المقالاتعادل احمد

الانتخابات أم الاحتجاجات؟!

عادل احمد

لا يوجد يوم يمر على حياة جماهير العمال والكادحين في العراق دون محنة، بعد المحنة. فمنذ عام ٢٠٠٣ واحتلال العراق من قبل أمريكا ومن ثم قيام ما يسمى بالعملية السياسية الجديدة والتي خلقت أرضية وظروف لنشؤ جماعات وأحزاب ومليشيات إسلامية واستحوذت على كل مصادر الأموال والاقتصاد البلد. وقاموا بتحالفات وتوافقات سياسية مع البعض لتقاسم السلطة والمال في عموم البلاد. وان كل الانتخابات التي أجروها منذ ذلك التاريخ والى اليوم لم تكن الا القيام بفرض الشرعية على سرقاتهم وفسادهم عن طريق الانتخابات والديمقراطية وأصوات الناخبين. وفي كل مرة بعد الانتخابات ينشأ الصراع في مراكز السلطة من اجل الحصول على الوزارات التي تدير الدخل والأموال والصادرات مثل وزارة النفط والمالية وