقة حوله، أو على األقل طرح
بديالً
األقل ألى ذلك الوقت، واآلن هم ثانويين بالنسبة لذلك الحدث التاريخي، فأعتقد أنه نتيجة وثمرة السمة الثورية المتحولة
للمرحلة الثورية. في المرحلة الثورية، كل عام لها يعادل ألف عام فعالً، وكل يوم بألف يوم، وإننا نرى أن التأثير على
العملية السياسية في المرحلة التي تلتها هي ليست بذاك الحد.
على سبيل المثال، تصبح النظرية في المرحلة الثورية جماهيرية بسرعة كبيرة، تغدو مطروحة بصورة سريعة جداً، ونرى
ما هي االستنتاجات العملية التي يمكن استخالصها من هذه النظرية، وأي نتيجة يمكن استنتاجها بعد غد عند مجابهة
الجناح اليميني أو اليساري للحكومة أو الحزب الفالني. على سبيل المثال، طرحت مجمل نقاشات الدفاع عن برجوازيتها في
ما يخص الحرب االيرانية-العراقية، تحدث اليسار في أيران مرة واحدة، وفي 15 إلى 20 يوم قال كالمه. مضى الجميع
لتلك األدبيات الشيوعية، أخرجوها من تحت األرض وقرأوها كي يروا ما ينبغي عمله تجاه حرب إيران والعراق. هل ندافع
عن دولة بازركان المؤقتة أم ال؟ إن الحظتم بدقة ، ترون الجميع تقريباً وقد مضى لقراءة لينين في تلك المرحلة. كانت تلك
التفاعالت وسرعة التفاعالت السياسية في المرحلة الثورية حاسمة برأيي. أعتقد حين كانت تبلغ المرحلة الثورية خاتمتها،
كانت تبدأ إجماالً جداالت مرحلتنا الجديدة وكيف أن هذا الحدث قد جرى.
ساعود إلى هذه النقطة الحقاً. سأعود إلى تطورات الحزب الشيوعي اإليراني، وتحديداً موضوعة الشيوعية العمالية من
أعوام 85 ،86 والحقاً، وسأشير إليها دون شك. برأيي في تلك القوة الدافعة وفي انتصار الثورة، طرحت ظواهر أمام
المجتمع. وبعد أن انتهت الثورة، خمدت، فقدت الثورة نفسها ديناميتها، بقى جمع ناشط حصيلة الثورة، جمع شيوعي
حصيلة الثورة، وأخيراً حصيلة الثورة، قد يكونوا ناشطين كذلك من قبل، بيد أن وجودهم السياسي وظهورهم كان جراءالثورة، بقي هؤالء وكانوا واقعاً سياسياً حصيلة ونتاج تلك المرحلة الثورية. من تلك المرحلة فالحقاً، غدت المواضيع شيئاً
آخر.
لو كنا بموضوعات الشيوعية العمالية بدالً من موضوعات الماركسية الثورية، وإذا نمضي إلى إيران اآلن بموضوعاتنا
الحالية، ستكون العملية وذلك المنحني اللذان سنشاهدهما أسرع كثيرا جداً مما كنا شهدناه في تلك المرحلة حتى. كيف نقدنا
الشعبوية؟ أراه اآلن أنه كان بطيئاً جداً، كان بطيئاً في تلك المرحلة. ولكن إذا نذهب إليران غداً، بموضوعاتنا الراهنة، في
إقباالً مليونياً للعمال ولقسم واسع من المجتمع على هذه الموضوعات، كما سنشهد تنامي أوضاع شبه ثورية، ربما ستشهد
قادة وناطقين لهذه الرؤية ال يخطرون على بالنا أساساً. إن المرحلة الثورية هي أمر حاسم برأيي. لماذا إيران، باكستان
ممكنة كذلك وغيرها، ألن في إيران برأيي كانت هناك جذور وميول تختلف عن سائر بلدان المنطقة. أعتقد أن بوسع ثورة
مشابهة في البرازيل أيضاً أن تجلب هذه النتائج كذلك. ويمكن لثورة مماثلة في تركيا أو اليونان أن تأتي بهذه النتيجة
برأيي.
في إيران جرت ثورة، مرحلة قصيرة، قبل مجيء خميني إلى ما قبل 30 خرداد )19 حزيران 1981 يوم شن نظام خميني
هجمة دموية قل نظيرها تجاه ناشطي الثورة-م(، هي التي في ذهني دون شك. كانت تلك األحداث حاسمة برأيي في أن
أعطت لحماً وجلداً لهذه المواضيع. ألني أعتقد أن كل هذه الموضوعات موجودة في كل مكان. السؤال المطروح هو أي
منها يجلب عدداً كافياً من الجماهير إليها. مجمل الموضوعات موجودة في كل مكان، إذا ذهبت وبحثت بين منظمات اليسار
ترى نظرات مشابهة إلى حد ما لبعضها. السؤال المطروح: تصورات أي قسم تتحول إلى تصور ورؤية مقتدرة بوسعها أن
تترك أثراً ما في صف ما.
التمايز االجتماعي والطبقي للشيوعية العمالية
كان طرحي هو أن نعقد عدة ندوات وبعدها سلسة من الندوات االحادية الموضوع.
إن الندوة األولى التي من المقرر أن تكون اليوم، واسعى إلدامتها، تتعلق بالتمايزات االجتماعية والطبقية للشيوعية
العمالية، خطوط هويتها من الناحية الطبقية واالجتماعية، ما هي المشاهدات األولية ونقطة انطالق موضوعات الشيوعية
العمالية، ما هو جوهر موضوعة الشيوعية العمالية، واإلطار األساسي لهذه الصيغة التي نتحدث عنها من الشيوعية،
وكذلك ماذا تعمل صفة “العمالية” هنا، وما هي مكانتها في الموضوعة. أود أن أتناول بالتفصيل موضوعة: لماذا نعرف
ونصف هذه الموضوعة بالشيوعية العمالية، وقد يعود موضوع اليوم إلى كلمة عامل ومكانته في موضوعنا.
من المقرر أن تكون الندوة الثانية حول المواقف األساسية للشيوعية العمالية هذه، بعبارة أخرى عقيدة الشيوعية العمالية،
بحث النظريات واألطروحات األساسية للشيوعية العمالية واحدة تلو األخرى. على سبيل المثال، وكنموذج، بحث منهجنا في
النظرية وبحث منهج ماركس، بحث الممارسة في الماركسية، مكانة مقولة الممارسة في الماركسية، تفسيرنا للمادية
التاريخية، الماركسية والطبقة، مسالة النضال الطبقي، نقدنا للرأسمالية، وصفنا للمجتمع االشتراكي، تعريفنا للدولة ومقولة
اإلصالحات والثورة، وكذلك نظرة أكثر تمحيصية لموضوعة االشتراكية غير العمالية. هذه هي مواضيع الندوة الثانية.
الندوة الثالثة وما بعدها، من المقرر أن نجلس ونختار مواضيع منفردة من موضوع عالم أفضل، قد نستطيع أن نتناول
خمسة أو ستة عناوين أحادية الموضوع، موضوع أحادي أو ميدان أحادي. أي بمعنى آخر، يمكن أن تكون شعاراتنا
ومطالبنا االجتماعية، توجهاتنا االجتماعية للمسائل المختلفة، وكذلك استراتيجية الشيوعية العمالية بوصفها حركة سياسية.
إنها موضوعات ينبغي تناولها في الندوة الثانية.
جملتان توضحان أساس الشيوعية العماليةعلى أية حال، إني أبدأ ببحثنا األول هذا، ليس لدينا وقت كثير، واآلن الساعة الخامسة، أسعى ألن أتحدث مرة واحدة عنه.
أشك أني أستطيع اللحاق لتناول آخر مالحظاتي. هناك جملتان توضحان أساس الشيوعية العمالية برأيي: جملة مذكورة في
أماكن أخرى كثيرة كذلك دون شك. إني فقط أنقلها هنا من مباديء الشيوعية ألنجلس. إذ يقول: “الشيوعية عقيدة ظروف
تحرر طبقة البروليتاريا”. الشيوعية هي تلك االفكار ومجموعة األحكام وتلك النظرية والعقيدة فة
ال ُم على ظروف ْشرِ
ومستلزمات تحرر البروليتاريا.
إن هذه أول فرضية للشيوعية. فأنى تمضي في وثائق ماركس وأنجلس، وأنى تمضي في الماركسية أساساً، يكررون أن
الشيوعية هي عقيدة تحرر الطبقة العاملة، تلك الظروف فة
ال ُم على ظروف ومستلزمات تحرر البروليتاريا. إن هذا من ْشرِ
مباديء الشيوعية كما قلت، ولكن ال ينتهي البحث هنا. في مقدمة طبعة 1883 األلمانية للبيان الشيوعي، يقول أنجلس
جملة، وتتكرر بأشكال مختلفة في أماكن مختلفة كذلك، وضعت خطاً أسفلها وأنقلها لكم، وهي تذكر ما هي حصة ماركس
ومساهمته في هذه النظرية. يقول:” إن موضوعة ماركس هي أن الصراع الطبقي بلغ مكاناً ليس بوسع البروليتاريا أن
مست وأن تتخلص من الطبقة المستِغلة، دون أن تحرر الجميع معها، وتنهي مجمل أشكال َغ تتحرر بوصفها طبقة لة،
وإجماالً تنهي النقد واالستغالل والمجتمع الطبقي”. إنهما سوية، برأيي، يمثالن مجمل األعمدة التي ُبنَيت على االستغالل،
أساسها الشيوعية العمالية.
برأيي حين تنظر إلى أي شيوعية غير عمالية، تجد أنها قد داست على أحدهما أو كليهما. إن الشيوعية التي هي ليست علم
تحرر الطبقة العاملة، بل علم تحرر الفالحين الصينيين، شيوعية علم ديمقرطة الحركة النقابية، شيوعية علم بناء اقتصاد
بلد، شيوعية علم النضال المعادي لإلمبريالية والنضال ضد نظام دمية بيد اإلمبريالية، هي ليست علم تحرر الطبقة العاملة.
لدينا الكثيرون من هؤالء الشيوعيين، سأتناول هذه الشيوعيات الحقاً الواحدة تلو األخرى وسأشير إلى كيف أن اليسار
اإليراني هو أحد هذه الروايات. ولكن هذا ال ينطق بكل ما في اللوحة.
إن الشيوعية التي تعتقد أن العامل يتحرر، وبوسعه أن يتحرر، بدون أن يحرر معه كل المجتمع، هي شكل آخر من
الشيوعية غير العمالية. وذلك ألن مجمل أهمية ماركس والماركسية في: 1 -الشيوعية هي علم تحرر الطبقة العاملة
الصناعية الحديثة، يعني ال يمكن توقعها ظهورها قبل سبعمئة سنة، لم يكن ذاك العامل وال ذاك المجتمع، يأتي العامل
الصناعي، يأتي البروليتاري، تصبح الشيوعية علم تحرره، علم ظروف ومستلزمات تحرر هذه الطبقة، تصبح عقيدة
الشيوعية. و2 -بعد فهم مسالة: إنه، وبصورة موضوعية، ال بسبب أن الطبقة العاملة طبقة متعلمة كثيراً، ال يمكن لهذه
الطبقة بصورة موضوعية أن تتحرر دون أن تحرر معها كل شخص. وإذا كانت هناك شيوعية تعتقد أن بوسع العامل أن
يتحرر بدون أن ينهي معه أيضاً مجمل أشكال الظلم، مجمل أشكال االستغالل، ويمحي مجتمعاً يستند إلى الظلم واالستغالل،
فإنها ليست بشيوعية.
وإذا كانت الشيوعية العمالية التي أوضحها لكم اآلن، وأذهب هنا صوب صفة العامل، فإن مجمل القضية هي أن أبين أي
نوع من الرؤية تلك التي ترى هذين الشرطين سوية، وكيف أن هذين الجزئين مقترنان ببعض. ال يتعلق الموضوع بلطف
الطبقة العاملة في أن تحرر معها الجميع. ليست هذه موضوعة الماركسية وال هي موضوعة الشيوعية العمالية. إذ تقول إن
الشيوعية هي تلك الحركة التي ينبغي عليها، من أجل تحررها، أن تغّير شيئاً في العالم. وإذا تغير ذلك الشيء، عندها ال
يبقى أي من أشكال الظلم. إذ ال يتعلق البحث باللطف والرحمة أو أنه يهمها حرية الطبقات األخرى.
عامالً وكي ال يبقى عامالً باألجر، وكي ال يبقى استغالل، ينبغي إرساء إن الطبقة العاملة، ومن أجل حرية العامل، بوصفه ،
ظروف وأوضاع في المجتمع ال يمكن أن يكون فيها أحد تحت الظلم. إنها السمة الموضوعية للعامل والنضال الطبقي في
ُين للعامل، عندها بوسع المرء الحديث عن الشيوعية. ال ظاهرة الظلم، وال َظ الشيوعية العمالية. موضوعية، بمعنى حين ْر
ظاهرة االستغالل، وال ظاهرة ما يطلق عليه التخلف، بل عامل محدد ثمرة مجتمع محدد، حين يظهر )اي العامل-م(، ُيقال:
آها! بالوسع أن تكون عقيدة تحرر هذا هي الشيوعية. وفقط حين يفكر بطريقة جيدة، يرى أن مجمل هؤالء يتحررون
بتحرره.إذا افترضنا أنها كانت طبقة الكادحين، العامل الطبقة المنتجة لعصرنا. الطبقة المنتجة لعصر آخر، قبل 300 عام، طبقة
أخرى وشرائح أخرى، إذا نظر ماركس، لو افترضنا أن ماركس استطاع أن ينظر بأي حال من األحوال، ويرى أنهم، ومن
أجل تحررهم، ليسوا بحاجة إلى تحرير بقية المجتمع، عندها لما رأينا ظاهرة باسم الماركسية بوصفها فكر تحرري. طبقة
حين تتحرر، فإنها تحرر نفسها، خيرها لنفسها! إذا كان نصيبك مسبقاً أن ال تكون من تلك الطبقة، فإن هذا الموضوع غير
ذي صلة بك أساساً.
حين تتحرر شريحة، فإنها حررت نفسها. مثل البرجوازية، البرجوازية أيضاً ممتعضة كذلك من القيود اإلقطاعية، فإنها حين
تتحرر، فإنها تحرر نفسها، تتحرر من القيود اإلقطاعية، وبوسعها أن تنتزع قوة العمل من الريف، وتجلبهم لمعمل المدينة
دون أن توجه لها )أي االقطاعية-م( الصفعات وتستل عليها السيوف وتصدر بحقها الفتاوي وتشيطنها وتضرم النار بها.
تحرر البرجوازية نفسها دون أن تحرر البشرية. من الناحية الموضوعية، يمكن أن تقوم بهذا العمل، ولكنها تحرر نفسها
فقط، عندها لن تتمتع الفكرة المحركة لتلك الحرية لدى تلك الطبقة والنضال الطبقي لتلك الطبقة من أجل الحرية، بتلك
الجذابية بالنسبة لي ولكم. إن مدى جذابية إيديولوجيي الثورة البرجوازية هي أنهم يتحدثون ضد الظلم عموماً. ولكن حين
ننظر لهم، يبهتوا أمام ماركس. ألن هذا إيديولوجي ثورة طبقة حين تتحرر، يتحرر كل شيء، يتحول المجتمع بشكل بحيث
يجعل من بقاء الظلم واالستغالل أمراً غير ممكن.
إن هذا مفتاح بحثنا. لقد تطرقت مرات ومرات في بحثنا اليوم إلى مسالة حين ننظر إلى: كيف، وبأي مسار تاريخي، ظهور
موضوعة الشيوعية العمالية بيننا، سواء على صعيد مشاهدة الشيوعية العالمية، أو في النضاالت التي جرت حول المقولة
ذاتها، وحتى في األوضاع التي نمر بها اليوم، نرى أن هاتين الجملتين واقترانهما ببعض قد تم نقضه أو لم ُيستنتج الشيء
الذي من المفروض أن ُيستنتج منهما. في البحث األول للشيوعية العمالية قبل 11 عاماً، في ما يخص نزعة “عامل عامل”
)نزعة التشدق اللفظي لليسار باسم العامل-م( المزيفة والمثقفاتية، تنظر للعامل بوصفه كائناً يحل محل البقرة عند
وإجالالً لها، لم أتحدث في حينها، ناهيك عن أن العديد من الهندوس، وتعتقد أنه ظاهرة مقدسة، وينبغي الوقوف احتراماً
عبدة البقر )أي من يلهجون بكلمة عامل-م( وقتها كانوا معنا.
ولكن، وبصورة واقعية، إن نزعة “عامل عامل” المزيفة تنظر للعامل، ال بوصفه تلك الظاهرة التي يراها ماركس وتراها
الشيوعية التي في بالكم، بل بوصفها شريحة اجتماعية ال تتمتع بتلك المكانة وال بهذه الرسالة، بل بوصف صاحب تلك
النظرة امرءاً ينشد أن يتحرر ذلك العامل، ذلك النوع من االشتراكية العطوفة والطقوسية التي هي برأيي تبين، قبل أي شيء
آخر، شعور الطبقة البرجوازية بالذنب. وهو األمر الذي أود أن أناقشه في هذه الندوة، وأمايز نفسي عنه. نوعاً ما شيء
مثل الخط الخامس، برأيي، شيء يكتب بياناً احتجاجاً على ظلم، ويريد العمال الذين يعملون في المصنع فقط أن يوقعوا
عليه. أعتقد أن تفكر هذه الشاكلة من الشيوعية بهذه الطريقة، فهي تثبت أنها ليست شيوعية، وبوسعها أن تحرر نفسها
دون أن تحرر المجتمع، ودون أن تحتاج إلى عقيدة وفكرة تستفيد منهما لتحّول بها المجتمع.
ليس بوسعك تحرير المجتمع بأطروحات نقابية، لست شيوعياً، وال تسعى من خاللها كذلك ضمناً لتحررك، ْ إن كان تطور
البروليتاريا بّي َن عن شيء، وفي نظرية الشيوعية تشير إلى شيء فهو أن البروليتاريا تتحرر بالشيوعية وليس بشيء آخر.
وإن هذا يشير إلى أن الشيوعية علم تحرر مجمل المجتمع كذلك. إنها ظاهرة من أجل إعادة بناء وترميم كل العالم وكل
المجتمع بكل ناسه. سأتطرق لذلك الحقاً، وأشير إلى كيف أن كال القطبين قد نقضا، بصورة أساسية، شيوعية علم أوضاع
تحرر الطبقة العاملة، كما قد تم نقضها في أغلب الشيوعية القائمة في عصرنا. إنها شيوعية علم ألف عمل وعمل آخر
ماعدا تحرر الطبقة العاملة. وبعد ذلك سأبين كيف، في رد الفعل على هذه الظاهرة، تم تحويل أجزاء من الظاهرة ذاتها،
ومن أجل تعبئة تلك الطبقة خلف مصالحهم الجزئية، إلى علم تحرر الطبقة العاملة بدون أن تنشد تحرر أي آخر معها، علم
تقديس العامل دون نية تحرر المجتمع معه. وإن هاتين مربوطتان سوية، وما يسمى بطرفي ظاهرة واحدة.
نقطة انطالق الشيوعية العماليةالجوانب العملية، نقد الشيوعية العمالية النافي
لماذا يستلزم األمر رواية جديدة عن الشيوعية أساساً؟ لماذا من الممكن ألي امرئ في لحظة من حياته أن يقول: ال افهم
فعالً وذلك لسبب بسيط، يريد الشيوعية بهذا الشكل، إني أفهمها بشكل آخر؟ ذلك ألنه يرى مأخذاً على الشيوعية الموجودة .
أن يقول إنه ليس مثل الشيء الذي أعتقد أنه شيوعية، وإن روايتي للشيوعية هي شيء آخر. وذلك ألنه يريد أن يقوم بعمل
آخر بالشيوعية غير ذلك الشيء الذي يقومون به. وذلك ألنه ينظر ويرى نطاق النضال الشيوعي وميدانه الذي يراهما،
وذلك ألنه ال يحس بقرابة وتناغم مع تلك الظاهرة التي يطلقون عليها الشيوعية القائمة فعالً. ينظر إلى االتحاد السوفيتي
وأطروحات الشيوعية الروسية ويقول إنها ال تعبر عني. إني شيوعي، ولكن هذه ال تعبر عني. أرى فيها إشكاالً ما.
إذا أردنا بحث الشيوعية العمالية، سواء من الناحية التاريخية أو التحليلية، فإنه يتم طرحها ارتباطاً بتناقضات. لقد استهللت
الندوة التي عقدتها قبل 11 عاماً بالموضوعة ذاتها على وجه الدقة. لقد تجادلت بأمر وهو أننا شيوعيون وضعنا أقدامنا في
ميدان المجتمع كي نجري تغييرات، أن نكون مصدر تغيير في حياة اإلنسان. إذا كنت في أي مكان من العالم وعضو حزبين
أو ثالثة أحزاب أساسية، ستترك دون شك تاثيراً سلبياً أو إيجابياً على عدة عوائل مقارنة بتأثيرك بوصفك عضو الحزب
الشيوعي الراديكالي لذلك البلد. إنها أول مشاهدة شرعت حديثي بها قبل 11 عاماً. وحين أمر اآلن على أغلب أبحاثي خالل
العشرين سنة الماضية، أرى أن أغلب أحاديثي بدأت على هذا المنوال. إن هذه المقالة التي وجدتها صدفة في المخزن، هي
حديث منصور حكمت حول نتائج االجتماع الموسع الثاني للجنة المركزية للحزب الشيوعي االيراني في )4 كانون الثاني
1983 ،)كان اسمه “الفصل ما بين الكالم والعمل”، وال أعرف كم شخصاً في ذلك المعسكر )في جبال كردستان العراق-م(
يتذكر ذلك؟ ربما كان صالح ايزدي م ّ ن دونها، وقد وجدتها صدفة في كيس.
انظروا! يقول المقال: رفاق! مرت سنة على تأسيس الحزب كي يكون مصدر تغيير صوب أهدافنا، ولكننا لم نكن مصدر أثر
صوب أهدافنا. نقول شيئاً، فيما نقوم بعمل آخر، وسمينا الحزب باسم البروليتاريا. في زواياه، يعشعش البرجوازيون
الصغار بمصالحهم القومية والفئوية وغيرها. إنها نقطة االنطالق األولى للقضية في كل مرحلة طرح فيها هذا البحث برأيي.
وأعتقد بالنسبة لكل شخص يرى أنه ينبغي تعريف الشيوعية بشكل ما، هو أن هذه الشيوعية التي يراها ال ترضيه. في
إيران يمتدحوها، كل العالم يمجد روسيا وكانت مصدر ما يطلق عليه عموماً ثورات وملهماً لها. حينها تهرع لقراءة لينين،
إذا قرأت كتاب باروس الذي كان سابقاً بمستوى لينين، مثله بمستوى واحد وجادل معه. يكفي أن تقرأ باروس لدقيقة، حتى
تركنه جانباً. إنك تقرأ كتاب لينين ألنك تحس بأنك أمام أحد شخصيات التاريخ المعاصر الذين غيروا العالم عموماً، وتود أن
ترى كيف كان يفكر، بعدها تنظر لترى أننا دخلنا الحركة الشيوعية منذ 5 أعوام أو 3 أعوام، ولكن ليس من المقرر أن
تقوم هذه الحركة بالتصدي لموجة القمع في )30 )خرداد )19 حزيران( حتى. دع كل شيء جانباً، دع الملكية االشتراكية،
حل الدولة، مساواة المرأة بالرجل، دع كل شيء، 6 ساعات عمل، أن نلجم الماللي الذين يبغون ذبحنا جميعاً، وال نستطيع،
ونلوذ بالفرار. ونذهب لنجلس على صخرة، حين نبتعد كثيراً، على سبيل المثال مثل كردستان، أخيراً طردونا، لم نقتل عام
1980 ،عام 1981 طردونا، نجلس على صخرة ونقول: ما األمر؟
جرت ثورة، حضرت الجماهير باسم الحرية والمساواة، بعد عام من الثورة، نفذنا من قائمة )االعدامات-م( النظام الملكي،
وأكثر من تلك القائمة، )قائمة الجمهورية االسالمية-م( ثالثة أضعاف قائمة النظام الملكي، أصدقاء هم األشخاص ذاتهم
الذين لم يعتقلوا سابقاً، يعتقلونهم اآلن ويقتلونهم، وأنت شيوعي قرأت في كتاب ماو تسي تونغ وهو يتحدث عن إرسال
مليوني شخص من وراء الجبل الفالني كي يتصدوا للكومينتانغ. هكذا قرأنا في كتاب ماو تسي تونغ، تم تسليح مليوني
شخص! ويقول أيضاً إنه أغرق 500 ألف من الطابور الخامس بالدماء! إنها األعداد التي يتعامل بها ماو تسي تونغ، ونحن
نقرأ عنها، وبعدها نجد أنفسنا ونحن نلوذ بالفرار من حفنة ماللي وماللي صغار، وجلسنا خلف قرية، والزال آخرون
يلحقون بنا! يريدون انتزاع كل قرية منا، وبعدها يلحقون اضراراً بنا. هكذا كان األمر. يغلقون أي جريدة يريدون، ال تفتح
المذياع دون أن تسمع اسم شخص تعرفه وقد أعدم.إن أول ظاهرة تنتصب أمامك عامي 83 و84 هي: لماذا نحن عديمو التأثير؟ لماذا؟ تنظر للعالم، تجده كذلك. لقد تحدثت عن
ذلك في كونفرانس رفاق بريطانيا، وقلت: تنظر، لترى حركة في بريطانيا وقد كتب في محضر اجتماعها أنها جمعت،
وبصعوبة، 18 شخصاً حولها. يوجهون ضربة لعمال المناجم، ويلحقون الويل بهم، وال يستطيعون القيام بشيء! في هذا
البلد، كان هناك، في وقت ما، حق اإلضراب التضامني )أو إضراب تدافع فيه عن طرف آخر(، أي إذا وجهوا ضربة إليك،
بوسعي أن أوقف عجالت العمل إلى أي يوم أريد. قطعوا اإلضراب الثانوي الذي يطلقوا عليه )strike secondary،)
لم يب َق! حين َم ْت
ُسل صور فلم معمل لعمال آسيويين ذوي أجور زهيدة، شرع جمع، في مكان آخر، مدينة آخرى، باإلضراب ِّ
وذلك ألن محرضاً شيوعياً هب وقال لننظر ماذا يعملون في لندن، ترك عمله ومضى لتلك األعمال. ال تستطيع أن تقوم
بتجمع احتجاجي في مكان ال تكون عامالً مضرباً فيه. ال أستطيع أن أمضي ألقف أمام الشخص االستغاللي الفالني المعادي
للنقابات ألقوم بتجمع احتجاجي، سيقول: لماذا أنت هنا؟ العمال يتجمعون هناك. ]ما صلتك باالمر؟![. لقد شنوا هجوماً على
الحقوق واحداً تلو اآلخر، وتنظر للحركة التي تنتمي لها، وتجدها عاجزة عن القيام بشيء ما.
إن موضوعة انعدام قدرة الشيوعية هي نقطة شروع وإبداع موضوعة الشيوعية العمالية برأيي. السبب هي حين نفكر
بصورة جيدة، نجد أن هذه الشيوعية ذات عيب ما دون شك. ذهب اإلسالميون في خمس سنوات ليرتبوا أمرهم، ونظموا في
الجزائر حركة وقاموا بكل تلك الجرائم. القوميون، المعادون لالستعمار، استقلت غانا، أتى نكروما وذهب، وماذا عن
الشيوعيين؟ إنهم يقولون إننا منهمكون منذ 150 عاماً، ونتمتع برؤية أيضاً، وخط، ونحن من ِظمين كثر. حين تسمع أمة ما
أن الشيوعيين قد أتوا، يقولون لقد حضر عدد من المن ِظمين.
سترى أن القوميين يتركون أثراً، واإلسالميين يتركون أثراً بإمكاناتهم القذرة، وحتى أكثر منهم هامشية يتركون أثراً كذلك،
والشيوعية العالمية ال تترك أثراً! تقول لماذا األمر على هذه الحال؟ ألم يكن من المقرر أن تكون هذه الشيوعية نقداً عملياً
وممارساتياً وتغييراً للعالم؟ إن أيادي الشيوعية التي تتعلق بتغيير العالم أقصر من أية أداة لتغيير العالم. إن هذه أول
مشاهدة نراها في موضوعة الشيوعية العمالية. إنها، تاريخياً، أول مشاهدة شرعنا بها بحث الشيوعية العمالية. أي وضع
هذا؟ ولماذا إن أيادينا قصيرة وال تبلغ أي شيء؟
إن هذا الفصل هو فصل بين القول والعمل، فصل ما بين حقيقتنا الموضوعية من حيث قدرتنا واألهداف التي ننوي تحقيقها
التي تراها
والتغيرات التي ننوي إحداثها والقدرة التي لدينا. التناقض الثاني، تناقض بين تلك الشيوعية القائمة فعالً
واألهداف واآلمال التي تنشدها، وإن تلك األهداف واآلمال هي ليست أهداف وآمال تلك الشيوعية. تفكر في داخلك، إذا
أصبح المجتمع شيوعياً، فلن تبيع الناس أعمالها. يرد: ليس األمر كذلك، لقد نظموا جميع األجور. ليس هذا وحسب، في
هذا الحزب نفسه، عقدنا ندوة لمناقشة مسألة االتحاد السوفيتي. البعض من حزبنا، أعز رفاقنا في الحزب، والذين يمثلون
أكثر أقسام المجتمع راديكالية يقولون: ليس بوسع لينين والبالشفة، وينبغي عليهم، بعد الثورة، أن ال يمسوا اقتصاد
أوالً حتى يقلب لينين والبالشفة كل شيء في المجتمع، لماذا أرسوا المجتمع. ال يصح هذا، ينبغي أن تندلع ثورة في العالم
اقتصاد البلد وشكله االقتصادي؟ وذلك ألن االقتصاد السلعي ألمريكا أو األرجنتين أو بريطانيا ال يسمح بذلك، ال يسمح لك أن
ال يكون لديك إنتاج سلعي. إذا كان العامل في بريطانيا يستلم أجراً، عل َّي أنا الذي قمت بثورة أن أستلم أجراً كذلك. ال مناص
من ذلك! أرجوك، ال يمكن هذا، حتى الـ”اليمكن هذا” موجودة في عقيدة هذه القضية وفي أطروحتها وفي رؤيتها، ال يمكن
أن تقوم بإرساء نموذجك المنشود أو ينبغي أن ال تقوم بذلك! ناهيك عن أن تقوم بتقييم الماوية.
أعطى أحدهم كتاباً أحمرا لعدة طلبة ووضع عليه اسم الثورة الثقافية، وبعد الهياج، تبين أنه ذو صلة بصراع داخلي للحزب
نفسه، من الواضح أن هذا ما يقومون به. ولكنك تقول أي شيء؟ ألبانيا، عقدنا صلة مع أناس أمريكيين، أمريكيين! القوة
العظمى في العالم، ما أن تفتح الكومبيوتر حتى ينقضوا عليك: موالين أللبانيا! كان أول سؤال لي: إنك امريكي، لماذا توالي
ألبانيا؟ مئتا مليون إنسان باقتصاد عالمي، وكلكم حملة شهادات، لماذا تناصر أنور خوجه؟ ما الذي تحقق هناك؟ امرؤ عجز
عن تنظيم أمر عادي، وبوصفك أمريكياً، كيف أصبحت مناصراً ألنور خوجه؟ ما الذي رايته هناك؟ نصير نموذج االقتصاد
األلباني! إذا أصبحت ألبانيا مثل كوبا اآلن، مرة أخرى يستلم أجراً. ال يتحدثون عن هذا فحسب، بل يتحدثون عن أن المثليينفي الصين يواجهون عقوبة اإلعدام. إننا الذين نناضل من أجل مجتمع يقوم اإلنسان بأي عمل يريد في الصباح، وبعمل آخر
في الغروب، يعتقلوك إن تحدثت بالضد من األخالقيات المتخلفة التقليدية والسائدة في المجتمع، ويرموك في السجون.
الكتابة بطريقة ما ممنوعة، استخدام نمط معين من الفن أمر ممنوع، وال يمكن إنتاج فيلم معين في ذلك البلد. تقول ما صلة
هذا بعقائدي؟ تنظر إلى ُمثل ترى أنها ال تراعى، هناك سجون، هناك فحشاء. ثمة سجون في اشتراكيته، حين تنظر إلى
حقوق األطفال ترى أن ليس لها ربط بي. إن القرى نفسها التي لنا صلة معها اآلن هي ليست كذلك.
أرست الصين الشيوعية ونتيجتها هذه! إن االختالف ما بين تلك الشيوعية القائمة، وليس فقط الشيوعية المعسكراتية،
الشيوعية التي تراها يومياً، حين تتجادل مع الفدائيين حول معايير الشخص لالشتراكية، والتي سأتناولها الحقاً الواحدة تلو
األخرى، إلى مكانة الشرقية اليسارية التي كانت، باسم االشتراكية في ذلك البلد، مصدر اليسار اإليراني. ولكن ترى
االختالفات بشكل عيني بالضبط. تقول إن ُمثلي هي ليست مثلهم ذاتها. ال يمكن أن يكون كالنا شيوعياً، أحدنا يعمل بصورة
خاطئة هنا. كيف هي شيوعيتنا؟ أهداف وآمال مزيفة. على سبيل المثال، تقول عن نفسك شيوعي، ويأتي هو ليقول: علينا
أن نقوم بما من شأنه أن تحقق البرجوازية القومية اليد الطولى ألنها تعد جزءاً من الشعب، وأنت تقول ليس هناك سطر
واحد في ماركس يتحدث عن هذا، ليس في ماركس، بل ليس لوجودي ذرة صلة بما تقول. لماذا على االشتراكية في إيران
على سبيل المثال أن تتعلق بالبرجوازية الوطنية؟ أو لماذا نتحدث كثيراً حول استقالل اقتصاد االكتفاء الذاتي؟ بوصفي طالباً
في قسم االقتصاد، أعرف أن االكتفاء الذاتي ال ينفع في شيء، لماذا تصر على أن يكون اقتصادكم مكتفياً ذاتياً؟ حول أي
شيء نتحدث؟
لقد كان اليسار في تلك المرحلة مملكة. لماذا يمقت اإلمبريالية؟ أتعرف لماذا يمقت االمبريالية؟ ألنه يمقت الغرب، ألنه يمقت
موسيقاه، ألنه يمقت نمط حياة الغرب. يقوم بنضاله المعادي لإلمبريالية ألنه ال يحب نمط حياة الغرب. يناضل ضد
بدالً من أمريكا، عندها قد ال يكون ممتعضاً إلى ذلك الحد. ألن ما يرى اإلمبريالية، ولكن إذا كانت تلك اإلمبريالية هي اليابان
أمامه أمريكا والموسيقى والسلع وماكدونالد، يراه أمراً ممجوجاً، ولكن إذا أتى من بلد تقليدي مثله ليحكمه، فمن الممكن أن
ال تراوده مشاعر عدم االرتياح هذه. إنها شق وفاصلة األهداف عن تلك الظاهرة الحقيقية.
بعدها ترى أن الشيوعية التي قرأتها، بوصفها علم تحرر وعقيدة م ّسيرة لظروف تحرر الطبقة العاملة، ليست لها صلة
بالطبقة العاملة، وهي ليست )اي الطبقة-م( أيضاً قوتها المحركة في مجتمعاتهم هذه وداخل اليسار أيضاً. ثمة سؤال أساسي
ورد في مرة سابقة، واآلن أعود إلى نصه، هو نقاشات المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي اإليراني، والمنشورة في 3 أعداد
من جريدة كومونيست. لقد وضحت هناك بالتفصيل كيف أن العامل هو كيمياء في حزب شيوعي، صلته )اي الحزب-م(
بالعامل هي آخر أولوياته، وأن وجود هذا العامل وحياته التي ينبغي فيها أن يمضي ليعمل ويتدبر حياة عائلته ذو تناقض مع
عضويته في تنظيم كهذا، وحتى الكالم الذي يتفوهه، علي العامل أن يقول: أال يمكن أن تعيده من فضلك؟! ماذا قلت؟ ال أفهم
ماذا تقول. ال ألنه قليل الفهم، ال! بل ال يفهم ماذا تقول.
إن صلة هذه الشيوعية بالطبقة ضعيفة جداً، وذلك ألن الصورة التي لديك عن الشيوعية، إذا فقط قرأت الكتب، ال ألنك ضد
الشاه وألقي بك في السجن هناك وتعرفت إلى الفدائيين وخرجت منه وغير ذلك، إذا فقط قرأت كتباً، يعني قرأت ماركس،
فإن الصورة التي ترسمها عن الشيوعية هي عمالية كثيراً. في أجواء عمالية، مناقشات العمال الصناعيين، حلقاتهم التي
تناقش وغير ذلك. ال يتعلق األمر بالحديث عن الفالح، وال التجار الصغار، ال طلبة المعهد الفني، ال طلبة المعهد الصناعي.
وال أي منهم. الحديث عن العامل، إنها الحلقات الشيوعية والعمالية، اإلضراب والقائد العملي وقادة المعامل والعمال
الناشطين والعمال القراء. إنها جميعا مفاهيم تراها في اآلثار الماركسية. وبعدها تنظر لتجد أن هذه الحركة الماركسية حديثاً
هي أبناء سابقين لمجلس مناهضة البهائية؟! ولكن في الحقيقة حين تفكر بها بعمق، تجدها مناهضة للبهائية.
إن “اتحاد النضال في سبيل أهداف الطبقة العاملة”، وهي منظمة أعلنا نحن مناصريها، عام 1979 ،قلنا: انظروا، أعزائنا،
نحن أزلنا القرآن من الرف، ووضعنا كتاب الرأسمال محله. لقد كان هذا أحد أركان إرساء اشتراكية راديكالية جديدة في
إيران. أزلناه ووضعنا الرأسمال محله، أو أزحنا أبحاث حزب توده والجبهة الوطنية ووضعنا الرأسمال محلها. لم يذهبليقرأها، بل وضع مكانها! فقط وضع محله، يستفيد من االسم بوصفه شارة حركته. إن صلة تلك الشيوعية بالعامل أضعف
من أن تحس بتناغم معها. بالنسبة لشخص قدم من ماركس مباشرة.
ثمة جذر آخر، يستلزم صيغة أخرى برأيي، وبوسع أي امرئ أن يفكر بذلك. لقد تم تحويل شيوعية تتعلق باإلنسانية إلى
موضوعة تتعلق بالتاريخ! تأتي في عام معين للحياة، وفي عام محدد تبلغ السادسة عشرة من العمر، وفي عام محدد تبلغ
18 عام، وبعدها تريد، في الحياة التي تعيشها، في الثالثين عام التي أمامك، ومن أجل أن يطرأ تغيير عليك، يبعث تغييراً،
تغييراً في حياتك وحياة اآلخرين. بعدها تمضي لحركة مثل “هاري كريشنا” ومثل هؤالء الميلينالستيين ومثل حركات األلفية
هذه التي تؤمن أن المسيح سيحل قريباً، وذلك ألنهم يقومون بنشاطهم من أجل مستقبل وغد تاريخي، ال من أجل أمر حي
ولحاضر اؤلئك الناس.
كلما تمعنت بدقة، ترى أن من المقرر، في هذه الحركة الشيوعية، أن نكون قرميداً لعمارة من المقرر أن تبنى الحقاً. علينا
وبدالً أن نقدم التضحيات في عملية تبلغ هدفها الحقاً في أجيال أخرى. كما لو أن مهمتنا هي صناعة تاريخ وليست مجتمعاً!
من االنطالق من اإلنسانية وبشرية يمكن أن تصنع شيئاً في حياتها، أو تمنع إجحافاً بحقها أو تسعى من أجل حريتها،
تنطلق من التاريخ. في مرحلة وامتداداً الشتراكية أتت ومن المقرر أن تمضي صوب مكان ما. وبعدها، فإن انتصار
االشتراكية كذلك يطابق تلك الرؤية الحتمية. إنها حتمية، عندها ال يبقى دور لك. ال تحتاج إلى تطلع ما منك، عليك فقط أن
تحضر وتلقي تحية على تلك الحركة. وذلك ألنها أتت إلى هنا، وعليك أيضاً أن تعمل لها مدة من حياتك، وهي أيضاً أمر
حتمي. إنها جذر وتيار إرتقائي ليس له صلة ببلشفية لينين.
حين تتابع لينين، ترى أنه امرؤ خصص مجمل حياته كي يكون مصدر تغيير في السياسة واالقتصاد والحركة الطبقية وغير
ذلك في عصره وزمانه، في اليوم نفسه وفي اللحظة نفسها التي يتحدث فيها. إن مفاد جذر حركات االلفية هو: أننا نعمل
ليحين يوم المهدي المنتظر، وينقذنا جميعاً. ليس هذا موجوداً في ماركس، ليس موجوداً في شيوعية لينين. ولكنها موجودة
بوفرة عند شيوعيي عصرنا. ناهيك عن إحالة إرساء المجتمع الشيوعي إلى يوم ما. إن هذا مايقوله لك القطب السوفيتي،
إذ يقول لك إن هذا المجتمع يمضي إلى هناك. تقول الصين األمر ذاته لك. فمن ينظر إلى العامل بوصفه منقذ العالم؟! للجميع
تصور المهدي المنتظر، المنقذ، هناك يوم حشر، إن جذره ديني برأيي. ليست جذوره موجودة في النزعة البراتيكية
للشيوعية.
إن مجمل موضوعة ماركس، والتي سأبلغها الحقاً، نقد ماركس الفلسفي لفلسفة عصره هو حول الممارسة، حول العوامل
الفاعلة في التاريخ، حول مكانة النشاط في الحقيقة. إذ يقول الحقائق حصيلة النشاط، ويجلب النشاط معه إثبات الحقيقة.
التي نذرت من أجل خدمة هدف أن يبلغ يوماً ما تاريخ ما نتيجته الحتمية،
وتورطنا بالضبط بمثل هذه الحركة المهلهلة فعالً
وال تقع على كاهلنا مهمة أن نجعله اشتراكياً، وليس لدينا أنا وأنت مهمة أن يقيم ثورته في حياتنا، وليس مهمتنا أن ننشد
أقصى المطالب. حركة، ولشدة ما جعلت على مراحل، قد ال تأتي آخر مرحلة منها ونحن أحياء. إن هذا يمثل بحد ذاته
انفصاالً.
في المطاف األخير، هل أتى بكم االعتبار التاريخي لالشتراكية أم التاثير الحقيقي والواقعي في الحياة الواقعية للجماهير؟ إذا
أتيت بوصفك محتجاً اجتماعياً تنشد تغيير المجتمع، ستحس في تلك المعسكرات التقليدية فوراً، والتي سأسميها الحقاً، أن
شيوعيتهم غريبة عن شيوعيتك. إنها أقرب إلى إدامة ومواصلة دين، وثمة جذور دينية عميقة فيها. وهناك شيء آخر
يراود المرء تجاهه أال وهو أن تلك النزعة العالمية وتلك النزعة المطلبية الشاملة واألقصوية الشيوعية تتحول وُتخَت َزل في
تلك الشيوعيات القائمة إلى أمور صغيرة ويومية إلى حد كبير. على سبيل المثال، كيف يمكن أن تكون لديك منظمة شيوعية
يكون محور ومركز نشاطها هو الحكم الذاتي لمنطقة ما. إذ تتوقع من أن يصبح امرؤ ما عضو منظمة شيوعية هو تنظيم
الثورة االشتراكية. كيف يمكن لمنظمة شيوعية أن تكون فلسفة وجودها وأساس وجودها هو حكم ذاتي في منطقة ما؟ أو
االستقالل أساساً، أو االكتفاء الذاتي االقتصادي أو الخالص من سلسلة اإلمبريالية؟ كيف يمكن أن يكون للشيوعية هذا الحد
المتدني من األهداف؟ في الوقت الذي بينت، في وجودها األولي، هذا الحد الكبير من األهداف العريضة والعالمية والمحّولة؟حين تقرأ ماركس، تجده يتحدث: مع ظهور البروليتاريا، ظهرت الطبقة الوحيدة التي على امتداد التاريخ كانت مجبرة على
إعادة بناء العالم. إن الطبقة التي نشدت إعادة بناء العالم غدت ماركسية. لو كان ماركس مفكر الحكم الذاتي، أو لو كان
من االستقالل االقتصادي، أو معادياً لإلمبريالية، لما نال كل هذه العظمة. يطرحون اآلن اسم شخص، بوصفه أكبر ّظر
شخصية في األلفية، وذلك فقط ألنه أراد إيقاف العالم على قدميه. بعد ذلك، إنك شيوعي وتنظر: حسناً، إذا أنفقت كل عمري
في هذه المنظمة، أو إذا قضيت كل عمري في منظمة أقليت، راه كاركر، حزب توده أو في منظمة كومه له آنذاك، ويحالفها
النجاح، بعد ذلك، فأي تحول قد أقمته؟ منظمة ليست منهمكة بأن تعد أحداً بالشيوعية، إنها منظمة أمر محدد ومحدود في
مرحلة سياسية خاصة، وجعلته مجمل الفلسفة السياسية لحياتها.
ثمة تناقض آخر يرتب عليه قولك إن صيغتي وقراءتي للشيوعية هي ليست تلك الظاهرة التي نراها، تناقضاً ما بين
محدودية أمر االشتراكيات القائمة واقتصارها على أمر محدد مع تلك النظرة العالمية واألقصوية للشيوعية التي يجدها
المرء في كتاباتها، ويمكن أن تمضي لتجدها في كتابها. أشرت إلى ذلك في نقاشاتي مع “درب الحرية”. ال يستخرج الناس
أهدافهم وآمالهم وثوريتهم من الكتب، ولكنهم يمحصون بالكتاب آمالهم وأهدافهم. فإذا كنت تحررياً، فإن الكتاب لم يخلق
تحرريتك، ولكنك حين تقرأ كتاب ماركس، تقول إنه نطق بما يخالجني. وتصبح ماركسياً. ال يمكن أن تأتي بكالم قلبك من
ذلك الكتاب.
لقد أتيت لالحتجاج على الظلم وعلى االستغالل والفقر. فإذا مرت ست سنوات، وتفكر أنك لست في حركة تعمل لصالح
فعالً من أجل االكتفاء الذاتي وغير ذلك لصف الشيوعية، اجتثاث الفقر، فستدرك عدم قيمتها وتتخلى عنها، وإن أتى امرؤ
سيبقى وسيديمها سنوات وسنوات في منظمته. ولكن إذا أتى ذلك التيار من زاوية المسالة الطبقية، ومن زاوية الثورة
االجتماعية المحّولة، سيجد نفسه في تناقض مع الشيوعيات القائمة. إن هذه نقطة انطالق الشيوعية العمالية. إن المشاهدة
األولى التي تعد أساس انطالق الشيوعية العمالية هو أن الشيوعية القائمة، بالخطوط التي ذكرتها، يراها متناقضة مع مثلها
العليا وأولوياتها، ومع ذلك الشيء الذي أتت للميدان من أجله.
ألمضي صوب العملية التاريخية التي طرحت بها الموضوعة من ناحيتي، من ناحية الحزب وحركتنا وتوجهنا، نذكر
مراحلها، وبعدها نعود إلى مجمل الجوانب النظرية للموضوعة. ال ندحة لي من شرح حدود من تاريخ نشاطي بموازاة تلك
الموضوعة، بيد أن شخصاً ثالثاً ]يقدم الندوة[ ال يشعر بهذا اإلجبار. كانت موضوعة الطبقة في ]منظمة[ اتحاد المناضلين
الشيوعيين، والتي كنت عضواً فيها ومن مؤسسيها، أقوى كثيراً في وجودها، في دعايتنا وتحريضنا، مقارنة بما هو عليه
الحال اآلن. لقد كانت دعاية اتحاد المناضلين أكثر عمالية. إن مضى أحد لمطالعة أدبيات تلك المرحلة، في كل بحث لها،
كانت تطرح دوماً “استقاللية الطبقة العاملة في الثورة االيرانية”، االنهماك باألمر العمالي وتمثيل الطبقة العاملة في تلك
الثورة الجارية. وقد كان أحد أهدافه األساسية )اي االتحاد-م( هو الحديث عن أن هذا العمل يستلزم حزباً شيوعياً إيرانياً،
ينبغي تأسيس الحزب الشيوعي اإليراني.
بعد 30 خرداد، وتقريباً سنة إلى سنتين بعد ذلك، واصلنا نشاطنا بالمستوى الذي كنا عليه سابقاً، أي إصدار الجرائد في
طهران والمدن. ال أود أن أتحدث عن تفاصيل اتحاد المناضلين، ما أود قوله هو أننا تحدثنا في المؤتمر األول التحاد
المناضلين الشيوعيين الذي عقد بعد 30 خرداد في عام 82 في كردستان عن ما هي المشكلة وأين تكمن؟
الجميع الذ بالفرار )بعد الهجوم الدموي للجمهورية االسالمية في 30 خرداد بحق اليسار والشيوعيين-م(، بوسعكم رؤية
التراجع، كنا نناقش مسألة الحزب الشيوعي، بالضبط في أوضاع كانت تصورات ذلك التيار )تيار اتحاد المناضلين( تتحول
إلى شيء جماهيري، وكانت تجر اليسار حولها على األقل، فيما كانت الجمهورية االسالمية تجمع البساط من أمام اليسار
وتقول له: لُذ بالفرار! إن جرى 30 خرداد 1982 بعد ثالث سنوات، )إن تاخرت الضربة(، عندها كنا سنرى واقعاً تنظيمياً
حزبياً مختلفاً في إيران، يختلف اختالف السماء عن األرض مقارنة باآلن برأيي. كان اليسار في إيران يمضي نحو تأسيس
حزب.في خضم أوضاع نشطة سياسياً واقتصاديا إلى حد كبير، أوضاع ثورية، أوضاع مجتمع متأزم في إيران. ولكن حل ذلك الـ
30 خرداد، وقد كنا نرى نجاحاتنا النظرية والسياسية والتكتيكية، كنا نرى نجاحنا التنظيمي، وكنا نرى التراجع الهائل
وجلسنا نتحدث عن هذا في المؤتمر. اقرأ لكم أحد األطروحات التي كانت محور ذلك المؤتمر: بلغ المؤتمر نتيجة مفادها: ما
هي المشكلة وأين تكمن؟ لماذا؟ ما هي المشكلة وما هو مأخذنا على عملنا؟ ما هي الحلقة الالحقة للحركة. إن البحث الذي
تم اقراره كان الحديث عن أساليب العمل الشيوعية.
قلنا إننا كنا لحد اآلن مدافعين عن النظريات الشيوعية، إن الحركة التي ينبغي إرساؤها يجب أن تكون حركة للعمل
الشيوعي. ولكن ما هو العمل الشيوعي؟! إن العمل الشيوعي هو أمر مختلف عن تمثيل الشيوعية من الناحية السياسية في
ميدان ثورة، التعامل والموقف من أجنحة الحكومة والنظام وغيره. ما هو العمل الشيوعي؟ ينبغي أن تقول إن العمل
الشيوعي يعني أن تمضي لتبث الوعي في الطبقة العاملة، توحدها وتجلبها لساحة الصراع السياسي. إن العمل مع الطبقة
العاملة هو نقطة انطالق العمل الشيوعي. ولم يكن الموضوع األساسي ألي من هذه المنظمات اليسارية التي كانت نشطة
في ذلك الوضع، جراء الثورة وفي خضم الثورة، العمل مع الطبقة العاملة، الصلة بالطبقة العاملة ودفع الطبقة العاملة
للميدان.
إن هذا يعود لألجواء السياسية إلى حد ما، األجواء السياسية المتحولة من ناحية، وإلى تلك التنظيمات من ناحية أخرى. أود
أن أشير إلى أن األطروحات التي نسعى من خاللها لتتبع أثر موضوعة الشيوعية العمالية، والتي قيلت هناك كانت تخص
أسلوب العمل الشيوعي. إنه قرار المؤتمر األول التحاد المناضلين الشيوعيين. إنها تتحدث عن النظرية الشيوعية للتنظيم.
إذ يذكر:
“إن الرؤية الشعبوية فيما يخص التنظيمات، هي رؤية تنظيمية تتناسب مع الثورية القصيرة الرؤية للبرجوازية الصغيرة.
وإن التنظيمات واألساليب الشعبوية، في أفضل حاالتها، هي تنظيمات وأساليب تتناسب مع أهداف وسياسات البرجوازية
الصغيرة في سياق حركة ديمقراطية عامة. بالمقابل، النظرية الشيوعية للتنظيمات، )بدل التنظيمات، قل العمل المنظم(،
والنظرية التنظيمية مستمدة من األهداف والسياسات الثورية للبروليتاريا بوصفها طبقة معينة، وإن التنظيمات واألساليب
الشيوعية العملية، هي تنظيمات وأساليب ضرورية لتنظيم الثورة االجتماعية للبروليتاريا ضد الرأسمالية، وإرساء
ديكتاتورية البروليتاريا واالشتراكية”.
أي إن هذا هو عمل حزب شيوعي وتنظيم شيوعي. لقد انتهت الثورة، وكنت في ثورة مهزومة، وعدت. إن أناساً الحقت
بهم هزيمة في ثورة يمضون لحال سبيلهم، ولكنك انتبهت إلى أن علة عدم قدرتك، فيما يخص الثورة، هو أنك لم تكن
منظمة سياسية منظمة لطبقة خاصة من أجل ثورة خاصة. وبرأيي، يتعلق الموضوع ويتركز حول أي أساس ننوي صياغة
مالمح الحزب وصورته، من المقرر على أي خطوط نؤسس الحزب؟!
في تلك المرحلة، غدا أمراً معلوماً أننا نريد تأسيس حزب، مرحلة أعلنت فيها منظمة )كومه له( أن اتحاد المناضلين
الشيوعيين يتحدثون جدياً، وعقدت لقاءات وتم كتابة برنامج مشترك، وغدا من المقرر تأسيس حزب. لكن واجهني سؤال:
ماذا يعمل الحزب الذي نؤسسه؟ يمضي مرة أخرى اتحاد المناضلين الشيوعيين ليهجم على الجناحين )جناحي الجمهورية
االسالمية-م( وتمضي كومه له إلى الجبال لتقوم بنضالها المسلح ضد الحكومة. أيكون، بعد هذا، حزب شيوعي في إيران؟
كان ردنا في ذلك الحين هو: كال! ال يمكن أن يكون هذا حزباً شيوعياً إليران. وفي مسعانا إليجاد رد على كيف يكون عليه
الحزب، وبعد نقاشات كثيرة، أصر أناس على أنه ينبغي تأسيس الحزب الشيوعي اإليراني وذلك ألنه إذا تأسس سيخلق
روحية عالية باألخص بين صفوفنا، وستجابه القمع وتتصدى له، وبالتالي، ستكبح موجة التائبين )االقرار بالتوبة-م( التي
عمت كل مكان والتي كانت تجري تحت ضغط التعذيب واإلعدامات.
كان يرغب البعض بتأسيس الحزب بصورة أسرع. كان نقاشنا هو التالي: ها نحن أسسنا الحزب، وماذا بعدها؟ ينبغي أن
نوضح هذا. مضى الحزب نوعاً ما صوب موضوعة أن على الحزب أن يكون حزب قسم مؤثر من العمال. لقد كانت هذهموضوعتي. لقد كان ال ندحة لنا من العودة للوراء، لقد أردنا تاسيس الحزب أسرع لكي يكون حزب قسم من العمال، وهو
األمر الذي طرحناه، بالمطاف األخير، مثل وعد أمام تاسيس الحزب هو أن نعد تأسيس حزب من أناس يعرفون كيف ولماذا
ينبغي المضي والعمل داخل الطبقة العاملة وتنظيم الثورة االجتماعية. إن موضوعة “بأي شيء يرتهن تأسيس الحزب
الشيوعي اإليراني” )عنوان مقال لمنصور حكمت في وقتها-م( وموضوعة الكوادر، إذا تتذكرون، كانت حول أننا ننشد أن
يكون لنا عدة كوادر شيوعيين. إن حركة ليست شيوعية، ال تكون أولوياتها شيوعية أيضاً، انهماكاتها ليست شيوعية. نأتي
على األقل لنؤسس الحزب الشيوعي اإليراني على كاهل عدة كوادر شيوعيين، يكون هذا أساس حياتهم. يمضون لتنظيم
العامل صوب ثورته االجتماعية.
ليس موضوعي اننا استطعنا القيام بذلك العمل أم ال. أود أن أقول: من الناحية التاريخية، يعود بدء موضوعة الشيوعية
العمالية إلى انتهاء مرحلة الثورة في إيران، حين طرح عملياً بحث تنظيم ثورة أخرى، ولكن أي ثورة، إنه بحث ثورة
الطبقة العاملة وتنظيم الطبقة نفسها. إن اتحاد المناضلين كانت منظمة تؤمن بعمق باستقالل الطبقة العاملة وبالسياسة
العمالية وبالعمل داخل الطبقة العامة، حتى قبل ذلك أيضاً.
في المطاف األخير، إن األمر الذي يمايز موضوعة الشيوعية العمالية عن تلك الموضوعة هي أن نقطة انطالقها قد تغيرت
في بحث الشيوعية العمالية. في الوقت الذي ولج اتحاد المناضلين الشيوعيين من زاوية صحة الماركسية وسعى إلى إرساء
حركة ماركسية مبدئية وأصيلة في إيران، ذهبت موضوعة الشيوعية العمالية خطوة قبلها وتحدثت عن: لنسأل، لماذا لم
ُت ماركسية أصيلة أساساً؟ لنسأل لماذا إن الحركات القائمة لحد اآلن ليست ماركسية أساساً؟ هل يعود ذلك لمشكالت َ رس
تتعلق بالجانب المعرفي؟
إن النقاش حول أنها حركات طبقات أخرى هو نقاش كان مثاراً دوماً وليس بجديد في اتحاد المناضلين. لقد اعتبرنا
الشعبوية حركة البرجوازية الصغيرة، ولكننا كنا نعتقد أن الشعبوية البرجوازية الصغيرة هي فكرة سائدة على الحركة
الشيوعية في إيران. إن األمر الذي أثار موضوعة الشيوعية العمالية هو أن األمر ليس كذلك. إنها حركة البرجوازية
الصغيرة نفسها، وإن وقفت أنت هناك، فإنك حركة برجوازية صغيرة كذلك. إن نقاش القول والعمل هذا يقول بالضبط ذلك
للجميع. إذا كنا نقوم بهذه األعمال، فإننا برجوازيون صغار. ليس األمر أننا شيوعيون لكن منهمكون اآلن بصورة مؤقتة
بعمل آخر! إنها حركة البرجوازية الصغيرة التي إذا لم تكن مادة وموضوع عملها الطبقة العاملة، فليست موضوع عملها
الثورة البروليتارية واالشتراكية، وليست دعايتها وتحريضها المستمر دف ُع تلك الطبقة للميدان.
على أية حال، انطلق البحث من هناك، االلتفات للثورة العمالية. تأسس الحزب الشيوعي اإليراني، وإن حدثاً مهماً قد جرى،
تأسس الحزب الشيوعي اإليراني، وبعد ثالثة أو أربعة أيام من تأسيسه، سيطر النظام على كردستان برمتها. ولهذا، تم
إخراجنا من أرض كردستان )إيران(، ومضينا إلى األراضي العراقية. وقد كان أمراً واضحاً أنه بعد عدة أيام من تأسيس
الحزب الشيوعي اإليراني، واجهت أكبر منظمة يسارية في حينه، أحد األعمدة األساسية في تأسيس الحزب، ظاهرة جعلت
تأسيس الحزب امراً ممكناً، أي كومله، ووجدت نفسها أمام منعطف أساسي. واجهت منظمة كومه له ،
ً
حقيقة أال وهي أنها
تواجه، وألول مرة، وضعاً هو ليس ثمة حركة مقاومة )حركة مقاومة مسلحة في كردستان-م( ، ليس هذا وحسب، بل بلغ
العدو الحدود )العراقية-االيرانية-م(، وتتحول كومه له إلى منظمة منفية. لم تتب َق مناطق محررة.
وبوسعك أن ترى بصورة عينية كيف أن هذه المنظمة، هذه القيادة وذلك الحزب الذي تأسس هناك، تبين وببساطة أنه أداة
جانبية لذلك الواقع السياسي في مسألته األساسية تلك. كان من البساطة بمكان أن ينحل الحزب الشيوعي اإليراني هناك
برأيي. أناس معدودون كانوا مبعث استمرار ذلك الحزب. كانت قيادة كومه له على وشك اتخاذ قرار أن تمضي للجبل وتأخذ
كل األكراد معها، أي تاخذ أي أحد كردي معها. وكان من المقرر أن يمضي الناطقون بالفارسية إلدامة حزبهم في الخارج.
أثيرت نقاشات وجداالت كثيرة، تم لجم هذا المسار، ولكن غدونا على أرض العراق.بعدها، إن أول مكان تم فيه طرح موضوعة الشيوعية العمالية بصورة محبوكة هو نقاشات المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي
اإليراني، والمنشورة جميعاً في جريدة كومنيست )الشيوعي-م(. طرحت الموضوع هناك في جميع أبعاده وهو: أية
لم نجاح الحزب الشيوعي اإليراني؟ إن نكن موجودين ولدينا تنظيم، وأكبر
شواخص اجتماعية موضوعية هي شاخص ومعَ
من الباقين، ليس كافياً قط. المجتمع َم ْن يحكم على الحزب. هل يقول المجتمع عن الحزب بأنه حزب عمالي؟ هل يقول عنه
أنه حزب متدخل؟ هل يقول عنه أنه حزب مقتدر؟ إن كان ال يقول ذلك، عندها لن يكون مهماً ماذا نقول أو كيف نرى أنفسنا.
ومتدخالً وعمالياً. ولهذا، إن فلسفة وجود الحزب الشيوعي اإليراني هو أن يمضي ليشرع في إن هذا الحزب ليس مقتدراً
أن يكون الحزب الذي تحدث عن أنه ما ينبغي أن يكون عليه.
ومن هناك ترى في أدبيات الحزب الشيوعي اإليراني نوعاً مختلفاً من األدبيات تركز على الطبقة العاملة. أبحاث من مثل
المحرض الشيوعي، القادة العمليين موجودة في جريدة كومونيست. بوسعكم أن تطلعوا عليها دون شك. وكيف كانت تسعى
لتعريف الحزب بالطبقة العاملة. إذ تحدث عن الطبقة العاملة ليس بوصفها أفراداً مذرورين )من كلمة ذرة-م(، ليست أناساً
عدة، ليست جمعاً محروماً، عليك أن تجّر أفرادها فرداً فرداً. إنها ظاهرة اجتماعية موضوعية فعالً. يوجد في داخلها
ميتابوليزم وأيض، تقاوم الرأسمال.
وألول مرة، بموازاة الحزب الشيوعي اإليراني، طرحت هناك فكرة حركة العمال الراديكاليين االشتراكيين. في مناقشات
المؤتمر الثاني نفسها، إذا تقرأ المقابلة التي جرت حوله، تقول إن هناك تاريخين: تاريخ االشتراكية بالشكل الذي تمثله
أحزابها وجماعاتها السياسية، وتاريخ العمال بالشكل الذي عبر عنه في إضرابات العمال والحركات العمالية في مرحلة
الثورة االيرانية عام 78-1979 .إن هذين التاريخين متباعدان عن بعض. ليس لدينا قطيعة واحدة، قطيعة الشيوعية عن
نظرية ماركس، بل قطيعتان: االنفصال عن ماركس، واالنفصال عن العامل، وإن كليهما مرتبطان ببعض.
وإذا تتذكرون تلك الجملتين اللتين تحدثت عنهما في أول الندوة: علم تحرر الطبقة العاملة وعلم تحرر الكل. والعامل الذي ال
يتحلى بعلم تحرر الكل هو ليس ماركسياً. الماركسية هي ذلك العنصر في حركة الطبقة الذي يعلن ويثبت إذا تحرر العامل،
يحرر الجميع معه. إن انفصال حركات اليسار عن الماركسية ممثل الخروج عن تلك األطروحة الثانية برأيي. وإن انفصالها
عن الطبقة هو شاخص تخليها عن األطروحة االولى. االشتراكية هي ليست ذلك الشيء الذي تتحدث عنه. إنها حركة طبقة
خاصة بوسعها أن تكون اشتراكية، وإذا كانت اشتراكية، ستنتصر أنت.
على أية حال، إن شروع مناقشات الشيوعية العمالية، مع مناقشات المؤتمر الثاني، هو نوع من إعالن بطريقة ما عدم رضا
قسم من أفراد هذا الحزب، ومن ضمنهم أنا، وأنا قبل أي شخص آخر، عن إلى أين نحن ماضون، وإن تأسيس الحزب ليس
بكا ٍف، لقد أسسنا الحزب كي نقوم بشيء ما. إننا لم نؤسس الحزب لنقول: لقد أسسنا الحزب اآلن، وأحدنا يمضي إلى
بريطانيا واآلخر إلى بوكان، وهنا نديره، يومياً بالنشاطات ذاتها التي يقوم بها. من المقرر أن يكون )الحزب( مصدر
تحوالت مختلفة، ونرسي شيوعية مختلفة. ونشرع من هناك، وإن كال االنفصالين هما حركتان وانفصال عن النظرية قد
طرحا مع بعض وبموازاة بعض. توصيتي هي أن من الضروري أن تلقوا نظرة عليها. عندها شرعنا بأمر كيف نعمل داخل
الطبقة. ثمة خمس أو ست مقاالت أساسية في جريدة كومونيست، في حينها، رحب بها كثيراً العمال الطليعيون والناشطون
والقادة العمليون للحركة العمالية. بحث المحرض الشيوعي وبحث السياسة التنظيمية بين العمال الذين هما موضوعان
مختلفان، أحدهما تم استخالص نتائجه وتقييمه بعد سنوات.
لقد كانا بحث العضوية العمالية وبحث التنظيم الحلقي والحلقات العمالية أوجه طرح موضوعة الشيوعية العمالية لشيوعية
ال تعرف الطبقة، تسعى لمعرفتها. تقول عزيزي إن تصورك لهذه الطبقة خاطيء. تصور كليشي ونمطي عنها، تصور
الفدائي عن الطبقة، تصور حضري ي
مصل عن الطبقة، تصورك عن الطبقة هو أن يأتي من خلفك وحين تضغط على ّ
الفرامل في الخط األحمر، يأتي لتنظيف الزجاجة األمامية لسيارتك. ليس األمر كذلك. إن للطبقة العاملة تقليداً احتجاجياً،
تضرب، تقيم حلقات، يعقدون اتفاقات في ما بينهم، يناقشون.إن هناك شيئاً مهماً يذكره أنجلس في إحدى نقاطه: أينما تج ّمعوا، ُيباع البيان الشيوعي هناك. يقول أنجلس، بسرور أقول
إني اكتشفت صلة مباشرة بين الطلب على البيان الشيوعي وتنامي الطبقة العاملة الصناعية. أفهم أن الطلب على الثالجة
والتلفاز يتصاعد حين يتزايد العمال الصناعيون، يستلمون مرتبات ويعيشون في مدن. ولكن الطلب على البيان الشيوعي!
ويقول: لماذا يترجم الى لغات مختلفة؟ ويذكر: حيثما ُيشيد معمل، ينمو العامل الصناعي لتلك المدينة وذلك البلد، نشهد
تنامي بيع البيان وتعاظم توزيع البيان الشيوعي. لم يم ِض أي شيوعي من أصدقاء أنجلس هناك، ولكن البيان الشيوعي
مضى. لماذا؟ ذلك ألن الشيوعية داخل الطبقة العاملة هي واقع قائم بمعزل عن الجماعات السياسية، مثلما أشار إلى ذلك
أحد رفاقنا.
سعينا في تلك السلسلة من أبحاث الشيوعية العمالية أن نعّرف ذلك الحزب بهذه الطبقة وهذه الشيوعية وآليات الطبقة
الداخلية. وأرجو من الشخص الذي يريد متابعة تلك المواضيع أن يمضي لقراءة تلك السلسلة من المقاالت. على سبيل
المثال، نبحث أي نمط من الشخصية النموذجية لمنظمة سياسية ألناس حضريين من حملة الشهادات، ال عمل له، ال يتكفل
بمعيشة أحد، ليس مجبراً على الذهاب للعمل صباحاً والعودة مساءاً، لديه يوم بأكمله، حتى إذا مات، ليس من المقرر أن
يبكي عليه أحد سوى والديه. بوسعه أن يفدي ويضحي بحياته بصورة ال طائل منها، بوسعه أن يضحي بوقته، بوسعه أن ال
يعمل، بوسعه القيام بأعمال تبعث على الحيرة. إن هذه صورة شخص بوسعه أن يكون عضو تنظيم فدائي. بالنسبة لعامل
صناعي، عليه أن يذهب صباحاً للعمل، وبعدها يقوم بنشاط علني، ويتقدم اآلخرين ويلقي خطاباً، ويتحدث بطريقة بحيث ال
أيضاً أن يستلم راتبه، يدير حلقته أيضاً. إن هذا ال يتناسب مع نزعة البيشمركايتي )النزعة المسلحة ُيعتقل، وبعدها يستطيع
في كردستان والجبال-م(. ال يمكن أن تلجأ للجبل )وقصده كمسلح-م( وأن تقوم بهذا العمل كذلك.
في المطاف األخير، أنت تريد عامالً كفرد أم كطبقة عاملة؟ إذا تريده كفرد، فإن الفرد العامل ال يختلف عن الفرد
البرجوازي. هناك فرق واحد هو: ليس للعامل طاقة ومزاج هذه األعمال التي تقوم بها، إنه ليس نواة مناسبة. العامل
المتشذر والمتفرق في منظمة يسارية ال يتحمل ذلك ويخرج. ولكن إتي بامرئ من حملة الشهادات، فسيراعي ولألبد النظام،
في كل اجتماع، ال يشتم، ال يتفوه بكلمات بذيئة، يأتي مؤدباً ويذهب مؤدباً. إن النمط األنموذج الذي يأتي لمنظمة يسارية في
ذلك الوقت هو طالب، طالب جامعي بوسعه أن يفدي نفسه في سبيل هذه الطبقة ويلعب هذا الدور الرسالي الشتراكية من
المقرر أن تتحقق بعد 500 عام! ضحوا بأنفسهم من أجل ذلك. كانوا أناساً شرفاء، ولكنهم، ضمنياً، كان لديهم وقت لذلك.
لم تكن على عاتقهم مسؤولية أيضاً، لم يتعرضوا إلى مشكالت اجتماعية خاصة في تلك األيام، كان بوسعهم أن ال يعودوا
للبيت مساءاً، ويواصلوا اجتماعهم. بوسع أحدهم أن يمضي للجبل ليقوم بنضال مسلح ويعود للمدينة، إن كان يستطيع
العودة للمدينة. وفق هذا المعنى، ال تصلح تلك المنظمات للعامل وال تناسبه.
ما أود قوله إن تلك السلسلة من المقاالت التي سعت إلى تعريف حزب سياسي بالعامل والميتابوليزم )االيض-م( داخل
الطبقة العاملة، وقد كانت المقاالت، مليئة بمثل هذه النقاط. إنها مرحلة كان يحدونا أمل أنه يمكن تغيير الحزب، االستفادة
من قواه وتحويله غلى حزب شيوعي عمالي. لقد كانت نقطتنا في حينه أن مجمل هذه الظاهرة تقبل كالمنا، وأن مجمل
إمكانات هذه الظاهرة بأيدي هذا الخط وفي متناوله، لنستفيد منها، ماذا بوسعنا أن نعمل إن كان هناك كثيرون ال تهمهم وال
يحتاجون هذه النقاشات واألبحاث، ويقومون باألعمال التي في ذهنهم في المطاف األخير. لنقم بعملنا إلى اليوم الذي ال
يزالون يسمحون فيه بالدفع بهذه المواضيع وإرساء تنظيمات المدن وغيرها تحت إطار الحزب الشيوعي االيراني، فلنقم
بهذا العمل.
أثبت الواقع أنه ال يمكن هذا، وذلك ألن هذا الموضوع ال يتعلق بأمر معرفي، بل كان وجود تيارات مختلفة ترتبط مع بعض
في حزب سياسي، وقد قامت بتأسيس الحزب. وحين حلت أول أزمة مهمة على الصعيد العالمي، انفصلت هذه الخطوط عن
بعض، والحقت بتلك الخطوط الهزيمة كذلك على صعيد الحزب الشيوعي اإليراني. سأبلغ هذا اآلن. على أية حال جرى جدال
داخل الحزب الشيوعي اإليراني، ولفترة طويلة، دورة كتبت فيها مقاالت عمالية، مرحلة أملنا وتفاؤلنا بوصفنا خطاً داخل
ذلك الحزب. مرحلة اعتقدنا بوجوب قول الحقائق، وإذا قمنا بالدعاية، وإذا وضحنا، سنجمع قوى حولنا بصورة كافية، لكنظهر عملياً أن هذه القوة كانت تياراً معيناً، ففيما كان يعد جمع هذا األمر قضيته، ال يعد جمع آخر هذه القضية قضيته، وال
يحكم على مكانته وتقدمه وتراجعه استناداً إلى هذه األمور.
إن االجتماع الموسع 13 للجنة المركزية )الحزب الشيوعي اإليراني( مهم من زاويا ما، وذلك ألنه كان أول بداية للمسألة.
في ذلك الوقت، كانت مسؤولية إدارة التنظيمات على عاتقي، سلمتها وقلت ال يمكن هذا. ثمة خطوط مختلفة موجودة،
أشرت إليها في مراحل بوصفها تيارات رادعة ومعيقة، كيف ينبغي مجابهتها، لدينا ما نقوله حول النزعة القومية الكردية،
المحفلية والحلقية ومجمل هذه. ولكن تبين هناك أنك بمجابهة قطب، باألخص في كردستان، ذي صلة بعدها ببقايا اليسار
الذي أتى من خارج كردستان، وإن هذا الموضوع الجديد هو ليس أمرهم االجتماعي، ويقاوم، أو يرجمه أو يصارعه
بصورة سلبية. ماذا كان هذان الخطان؟ أحدهما برأيي كان النزعة القومية الكردية، أناس من منظمة كومه له كانوا ينشدون
منظمة تمثل نسخة أكثر راديكالية وثورية من االتحاد الوطني أو الحزب الديمقراطي )حزبان قوميان كرديان في العراق
برئاسة جالل الطالباني ومسعود البارزاني -م(. أناس كانوا ينشدون أن تكون كومه له منظمة شيوعيي كردستان، بالرواية
الشيوعية ذاتها التي كانت عليها الشيوعية، أن تكون منظمة الديمقراطيين الثوريين لكردستان التي من المقرر أن يطلق
عليهم جمع في العالم اسم شيوعيين. إنه جمع أراد ذلك فعالً واآلن يريدونه كذلك. حين تركنا تلك المنظمة، أصبح بعضهم
كذلك. الزالت لحد اآلن ثمة مقاومة داخلهم، ولكن قسماً مهماً أصبح كذلك.
إن قسماً منهم هو اليسار ذاته برأيي الذي أسس الحزب، وإن ما كان ينشده ذلك اليسار هو تأسيس منظمة كبيرة وذات
اعتبار ومكانة. كان الحزب الشيوعي اإليراني منظمة كبيرة جداً، ذات مكانة كبيرة. جمع من 23 عضو لجنة مركزية، بهذا
الحجم من المسؤوليات، من العمل، من اإلمكانات المالية، وغدت هذه قصة الحياة السياسية لجزء منهم. يمكن أن يقوموا
بهذا العمل لعشرين عاماً أخرى أيضاً. ال يمكن هذا برأيي. لقد بينت التجربة ذلك بسرعة بالغة. حين رفعنا في االجتماع
الموسع 13 للحزب الراية البيضاء، وقلت لقيادة الحزب لألسف ال ينفع هذا، ليس بوسعي أن أعمل، أذهب ألفتح أبواب
خطي، يمكن أن نقوم بنقاش علني، بجدل سياسي، بدالً من أن نتحدث بصورة مشتركة وكلنا سوية، ليتبين ما هو خط كل
شخص.
إذا تنظر إلى المؤتمر الثالث )للحزب الشيوعي اإليراني( والذي جرى بعد االجتماع الموسع 13 ،ومواضيعه منشورة في
مجلة بسوي سوسياليزم )صوب االشتراكية-م(، سترى أن الخطوط العامة لتلك السجاالت موجودة هناك. إن موضوعة
االنهماك واالقتصار على االنهماك بالمنظمة وموضوعة الشيوعية قد ترافق وتزامن مع حدث االتحاد السوفيتي ومجيء
غورباتشوف، وإذا قرأتم باألخص كالمي توضيحاً لتلك األطروحات األولية التي قدمناها بصورة مدونة في المؤتمر،
ستجدون أنه يقول إن هذه المنظمة ال تبقى بأيديكم، ألن الدنيا في تغّير، إذ تنهار تلك الشيوعية، أما أن تؤسس حزباً سياسياً
على هذا الخط والتوجه الطبقي الجديد أو ينهار هذا الذي بيدك.
ومن هناك بدأت بقية أبحاث الشيوعية العمالية وندواتها وتصوراتها بوصفها تياراً مختلفاً في الحزب. بوسعك، في المؤتمر
فعالً رؤية الثالث، رؤية انتصار طعنة تيار ما لماركس، طعنة للماركسية ونوع من انتصار الحركة القومية الكردية. بوسعك
هزيمة اؤلئك الذين أتوا مع الماركسية في ثورة 78-1979 في روحية المؤتمر، في انتخاباته، في األجواء السائدة على
المؤتمر الثالث برأيي. تحت مسميات هزيمة أهل القلم، هزيمة أهل الهذر وانتصار أهل العمل! “عمل” برجوازي صغير، من
فعالً وكذلك هيجان انتصار الداخل على المؤكد أن أناساً أهل العمل هم برجوازيون صغار برأيي، وذلك ألنه كان األمر كذلك .
الخارج. لقد كانت هذه األشياء التي تم االحتفال بها في المؤتمر الثالث. ومن المؤتمر الثالث برأيي، غدا الصراع الداخلي
علنياً بصورة عملية في ذلك الحزب، بعدها ُن ِظ َم ْت ندوات وكونفرانسات الشيوعية العمالية، تأسس شيء باسم فراكسيون
)كتلة-م(، باسم فراكسيون الشيوعية العمالية، هو ماجرى بعد ذلك في تلك المرحلة. ويعرف أغلبكم الجداالت التي طرحت
ق ِط َب
وجّرت التنظيمات إلى أماكن أخرى. لقد سَت ْ
ُأ
ُأ الجدل. قبل أن نوجه النداء ألحد بترك الحزب، بدأ عملياً التحريض ضدنا
قبل أشهر. في كردستان باألخص، إنهم أقروا أنهم يريدون ترك الحزب، بعدها تم االنفصال. لقد ألحقت بهم الهزيمة في تلكدي َم المرحلة، اشتد الصراع في االجتماع الموسع 16 ،جرى صدام ولكن
ُأ الجدل والصراع بصورة أكثر علنية وحّدة إلى أن ُأ
انهار االتحاد السوفيتي وأصبحت الماركسية ال تستحق شروى نقير في نظر الكثيرين برأيي.
وبالضبط، حين هوجم العراق )حرب أمريكا على العراق 1991-م( وتبين أنه ربما تتأسس حكومة كردية في كردستان.
ربما يرفض أحد ما هذا التفسير ويقول إنك ترى األمر هكذا، ولكن كان األمر على هذا الشاكلة برأيي. بالضبط حين لم يمكن
لك أن تتطلع من القومية الكردية داخل التنظيمات االتفاق والتعايش والتوجه المشترك وما يطلق عليه فسح المجال أمام هذا
الجدل، استقطب الجدل، وبلغ االنفصال. لم يفهم قسم كبير برأيي من الخط الذي كان بوسعه أن يكون مع هذا التيار ما حدث.
برأيي، كانت هناك أطروحة هائلة داخل ذلك الحزب تتحدث عن طبيعة هذا الجدل، لم يفهموا أن تلك المرحلة قد ولت، لقد
انقضت المرحلة التي بوسع المرء أن يكون داخل الحزب وهو في مرحلة الحركة المناهضة للشعبوية. بيد أن األحزاب
الشيوعية القائمة في العالم تنحل اآلن. وإذا أردت المضي الستقبال هذه المرحلة، فبوسعك فقط أن تستقبل هذه المرحلة
بحزب نظم نفسه للشيوعية. وإن تصوره للشيوعية هو شيوعية عمالية، ليست شيوعية تشكلت تاريخياً بهذا الشكل.
لقد حدث هذا. برأيي، لحسن الحظ حدث هذا االنفصال في وقته، وذلك ألنه ورغم القوى الكبيرة التي ذهبت هدراً،
واإلمكانات الكثيرة التي ذهبت هدراً، ورغم أن أيادينا غدت ال تطال الكثير من األعمال، ومن بين ذلك ال تطال األسلحة وال
اإلذاعة، لمرحلة، وهما عامالن مهمان في أي نضال سياسي، إذاعة بوسعها أن تقوم بالدعاية والتحريض وأسلحة بوسعها
أن تطلق النار، ولكن منحت لنا الفرصة في مرحلة تحدثت لكم عنها حيث شن هجومهم، بقى هذا الحزب مفعماً بالحيوية في
الميدان بدون أي اثر لهذا الشق، بدون أدنى إبهام وتشوش. بقي حزباً شيوعياً عمالياً قاوم في مرحلة نهاية الشيوعية
واآلن بلغنا هذه المرحلة، ويمكن الحكم عليه وتقييمه بصورة موضوعية. برأيي ان انتهاء االتحاد السوفيتي ووجود هذا
الحزب في إيران كان فرصة صغناها في تلك المرحلة، وإن لدينا هذا الحزب كي نتمكن من أن نواصل حركتنا على تلك
األصعدة والمستويات.
لقد ذكرت هذا من الناحية التاريخية لكي أقول إنها )الشيوعية العمالية-م( حصيلة هذه العملية والصيرورة. أما ما هو
السبب وراء أن هذه الشيوعية العمالية، مثلما سأل رفيق، قد تشكلت في إيران وغير ذلك، فبرأيي، إذا عدنا خطوة قبلها،
فإن الثورة اإليرانية هي أول تحول سياسي أساسي في إيران قد حدثت في مجتمع رأسمالي. لقد جرت الثورات السابقة في
المجتمع أساساً في مجتمع إقطاعي وفالحي. من الواضح أن هناك قسم حضري، نهضة تأميم صناعة النفط هي زاوية تتعلق
بالمدينة والعامل ظاهرة حديثة الظهور في الميدان السياسي. الثورة المشروطية على غرار ذلك أيضا.
من الواضح أن ثمة أحزاب يسارية وشيوعية كذلك، ولكن العامل بوصفه طبقة لم يكن قوة مهمة جداً في ميدان ذلك
االحتجاج. لقد كانت القوة المهمة هي المثقفين الحضريين وحملة الشهادات. إن ثورة 78-1979 هي أول مرة يمثل العامل
فيها قوة كبيرة جداً من ناحية القوة اإلنسانية لذلك المجتمع، وقد حدثت في مجتمع رأسمالي لم تكن فيه القرية شيئاً مهماً،
لم تكن فيه القرية مهمة وال اإلنتاج ما قبل الرأسمالي مهماً وال ما قبل الرأسمالية مهمة. الرأسمالية مهمة. ذلك المجتمع
مجتمع رأسمالي. أزمته من نمط أزمة رأسمالية، ويحل العامل في الميدان ليقيم مجالسه، يقوم باحتجاجه المستقل. لم يأ ِت
عمال ثورة 78-1979 إلى الميدان بهيئة راية شيوعية مستقلة، بيد أن وجودهم برأيي، وجود حركة عمالية شيوعية
بالغريزة، وبعدها حتى شيوعية بصورة صريحة، سمح أن يكون للشيوعيين في إيران في تلك المرحلة يد طولى.
إن كانت المرحلة مرحلة حملة الشهادات القوميين، أللحق ذلك الخط الهزيمة بنا عندها. ناهيك عن أن أناساً كانوا مع خطنا
في ذلك المجتمع عجزوا في مراحل سابقة عن جمع 5 أشخاص من حولهم. ناهيك عن أنهم لم يتمكنوا من ذلك في بلدان
أخرى. ولكن في تلك المرحلة، إذا تبين أن كالمكم أكثر ماركسية وأكثر طبقية، ستنمون. لماذا؟ إذا تبين في عام 78-1979
أن ما تقوله وتصورك هو أكثر طبقية من األساس، يخدم استقاللية الطبقة أكثر وأكثر ماركسية وال يماثل الكالم الماركسي
السابق، ستنمون. لماذا؟ وذلك ألنه أينما ينمو العامل الصناعي، يباع البيان الشيوعي هناك. وكنا ممثلي البيان الشيوعي
كذلك في تلك المرحلة وفي بلد يمكن التحدث بكالم شيوعي في رحم ثورة، وتنامينا.برأيي، بمعنى أن بإمكان الشيوعية العمالية حتى إذا كنا حزباً ينشد االقتدار، وإن هذه الموضوعة قد انتصرت وتقدمت،
فإنها حصيلة تطور الطبقة العاملة في إيران بعد اإلصالحات الزراعية وظهور طبقة عاملة صناعية عظيمة وحضرية كبيرة
لم تسمح في ثورة 78-1979 الؤلئك الذين حددوا ورسموا حركة )تأميم( صناعة النفط أو اؤلئك الذين رسموا مالمح
الثورة المشروطية، أن يحددوا مالمحها من الناحية العقائدية كذلك. من الناحية العقائدية، كان العامل الطليعي اإليراني
ماركسياً بصورة عميقة. إذا رآك تتحدث عن ماركس في الشارع، سيدعوك للحديث بكالمك هذا في مصنعه، يقول لك: تعال
هنا، وقل هذا في مصنعنا. ال عل َّي مع أي خط هو. دعا العامل الشيوعية للميدان، وإن تلك التيارات التي كانت شيوعيتها
أكثر عمالية، أقرب من حيث االستقاللية الطبقية، شعاراتها أكثر بروليتارية، أساليبها مستقلة أكثر عن البرجوازية، تتصدى
لمجمل السلطة الحاكمة ولمجمل أجنحة الحكومة، لها حظوظ أكبر في أن تحقق موضوعاتها اليد الطولى، ومن بين هذه
الموضوعات، أدت إلى موضوعة الشيوعية العمالية الحقاً.
على أية حال، وددت أن أتحدث لكم عن الخلفية الفنية لهذا البحث، يمكن الحديث كثيراً عن هذا األمر. إذا أردنا، بوسعنا أن
نناقش هذه المسألة أكثر.
مكانة الممارسة وحركة الطبقة في الشيوعية العمالية و”التحريفية”
من الناحية الفكرية، كان أحد الجذور األساسية لموضوعة الشيوعية العمالية، إحدى المسائل التي كانت نافذة وكوة
لموضوعة الشيوعية العمالية، هو نقاش تقييمنا للتحريفية. إذا تتذكرون، بحدود المؤتمر الثاني )الحزب الشيوعي اإليراني(
كان هناك نقاش حول وجوب ترميم البرنامج، وينبغي علينا كتابة برنامج آخر، إذ أن هذا ال يصلح. في برنامج الحزب، ثمة
بند مهم، وهو بند التحريفية، كان حساساً جداً. ما هي التحريفية؟ إن ما كان بارزاً ببحثنا على وجه الخصوص هو أن
الحركة اليسارية كانت تنظر إلى التحريفية بوصفها ردة عن النظريات، ردة عن مدرسة. التحريفية تعني أن حرفاً أو
تعديالً
ما قد ج َري
ُأ على شيء ما. التحريفي هو امرؤ أعاد النظر في كالم ما وبأحكام ما ذات حقانية بصورة واضحة، وذات حقانية ُأ
يعني مقدسة بمعنى ما. نطلق على هذا تحريفية.
لقد أجبرنا على تصنيفها: روسية، صينية، خروشوفية وتحريفية شعبوية. نطلق صفة تحريفي على أي شخص يقول كالماً
غير سليم. وقمنا بإدانة التحريفية! بوصفها ارتداداً عن العقيدة! وإذا تمعنتم، ستجدون أن كلمة مرتد نفسها قد استخدمت
بكثرة في الحركة الشيوعية. فالن مرتد! ماذا يعني مرتد؟ أهو دين؟ كان يطلق على االرتداد عن العقيدة تحريفية. إن أول
مرة انتبهنا إلى أن شيوعيتنا ذات اختالف مع هذا البحث، كان في تفسيرنا وتصورنا عن التحريفية. إذا كان االمر ارتداداً
عن العقيدة، فالسؤال المطروح: لماذا ظهر هناك ارتداد عن تلك العقيدة؟ أية مصلحة، أية مصلحة واقعية تقف خلف ذلك
االرتداد عن العقيدة؟ كان فرقنا في تفسيرنا وتصويرنا هو أننا عبرنا مقولة التحريفية وبلغنا مقولة الشيوعية البرجوازية.
وقلنا إن علة إعادة النظر في النظرية هو أن هناك مصلحة اجتماعية ما تستلزم ذلك. إذا كان من المقرر أن تضع، على
سبيل الفرض، ديكتاتورية البروليتاريا جانباً، فذلك ألن تلك النظرية ال تفيدك، وأن وجودها يكبل أياديك. يجب أن تكون هناك
حركة، ظاهرة في المجتمع ال تحتاج إلى تلك األطروحة والحكم أو تحتاج إلى إجراء تغيير عليها. وإال ما الضرورة أن يقوم
امرؤ ما بوضح النهار بتغيير األمر الفالني في الماركسية؟ إن بلوغ أمر إعادة الشيوعيين النظر بتلك األحكام الماركسية هو
أنهم بحاجة إلعادة النظر تلك. ولهذا، نظراً لكون هناك مصلحة اجتماعية يتعقبها ويضع ذلك الحكم عراقيل أمامها، ال تتناغم
مع ذلك الحكم. لقد كانت هذه خطوة كبيرة بالنسبة لنا برأيي، وذلك ألنه دفعنا إلى مستوى البيان الشيوعي.
حين تقرأ البيان الشيوعي، ترى أن ماركس وأنجلس بلغوا في آخره موضوعة االشتراكيات غير العمالية. إذ يبحثان
االشتراكيين والشيوعيين، األدبيات االشتراكية والشيوعية، االشتراكية االقطاعية ولم يتحدثوا عنها على أنها إعادة نظر في
أمر ما، يتحدثان عن أن االشتراكية بالنسبة لهم ستار لمصالح إقطاعية. لماذا؟ ألنها تريد عبرها توجيه ضربة لذلك
البرجوازي وتريد جذب العامل وكسبه، ولهذا تتحدث لصالح الكادحين، ولكن من أجل اإلبقاء على اإلرستقراطية. يتحدث
)أي اإلقطاعي-م( عن أن القديم كان أفضل، ألم يكن القديم أفضل؟!، أال تتذكر أنك لم تكن مجبراً على نيل أجر؟ ألم تكن لديك
أرض؟ يأتي اإلقطاعي، ويكون معلوماً ماذا تأكل وكيف تنام. ملقى في الشوارع اآلن، ليس لك ملجأ، انظر إلى الفقر، أالتتذكر تلك الفترة وأمانك االقتصادي في مرحلة اإلقطاع؟ إنه يتحدث عن ذلك، يوجه نقده للبرجوازية والمجتمع الرأسمالي،
يتحدث عن االشتراكية والطبقات الدونية وعن تحررها وذلك ألنه يرى تلك الفئة الجديدة )العمال والكادحين
والمسحوقين-م(.
يتحدث ماركس عن اإلقطاعية وعن السمة الطبقية لنوع معين من االشتراكية ال عن إعادتهم في نظرة ما أو أكاذيبهم
الخاصة باالشتراكية. اشتراكية أناس على هامش هذا اإلنتاج الجديد )الرأسمالي-م(، إما أن يتالشوا أو يخلقوا أناساً
برجوازيين صغار جدد ووقوع طرفهم اآلخر في البروليتاريا أو يقذف )اإلنتاج الجديد-م( بهم في صفوف البروليتاريا. حين
تقرأ لها ترى النزعة الشرقية ذاتها وشرقيينا، أي شبه يسار مرحلتنا تلك. الخوف من الرأسمالية، الخوف من العواقب
الضارة للرأسمالية في حياة أقسام فئات هامشية. يتحدث البيان الشيوعي عن الشيوعية األلمانية التي يمجدونها،
بدالً من أن يأتوا بفرنسا وثورتها الصناعية االشتراكية االلمانية أو االشتراكية الحقيقية، ويتحدث عنهم على أنهم مثقفون،
إلى هنا، إلى ألمانيا متخلفة، أتت عقائدها )فرنسا وثورتها الصناعية-م(، أخذ هؤالء هذه العقائد وحولوها إلى أفكار توضيح
الحكومة المطلقة. تلقفوا أطروحات االشتراكية وها
وحول إلى حكومات عقالنية يدعون لها ويريدون إرساءها في حكومة ّ
استبدادية برجوازية أو برجوازية صغيرة.
بعدها يمضي البيان صوب الطبقة. يتحدث بعدها عن اشتراكية محافظة أو اشتراكية برجوازية، يقول إنهم جمع من
البرجوازية فهم أن نظامهم ال تمكن إدامته عبر قسر الكالم فقط، بل ينبغي أن تجري فيه إصالحات، ينبغي إنقاذ الفقراء،
ينبغي أن تكون هناك درجة من الرفاه االجتماعي، وحين تنظر إلى ذلك اآلن، تجده ذيول الليبر بارتي )حزب العمال( أنفسهم
وغيرهم. إن االشتراكية المحافظة أو البرجوازية هي بالضبط الجذر ذاته الذي يحل مع البرجوازية وبرفقتها. إنهم جدد،
ولكن قضية ماركس تتمثل في طبقتهم.
بعدها نظرنا إلى حالتنا، وقلنا إن االتحاد السوفيتي مرتد، ولكنها شيوعية َم ْن هذه؟ شيوعية نقول عنها إنها ذات رؤى
تختلف عن رؤى ماركس بشكل ما، ولكن شيوعية من في المطاف األخير؟ تنظر، فترى أنها شيوعية قطب اقتصادي معين
ينشد في بلد معين أن يدير اقتصاداً معيناً يستند إلى الدولة، ُيرا ِكم، وأن يجلب استناداً إلى شيوعيته دعم وتعاطف فئاته
الدنيا والفئات الدنيا العالمية بوجه المعسكر المنافس الذي هو أفضل منه من الناحية التقنية وأفضل منه من الناحية
العسكرية، وينشد استناداً إلى هذا أن يكون له نشاط في البلدان التي هي ضمن منطقة نفوذ الطرف المنافس. أريد ماركس
كي أنافس به البرتغاليين واألمريكيين. إذا أعطوني موزمبيق، ال أحتاج عندها لماركس. أي أريد ماركس كي يعتقد العامل
الروسي أنه قد حقق مكسباً جيداً. أن يبقى على إنتاجه، مع زهد وبخس أجوره ومع تخلف ظروف عمله. يريدون ماركس
إلدارة هذا النوع من المجتمع وإلرساء قطبهم هذا.
الشيوعية الصينية، أطروحة العوالم الثالثة ردة؟ ليستا ردة. يريدان أن يقوال إننا قطب جديد، من فضلكم اجمعوا بلدانكم
المتفرقة حولنا، وأن يدافع )القطب الجديد-م( عنكم بوجه القطبين اآلخرين! إنهم من يقولون ذلك. إن أطروحة العوالم
الثالثة ليست ردة عن الشيوعية. إن اطروحة العوالم الثالثة هي أطروحة طرف يخص بدء قطب جديد يدعي اليسار
والشيوعية. من فضلكم، نطلب من البلدان النفطية أن تراجع فالناً، أن تتحالف معنا. أحدهما أسوأ من اآلخر، وكالهما أسوأ
من اآلخر. لقد كانت هذه صيغهم! قوة عظمى، قوتها العظمى التي هي األن في صراع كذلك مع السابقة، سحب الروس
خبراءهم، ووسعوا حدودهم، وتحولوا إلى منافسي لقمة عيشهم، وتدهور الوضع ما بين ماو تسي تونغ ومولوتوف،
وارتفعت راية الشيوعية الصينية بوصفها رؤيا مستقلة.
ليس ثمة إعادة نظر في شيء! إعادة نظر بالنسبة لي ولك ألننا اعتقدنا سابقاً أنهم يشتركون معنا في هذا التيار، ولكنهم
يقولون أشياء أخرى. من وجهة نظر أحد ينظر من المريخ إلى الكرة األرضية يقول أحدهم لآلخر: “أنا شيوعي”! بيد أن
أحدهم ينشد القيام بعمل ما، فيما يريد اآلخر القيام بعمل آخر. وعليه، إن أول وجه الختالفنا أدخلنا في بداية موضوعة
الشيوعية العمالية كان هو أن الشيوعية البرجوازية هي شيوعية برجوازية، ولتوضيح الشيوعية العمالية، عليك أن توضحأوالً محتواك الطبقي المختلف نفسه وأهدافك وآمالك للمجتمع الذي تنشد إرساءه مقارنة بالقطب المقابل. إن اختالف
الشيوعية مع شيوعيات التيارات األخرى ليس اختالفاً فكرياً، بل اختالف اجتماعي بالدرجة األولى.
مكانة صفة العامل في الشيوعية العمالية
إذا تتذكرون، في وقتها، كانت موضوعة الحركة االجتماعية أمراً مثاراً ومطروحاً. أتينا نحن أيضاً، وبعبارة أخرى، طرحنا
الشيوعية العمالية أمام الشيوعية غير العمالية لعصرنا. إنه العمل ذاته الذي قام به ماركس. إن المقتطف الذي أورده
صديقنا، كنت قد وضعت عالمة عليه كي أقرأه عليكم: “وإذ يسألون لماذا اخترتم اسم الشيوعية لحركتكم، لم نستطع أن
نطلق عليها البيان االشتراكي”. في عام 1847 ،كان هناك نوعان من الناس يطلق على نفسه اسم اشتراكي. أناس كانوا
موالين لألنظمة الطوباوية المختلفة، وباالخص “االوينيين” في بريطانيا و”الفوريين” في فرنسا، تحولوا جميعاً إلى فرق
صغيرة تسير نحو الزوال واالضمحالل. من جهة أخرى، أقسام وأنواع من الحكماء االجتماعيين الذين يرمون هنا وهناك
بصيغ لشفاء المجتمع. كانوا جميعاً خارج الطبقة العاملة. إنهم جميعاً أقسام من الطبقات المتعلمة وحملة الشهادات.
بيد أن هناك قسماً من الطبقة العاملة يطلب إعادة هيكلة جذرية وراديكالية للمجتمع، ويؤمن أن الثورة السياسية فقط ليست
كافية لذلك. قسم أطلق على نفسه كلمة شيوعي. كان هذا التيارغير مشذب جداً، كان غريزياً وأولياً، ولكنه كان قوياً بصورة
كافية، ولذلك تشكل نوعان من مدارس الشيوعية الطوباوية اآلن في فرنسا تحت اسم كابه وفي ألمانيا فيتيلينك. تشير
االشتراكية في 1947 للحركة البرجوازية، والشيوعية حركة الطبقة العاملة. ونحن وضعنا اسم شيوعي على البيان”
)البيان الشيوعي(. أي يقولون إننا وضعنا اسم تلك االشتراكية العمالية لعصرنا على كتابنا. إنه بيان االشتراكية العمالية.
يقولون ثمة اشتراكية أخرى موجودة أيضاً، ولكنها ليست عمالية. أنا أنتمي الشتراكية عمالية، أنتمي إلى تلك الطبقة
المتنامية والمتصاعدة التي تنشد إعادة الهيكلة الراديكالية والجذرية للمجتمع، وتعرف وتقول إن الثورة السياسية ليست
كافية لهذا العمل، ينبغي القيام بالتحويل االجتماعي، كان اسم تلك الحركة واؤلئك الذي كنا نراهم موجودين أقسام من الطبقة
العاملة، أطلقت على نفسها اسم شيوعي، ويتحدث ماركس، بدون أي تردد، حيث كنا نؤمن بأن تحرر الطبقة العاملة تقّبل
أياديها أضفنا على البيان اسم شيوعي. كان األمر كذلك بالضبط بالنسبة لنا في بحث الشيوعية العمالية.
إن كان ماركس حياً، إن أتى ورأى اآلن أن الشيوعية التي أطلقوا اسمها على البيان في وقتها بوصفها أداة تمييز العامل
عن البرجوازي، هي نفسها اآلن ال ُتحدث هذا التمييز والفصل، فإلى 11 عاما خلت لم تكن تحدث هذا التمييز والفصل، هناك
شيوعية صينية، روسية، شيوعية أوربية، شيوعية ألبانية وغير ذلك، لقال عندها ماركس وأنجلس أيضاً: حسناً، لنرى
اآلن ماذا يطلق العمال على شيوعيتهم؟ لألسف، إذا يأتون اآلن، ال يعتبر العمال أي شيء من تلك الشيوعية شيوعيتهم.
ينجذبون لذلك المعسكر أو أن يكونوا خاضعين لالشتراكية الديمقراطية أو تلك النقابات. ال تطلق الشيوعية الناصعة
والغريزية للعمال أي اسم على نفسها. أتينا وقمنا بهذا العمل. تحدثنا عن أن اسمها الشيوعية العمالية. نطلق الشيوعية
العمالية على تلك الشيوعية التي ثمة بينها وبين الشيوعيات األخرى اختالف من الناحية االجتماعية وعلى صعيد الحركة.
اجتماعية وعلى صعيد الحركة بأي معنى؟ بمعنى إنها تتعقب أهدافاً اجتماعية مختلفة، وتنظم قسماً اجتماعياً مختلفاً! للهدف
البسيط هذا! إذا لديك حركة من المقرر أن تحقق أهدافاً اجتماعية مختلفة، فإنك حركة اجتماعية مختلفة. ينبغي أن تطلق
عليها ذلك أيضاً. الشيوعية العمالية حركة مختلفة عن الشيوعية القائمة حالياً.
وهنا أبلغ أهم نقطة في بحثنا، أي صفة العامل في بحثنا. لماذا نستخدم كلمة العامل هذه؟ أن استطعت استكمال هذا البحث،
سأترك قسماً منه للشهر المقبل )الندوة الثانية لبحث الشيوعية العمالية-م(. لماذا نستعمل كلمة العامل هذه؟ لماذا نستعمل
كلمة العامل في هذه النظرية؟ هل الماركسية إيديولوجيا عمالية وذلك لدفاعها عن المضطهدين؟ هل بسبب أن العمال هم
استغالالً هل بسبب أن العمال مستغلون أكثر من الكل؟ ليس جراء أي من األسباب هذه كان العامل أكثر أناس المجتمع ؟
محور اهتمام الماركسية في نظريتها.إن العامل هو محور اهتمامها جراء تصويرها وتفسيرها للرأسمالية. إن كنت نصير المضطهدين، فالمضطهدون كثر. كن
على يقين أن وضع المرأة حافية القدمين في اإلكوادور تقطف الموز لهو أسوأ من عامل في مصنع فورد “دكنام”، تتعرض
إلى األمراض أكثر، تعاني من الجوع أكثر، وتموت بصورة مبكرة أكثر، وتشاهد التلفاز أقل، وتتنزه في الشوارع أقل. إذا
كان من أجل الدفاع عن المحرومين، وأتيتم أنتم للميدان بوصفكم اؤلئك الحكماء الحاملين معكم سلسلة من الرقيات إلنقاذ
الفئات المضطهدة، ثمة أناس كثر أكثر تعاسة من العامل.
لم يأ ِت ماركس بأطروحة الثورة العمالية أو العامل في الماركسية وذلك جراء رؤيته لمآسي العامل. بل وذلك لتفسيره
ورؤيته للعالم المعاصر والمجتمع الرأسمالي ومكانة العامل في المجتمع المعاصر. من الواضح إذا كان للعامل هذه المكانة
ولكن ال تلبي األهداف االنسانية والشخصية لماركس، ال يعطيه )ماركس( تلك المكانة األساسية ويحلل هذه المكانة ويمضي.
ولكن حين يسترعي انتباه ماركس أن هذه الظاهرة هي آخرها، أنها آخر مرحلة يمكن أن ُيستغل اإلنسان فيها، ولهذا فإنه
آخر مضطهد بوسعه أن يكون شريط ناقل تحرر البشرية قاطبة من كل هذا التاريخ الطبقي، هنا نرى أن لدينا هذه الظاهرة
العظيمة التي يرد اسمها في الماركسية. إذا كان األمر غير ذلك، فإن أي من هذه المعادالت لم تصبح بهذه العظمة وال كان
قد عرفها أحد، ولم نم ِض أنا وأنت لمطالعتها.
لقد أرسى ماركس نظريته استناداً إلى العالم وذلك جراء مكانة العامل في المجتمع الرأسمالي والمكانة الموضوعية للعامل
في واقع العالم المعاصر، ال ألن العامل أكثر معرفة، أو في الواقع أكثر ثورية أو يفهم أكثر ويعاني أكثر من اآلخرين، وأكثر
إنسانية، أو أي شيء آخر تعتقده. ال ألنه وجد أناساً أفضل، مختارين، ليس األمر مثلما أن امرأ يعتقد أن حمر البشرة
يذهبون للجنة والبيض لجهنم. كما لو أن ماركس اكتشف العامل بوصفه أمة. ليس العامل أمة أو عرقاً عند ماركس، أو إن
عرق العامل هو أفضل العالم. يطلق اليهود على أنفسهم أنهم أفضل عرق، شعب مختار، يطلق األلماني أفضل عرق على
نفسه. كما لو أن ماركس بدالً من أن يصنف العالم إلى ملل وأعراق، صنف األعمال، وتحدث عن أن العمال هم أفضل أقسام
المجتمع. ال يقول ماركس هذا. ال يتحدث ماركس هكذا أساساً.
من الملفت لالنتباه في إحدى رسائل أنجلس إلى ماركس في ألمانيا، والتي كانت بالنسبة لي مبعث صدمة نوعاً ما، وال أتفق
معها كذلك، ولكن ما أريد قوله هو كيف وبأي شكل ينظر طرف ما للعامل. يتحدث أنجلس عن تصاعد القتل والجريمة
والسرقة في هذه المدينة، وإن هذا يدلل على نمو البروليتاريا في هذا البلد. ويظهر نفسه اآلن على شكل قتل وجريمة،
ولكنه يظهر بعد ذلك فوراً على شكل نضال شيوعي. إنها رسالة أنجلس إلى ماركس. كان ينظر بصورة موضوعية لهذه
الظاهرة، يقول ظهر العمال، نزلوا وانتشروا في الشوارع، ساخطين، يتعرضون للظلم، ال يتمكنون من القيام بشيء ما؟
يمضون بسرعة لسرقة بيت ما، وإن هذه الفئة التي ظهرت في المدينة كانت مبعث حركة في المدينة. سابقاً، في المرحلة
اإلقطاعية ليس بوسعك أن ترى قطة هنا، اآلن يسرق الناس بعضهم البعض في الشوارع، يفرغون جيوب بعض، يقول إن
هذه مؤشرات ظهور الصناعة وظهور العامل، ولكنه يعبر عن احتجاجه هذا بشكل آخر. مثلما هو الحال مع حركة تحطيم
اآلالت، حيث عبر عن احتجاجه بذلك الشكل. العامل هو ظاهرة أخرى عند ماركس وأنجلس.
سأوضح الحقاً من أية زاوية تنظر النزعة التي تلهج باسم العامل بوصفه منقذ المجتمع البشري. سأعود الحقاً لتناول تلك
الرؤية التي تصور العامل على شكل رؤية سكنة شمال المدينة )االغنياء( للعامل ومحبتهم للعامل وكيف تبين المحبة
البرجوازية للعامل نفسها في حركات الخط الخامس واللهج باسم العامل. أود أن أتحدث في المطاف األخير عن ما هي مكانة
العامل عند ماركس بصورة إثباتية في فلسفته ونظريته؟ سيأتي ذلك في المجلد السادس )ألبحاث منصور حكمت( هذا، ألنه
الموضوع ذاته بالضبط والذي قدمته في ندوة السويد قبل 11 عاماً.
اشتراكية المستضعفين، شيوعية العامل المعاصر للمجتمع الرأسمالي
أتحدث عن فلسفة ماركس، وأقول إن ماركس مادي. يطلقون كلمة مادي على المرء الذي يقول بتقدم العالم المادي على
العالم الذاتي، والفكر تابع للواقع والموضوع، ويعكسهما. العالم المادي واقعي. إن كل من يقول هذا فهو مادي. ولكن ماديةماركس هي ليست كذلك في المطاف األخير. إذ لماركس مأخذ على المادية التي سبقته، وباألخص الواردة في أطروحاته
المتعلقة بفيورباخ، الذي لماديته سمات خاصة: العالم موضوع ال يتغير، وإن العالم الذاتي هو موجود أيضاً ويعكسه.
يقول ماركس إن العالم ليس هكذا. يتحدث عن أن العالم حصيلة الممارسة، وأن العنصر الذي يعكس العالم الموضوعي هو
ٍ أراض، أتى جمع مع الناس بناها ومضى، يقول إن العالم
العنصر ذاته أيضاً الذي يغيره. إن القصور التي تراها كانت سابقاً
يتغير. الممارسة عند ماركس هي أساس الواقع الموضوعي. بالنسبة لماركس، يعد تغيير الممارسة جزءاً من الموضوع
نفسه. ولهذا فان ماركس ال يقبل أن الذات تعكس الموضوع فقط، يقول وتغيره كذلك، ويدخل عنصر الممارسة. الممارسة
عند ماركس ليست ممارسة أشياء، بل ممارسة اإلنسان. لقد ألقى المجتمع منذ يومه األول والنشاط اإلنساني من البداية
طابعه على العالم الموضوعي. ليس بوسعك أن تعكس شيئاً ليس للمجتمع بصمة لإلنسان عليه. العالم الموضوعي موجود
في الفضاء واألحياء، ولكن يقول ماركس حين تتحدث عن الموضوع والواقع الموضوعي، عليك أن تأخذ بنظر االعتبار أن
قسماً من هذه الظاهرة هي الممارسة اإلنسانية والممارسة االجتماعية.
كيف يعّرف ماركس المجتمع؟ ينطلق ماركس من المجتمع الذي يبنى على االقتصاد والعملية اإلنتاجية، وبعدها يوضح
تقسيم العمل، ويبلغ من تقسيم العمل العالقات اإلنتاجية والطبقات. عند ماركس، المجتمع كان طبقياً دوماً، وإن المجتمع قد
تم تعريفه دوماً استناداً إلى الميتابوليزم )اإليض( االقتصادي والميتابوليزم الطبقي. إن الطبقة هي قسم من نظرة ماركس
للمجتمع الذي هو بالنسبة لماركس عالم موضوعي والطبقة جزء من العنصر الفعال للتغيير، وفق ماركس.
حين يعّرف ماركس الرأسمالية يبدأ أوالً من أن آلية هذا المجتمع رأسمالية هي بشكل أوجدت الطبقات القائمة. حين تطالع
الرأسمال، وبعد 50-60 صفحة تصل إلى العامل، اإليديولوجيا اإللمانية، بعد 20-30 صفحة تصل العامل، إن أطروحات
فيورباخ التي تقرأها، بعد عدة صفحات تصل للعنصر الفعال، وبعدها تصل للعامل. وذلك ألن العامل في العالم الموضوعي
المعاصر لماركس، العالم الذي من المقرر أن يغيره ماركس، هو جزء ال يتجزأ من الموضوع وجزء ال يتجزأ من التغيير.
العامل عند ماركس ليس صفاً من الناس. العامل هو مكانة خاصة بالنسبة له مرتبط فيها باإلنسان، امرؤ ليس بمالك أدوات
إنتاجه بحيث بوسعه أن ينتزع لقمة عيشه من األرض، ليس مرتبطاً باألرض، حّر في أن يمضي ليرى أين يقدمون له ،
عمالً
ينال أجراً ويعمل. امرؤ حّر ومجبر على أن يبيع قوة عمله. قبل العامل، إذا ذهب القن أو الفالح للمدينة، يرسل صاحبه
أناساً لإلتيان به وإرجاعه، ال يسمح له أن ينفصل عن قطعة األرض. وذلك ألنه جزء من ممتلكات ذلك اإلقطاعي وقسم من
ميدان معين.
إن انفصال اإلنسان عن األرض وغياب الحق على قطعة األرض والخيار في الذهاب لمكان آخر للعمل كان من اكتشاف
الرأسمالية. وبالنسبة لماركس، تعد نقطة مثيرة أمر ظهور نوع من الناس ال ينبغي عليهم القول نريد أرضاً، ألن إذا أراد
الفالح في المرحلة اإلقطاعية أن يتحرر، سيقول ينبغي أن تكون األرض لي. ولكن حين يريد هذا العنصر الجديد أن يتحرر،
عليه أن يقول: ينبغي أن ال تكون هناك أوضاع بحيث يحتكر جمع ما ملكية وسائل اإلنتاج ويكون اآلخرون مجبرين على
العمل لهم من أجل تدبير معيشتهم وتأمينها، ينبغي تغيير هذه الوضعية.
إن المكانة الموضوعية للعامل تستلزم أن يعود إلجراء تغيير راديكالي وجذري للمجتمع. إذا أراد العامل أن يتحرر، وليس
إذا أراد فقط تحسين وضعه، فإن تحرر العامل، الذي هو أمره، يستوجب استئصال تلك العالقات المحددة، أي إلغاء الملكية
البرجوازية. إن هذه هي مكانة العامل عند ماركس! العامل بالنسبة له هو تلك الظاهرة االجتماعية الذي بوسعه، أي العامل،
أن يحرك ذلك الواقع الموضوعي لعالمنا المعاصر صوب الجهة التي يعتقد ماركس أنه يتحقق سبيل تحرر اإلنسان من
خاللها. هذا هو ما عّرف ماركس به رسالة العامل أيضاً.
ليس بوسع العامل التهرب من هذه الرسالة. في المجتمع الذي تنبأ به ماركس، يقف العامل في مقدمة الميدان، ليس بوصفه
ظاهرة يحتاجها المجتمع. لقد تحدثت عن المجتمع الذي تلغى فيه الملكية الخاصة وتصبح معه أدوات اإلنتاج تخص الجميع
وفي متناول كل من يعيش في ذلك المجتمع. هل يحمل الكسبة وأصحاب المحالت مثل هذه األهداف معهم؟ هل يحمل الفالحمثل هذا الهدف؟ هل ألصحاب األراضي واألشراف مثل هذه الرسالة؟ هل النساء بذاتهن أو أنفسهن مجبرات على تغيير
عالقات الملكية من أجل تحررهن؟ )أؤكد على بذاتهن، وإال من الممكن أن يكن مجبرات بصورة عملية على القيام بهذا
العمل(. هل النساء بحاجة إلى الغاء العمل المأجور من أجل مساواتهن بالرجال؟ لسن بحاجة لذلك. فمن الممكن أن يفرض
عليهن المجتمع أن سبيل الحل هذا، أي الغاء العمل الماجور، هو العمل العملي الوحيد لقضيتهن هذه. هل العبيد بذاتهم
بحاجة إلى إلغاء العمل المأجور من أجل تحررهم؟ ال! إن حياة هذه الشريحة الجديدة، هذه الظاهرة التي ينتجها المجتمع
الرأسمالي بصورة مليونية، مرهونة بتحرير المجتمع. ال بسبب أن العامل نفسه يتمتع بهذا الحد من التحررية والفكر
التحرري بحيث يفكر إن لم أتحرر ال تتحرر البقية؟ دعني أحرر البقية أيضاً!
ليست الماركسية هذا، الماركسية تقول ليس للعامل سبيل حل غير هذا. تتحدث الماركسية عن أنه يكفي أن ينهي العامل
العمل المأجور حتى ينهي كل أشكال االستغالل. ليس األمر أخالقياً، يستعمل فرشاة األسنان أم ال، يعرف أي نوع من الغذاء
يأكل أم ال، ضليع بلغات أخرى أم ال، ليس لها تأثير على دور مكانة العامل من وجهة نظر الماركسية. العامل مجبر على
فعالً ينبغي أن يتحرر الجميع. ولهذا فإن هذه الحركة، وبصورة تلقائية، في مقدمة حركة المجتمع، ونرى أنه: لكي يتحرر ،
عملياً أن األمر غدا كذلك، نرى عملياً أن الحركة العمالية في كل بلد، وعلى امتداد القرن كله، مقترنة بتحسن أوضاع الفئات
الدنيا وكل من فرض عليها الظلم والقسر.
إن هذه الوضعية وهذه المكانة الموضوعية للطبقة العاملة هي جدية وموضوعية وال مهرب منها بحد حتى ليس بوسع
النقابة واالتحاد العمالي أيضاً أن تظهر يمينية. أن أكثر النقابات واالتحادات العمالية يمينية في المجتمع البرجوازي تتمركز
في اليسار. حتى إذا كان االتحاد العمالي قد شكلته مارغريت تاتشر، فبعد ثالثة أيام، يكون مجبراً على أن يرسل بالغاً دفاعاً
عن الحركة النسوية أو البلد المحروم الفالني. بسبب من مكانته الموضوعية، فإن العامل مجبر على أن يكون كذلك، وذلك
ألنه إذا بقيت صلة استغالل العمل المأجور، فستبقى البقية كذلك معه. ال يمكن أن يكون هناك عمل مأجور، وليس هناك عمل
منزلي، ال يمكن لمدة ثالث سنوات تشتري يومياً كارتاً لتدبير معيشتك، بيد أن نظام التربية قد تم تنظيمه استناداً إلى
التحرر، وأن ال يكون فرض االنضباط والقمع جزءاً من التربية والتعليم. وذلك ألن المجتمع قد نظم على أساس تثبيت العمل
المأجور وصيانته. في مجتمع مثل هذا، ال يمكن أن يكون هناك عمل مأجور، وال يوجد فيه جيش وسجون ومحاكم. تستحيل
النزعة العنصرية في المجتمع دون وجود العمل المأجور ألن هذه كلها أجزاء تصون بقاء العمل المأجور.
ولهذا، بالنسبة لماركس، العامل ومقدراته يوردان، على الصعيد الفلسفي، األبحاث النظرية. ليس األمر كما لو أن ماركس،
ومثل حكيم يبحث عن أناس في المجتمع يشفي بهم المجتمع. إن ماركس لم يكن تحررياً أوالً ليجد العامل الحقاً. لقد واجهت
ماركس حقيقة وواقع أن بوسع العامل أن يكون عنصر التحرر في هذا المجتمع. لم يوجد ماركس العامل، بل في نظريته،
يظهر العامل فقط بوصفه عامل التحرر. وإن هذا الموقف يختلف مع موقف أصحاب ما يمكن أن نسميه االشتراكية المخلصة
لحال األهالي، اشتراكية المستضعفين، أو من موقف الدونية، يقومون بالدعاية لالشتراكية.
بالنسبة للماركسية، ليس مهماً أن يكون للعامل أربع ثالجات وثالث سيارات أيضاً و”غدا فاسداً”، وفي المساء يتراهن على
سباق الخيول. بكل هذا، إن أراد أن يكون حراً رغم كل ممتلكاته أيضاً، عليه أن يلغي العمل المأجور. في الوقت الذي يعد
فيه األمر على العكس، تستلزم اشتراكية المستضعفين مستضعفاً، بيد أن الماركسية ال تحتاج العامل لكي يبقى عامالً.
وبالشكل الذي تتحدث عنه االشتراكيات األخرى، حتى حين تستلم السلطة، تتحدث عن حرية الشعب وقمع معادي الشعب.
بالنسبة لماركس ال تكمن مكانة العامل أساساً في حرية هذا، أي الشعب. بالنسبة لذلك النوع من “الثوريين”، العامل حتى
في مجتمعهم الالحق كذلك موجود أيضاً وذلك ألنه إذا لم يكن موجوداً فهم ليسوا ثوريين! إذا لم يب َق في المجتمع جمع من
أناس متشققي األيدي من المراحل السابقة، بحيث ال يتخذ منهم هذا النوع من الثوريين لوغو )رمزاً، شارة( لهم، ليس
بوسعهم أن يروك أنهم اشتراكيون. كما لو أن العامل، وفق رؤيتهم، إنسان ينبغي تحويل جميع ممتلكات المجتمع وسعاداته
له واالنتقام من اآلخرين. إن هذه عقائد دينية برأيي، وهي موجودة في جذور تاريخ اإلنسان، وفرضوها لألسف على
االشتراكية كذلك. ليس هناك أي جذر أو أصل ديني في الشيوعية بالنسبة لماركس. إن هذه مكانة العامل بالنسبة لنا.ولكن دعنا نرى ما هو ليس بمكانة العامل؟ إن هذا الجانب لم أتناوله في موضوعي السابق. ال ُيقدس العاملُ في االشتراكية.
في الجداالت التي طرحت في االنشقاقات التي جرت قبل عام أو عام ونصف، إن أحد الممجدين القدماء لموضوعات
الشيوعية العمالية، وإن رسائله لدي من حين كنت في طهران، قال إن مواضيع الشيوعية العمالية بالنسبة لنا نحن العمال
)علماً هو نفسه ليس بعامل!( ليس فيها جديد، ألن العمال يعرفون كل شيء بسبب عماليتهم، لقد كان هذا أمراً حسناً
لـ”المثقفين”!
وفق هذه الرؤية، العامل هو شخص يعرف مسبقاً ماذا قال ماركس، يعرف ما هي إشكالية خروشوف، يعرف ما هي نظرية
االشتراكية العلمية، يعرف فيورباخ، ألنه عامل فإنه يعرف كل هذا! إنه نوع من التقديس للعمال. ألنه أنت عامل، فأنت
تعرف، وال تحتاج إلى أي شيء. أو إن رفيقاً قديماً لنا، أصدر كتاباً في الفترة األخيرة وذكر فيه “يقول دستوفسكي أي امرئ
ليس له إله، ليس له توازن أخالقي”، طبعا إن هذا ال تسمعه من دستوفسكي فحسب، بل من جميع الدينيين وأعضاء
الجمعيات الدينية، إذ يقولون إذا ال تؤمن بإله، فإنك عديم األخالق. وبعدها يضيف صديقنا القديم “بيد أني أقول إن لم يكن
عامالً ال أخالق له”. إذا كنت عامالً في معمل زمزم أو صناعة السيارات أو أي مكان آخر، وأموالي موجودة على المرء ،
الطاولة، ورأيت أن أحداً ما قد أتى إلى صالة استراحة عمال المعمل ويقول لي أنت تعرف كل شيء، ال تحتاج إلى أي شيء،
وإن مكانك مكان هللا لدي، فعندها أنا العامل أضع أوالً يدي على أموالي، ألنه كيف وبأية طريقة ينشد مثل هذا الشخص
سرقتي! ألن هذا هو سياسي لعوب! ما صلة هذا بالماركسية؟ ليس العامل بحاجة إلى شيء، يكفي أن تذكر اسمه كي يذوب
كل شيء! إنه نفس العامل الذي لم يعطوه راتبه في المجتمع، وليس له حول أو قوة، ذلك العامل الذي يقول عليه مثل ذلك
الشخص هذا، لم يستلم راتبه منذ ستة أشهر، ولكن في عالمه الصغير )وقصده اليسار-م( تحول إلى إله، تحول إلى علم،
إلى المحك والمعيار النهائي لألخالق. وحين تمحص الجملة الالحقة لمثل هذا الشخص، تجده عادة ماوياً سابقاً، ويريك
صوراً من الثورة الثقافية. في الثورة الثقافية، أتوا بالفالح الفقير لينتقد عمل الرسامين. فالح ليس ملماً بعمل الرسامين. إن
هذا النوع من الحكم والتقويم، هذا النوع من التعاطف مع الفقراء والمستضعفين هو كذب ورياء. وذلك ألن الحركة العمالية
ال تمتلك مثل هذا التصور عن نفسها على أنها تعرف كل شيء. أمسكت بيد الماركسيين وتقول: “ال عل َّي من أين أتيت،
تحدث بهذا الكالم الذي نطقت به في الشارع لعمال معملنا أيضاً”.
ال يّدعي العامل أنه يعرف كل شيء، بل يبحث عن ردود محدودياته السياسية، يتعقب أنه ال يستطيع أن ينظم نقابة، كيف
َم صغير، في هذا السياق، ثمة مدرسة حّولت “كاركر كرائي” )التشدق باسم العامل-م( إلى تملق للطبقة العاملة اّل يرد على
وتحويلها إلى صنف. ليس العامل بصنف! ليس العامل بأمة! ليس العامل عرقاً! لقد قّدست العامل وتملقته. العامل شريحة
ذات رسالة تاريخية استناداً إلى مكانته االجتماعية. برأيي إن التصور الصنفي للعامل، أي امرئ يعطي العامل بيان حقوق
اإلنسان ويقول إن العمال فقط هم من يمضوا عليه، ال يمكن إال أن يكون برجوازياً برأيي. بالنسبة المرئ كان نفسه قبل 25
عاماً عامالً في إيران، وال تتمتع هذه الحقيقة اآلن لديه بأية أهمية ألنه يعمل في مكان ما، يقول على ورقة كتبها “مثقف”
من له الحق أن يوقع عليها؟ أو حتى من يحق له أن يحضر اجتماعه؟ عامل متشقق األيدي! إنها اتهامات ألحقت
بالشيوعية، وإن هؤالء بالضبط من تناسوا في أحسن األحوال وأكثرها تفاؤالً هم أساس تلك الجملة الثانية التي ذكرتها لكم،
أي ليس بوسع العامل أن يتحرر دون أن يحرر الجميع.
إن أساس الثورة العمالية هي اإلنسانية، وإن أساس تحررية العامل هي اإلنسانية، وأساس الماركسية هو تحرر اإلنسانية.
حين يثور العامل يسعى ألن يغير بالضبط ظاهرة يكون فيها جمع ما عماالً وجمع آخر ال يعمل، جمع مجبراً على أن يعمل
وآخر ليس مجبراً على ذلك. واآلن بعد مرور خمسة أعوام على ثورة هذا النوع من المدافعين، فإن التصور للعامل والذي
هو مبعث انتقادي يأتي ويقول إن أياديك ليست متشققة. ولهذا ال يحق لك المشاركة في االنتخابات! كانت هذه الرؤية مبعث
انتقادنا منذ أمد بعيد.
ما أود قوله هو أن هذا التمثيل العمالي المتخلف هو مؤشر تقدم البرجوازية برأيي. ال يتمثل األمر بأننا نشهد رؤية
بروليتارية متخلفة، بل إن أية رؤية بروليتارية متخلفة تمثل تقدم رؤية برجوازية. إن
امرًأ يجعل من العامل صنفاً هو امرؤ ًأال يريد أن يكون العامل طبقة. إن كان من المقرر أن يكون العامل صنفاً، ستديم البرجوازية عملها إلى األبد ألنه يؤمن كثيراً
بأن العامل يشكل نقابة له. وإن أراد امرؤ ما من أجل حريته في مجتمع يتعقب قوة بوسعها أن تقوم بهذه الرسالة فعالً،
ويحدد ويلجم تلك القوة بقضاياها الصنفية، ويخلق شيئاً وهوة ما بين الطبقة العاملة والمجتمع ويبني سوراً صينياً ما بين
نضال الطبقة العاملة، فهو برأيي أسوأ أنواع البرجوازية. فيما يخص ة
َح َمل هذا التصور المتخلف عن العامل، ماركس َ
يتحدث بشكل صريح جداً بحٍّد ال أجرؤ على استعمال استعاراته. على أية حال، إن التصور الصنفي للعامل برأيي، وتحويل
العامل إلى أمة، إلى أناس ذوي فصيلة دم معينة ليس له صلة بالماركسية. يتحدث ماركس عن البروليتاريا الصناعية،
ليست الماركسية تقول: بدالً من “انتظموا وتنظموا”، “عاش العامل!”، وبهذا تكونون قد اقتربتم خطوة من البروليتاريا!
كان يقرأ أكثر العمال طليعية في مرحلة ماركس أكثر المجالت طليعية، كانوا يقرأون البيان الشيوعي. إذا أردت في تلك
المرحلة أن تصدر مجلة فكرية عصرية وطليعية بشكل استثنائي، عليك أن تأخذ بنظر االعتبار أن تعطيها للحلقات العمالية،
وإن معيار نجاحها هو مقبوليتها عند الحلقات العمالية. وإن كانت هذه التصورات المتخلفة وتقديس العامل هي ضعيفة
وهامشية جداً، أقول ينبغي أن تكون الشيوعية واعية وذلك ألن مجمل هذه الجداالت تتسلل مرى أخرى في الثورة،
االستراتيجية، مهام الثورة العمالية، تنظيم النضال الطبقي وفي مهام الثورة االشتراكية. وإن أّياً من هذه المواضيع المتخلفة
نفسها تكفي إللحاق الهزيمة االجتماعية بالعامل.
إن العامل الذي ليس على استعداد لرفع راية تحرر المرأة، ليس على استعداد إلعالء راية الدفاع عن حقوق األطفال وشعار
إلغاء عقوبة اإلعدام، ألن هذه األمور ليست عمالية بحد كا ٍف بالنسبة له، لهو من هذا النمط. انظر إلى األقسام األخيرة من
البيان الشيوعي، سترى أية مطالب طرحت، أو ماذا عمل لينين ورفاقه حين أتوا للسلطة؟ حين استلم لينين السلطة، ألغى
كل ادعاءات روسيا القيصرية حول األرض على البلدان المجاورة.
أوجز وألخص بحثي بصورة مكثفة جداً وأقول:
حركة تحرر اإلنسان
للشيوعية العمالية اختالف اجتماعي مع الشيوعية غير العمالية أال وهو أن هذه حركة اجتماعية للطبقة، ولها اختالف
نظري مع الشيوعيات األخرى، وهو أن شيوعيتها هي لتحرر اإلنسان، وأن العامل من يقوم بذلك. إن الرؤية الوحيدة التي
تتناغم مع الثورة العمالية هي ماركسية تنشد تحرر كل البشرية واستئصال جميع أشكال االستغالل. لهذا نالحظ نوعين أو
ثالثة من الشيوعية حولنا. أناس يعتقدون بأن أهدافاً مرحلية وثانوية وبينية للثورة العمالية، أناس ال تمثل الحركة العمالية
مركز ثقل احتجاجهم االجتماعي، على سبيل المثال، أناس تمثل الحركات اإلصالحية التدريجية أساس اشتراكيتهم، أناس
يمثل الفالح أو المتعلم الحضري اساس شيوعيتهم، إنهم أناس انفصلت عنهم شيوعيتنا العمالية.
إن اختالفاتنا هي ليست اختالفات فكرية دينية، بل إن صيغتنا للشيوعية هذه ذات اختالف، صيغت َضت
و ُعر بهذا الشكل، مع ِ
صيغ اآلخرين للشيوعية، وليس أنها تعّرف دينها بهذا الشكل. إن لم يقر اليسار الجديد في أوربا بشيوعيتنا، فذلك فضالً عن
الجوانب العقائدية والنظرية، ألن أساسه هو الحركة االجتماعية الطالبية للمتعلمين، بعضهم يريد أن يبعد نفسه عن الكتلة
الشرقية كي يجد مكاناً لليسار في البنية الفوقية الديمقراطية البرلمانية للغرب. إن الحركة الشيوعية في الصين هي من أجل
تحويل الصين إلى بلد مستقل والتخلص من هيمنة االستعمار، عاشت! إنه مطلب حسن جداً من أجل تحسين أوضاع ماليين
الناس، ولكنه ليس من أجل تحرر اإلنسان من أي من أشكال االستغالل. إنها أكثر تخلفاً عنهم. من الواضح إني أدافع عنها
بوجه اإلمبريالية، ولكنها ليست حركتنا االجتماعية. إن اليسار اإليراني الذي أتينا منه، وسأتحدث في حينه عن سماته،
وننظر ماذا كانت تنشد هذه الشيوعية من مطالب، كانت حركة أية طبقات، ماذا يريدون أن يعملوا في إيران، وماذا يريد
بقاياه أن يقوم بعمل.فعالً حولنا، ويحدد إنه موضوع مهم ألنه يحدد استراتيجيتنا في ما يخص التعامل مع بقية التيارات اليسارية الموجودة اآلن
ما نريد القيام به. إن موضوعتي هي أن هذا اليسار اإليراني هو جزء من الحركة اإلصالحية البرجوازية في إيران، قسم
يريد إرساء مجتمع أفضل، أي االشتراكية البرجوازية المحافظة في إيران ذاتها. إنها، وعبر االشتراكية، تنشد إرساء
مجتمع برجوازي يليق بالحياة، على غرار فرنسا إن أمكن، وإال فعلى غرار تركيا. بفضل االشتراكية، تتطور الصناعة،
وبفضل االشتراكية تتحسن الصحة. إن كل هذه هي أعمال جيدة وحسنة، ولكنها تختلف وذات فاصلة عن مطلب قلب
المجتمع، إعادة هيكلة المجتمع بصورة جذرية، وهو ذلك المطلب الصريح والواضح الذي يرفعه العمال األلمان. أختتم هنا
موضوعي، أتمنى أن يكون لدينا وقت لمواصلة بقية المواضيع.
مالحظات المترجم:
تمت ترجمة النص عن النص الشفهي للندوة والمنشور في سايت منصور حكمت
net.archive-public.hekmat://http ، /ولم تسنح لمنصور حكمت فرصة اعداده للنشر الكتابي. وهذا ماألقي
بضالله على الترجمة الى حد ما سواء شئنا ام ابينا، رغم سعيي الشديد الى تضييق اثر كون الموضوع شفاهي الى اقل حد
ممكن. واشكر بهذا الخصوص الرفيق والصديق عمار شريف الذي راجع النص النهائي لهذا القسم.
من جهة اخرى، وبهدف تسهيل قراءة البحث، قمت بتقطيع المقاطع الطويلة في النص ونشرتها بشكل مقاطع اقصر. وان
مايعطيني الحق في هذا هو كون النص شفاهي باالساس.
كل اسماء االبحاث والمقاالت التي وردت في ندوة منصور حكمت ودونتها بالحرف المائل تعني انها مترجمة ومنشورة
باللغة العربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى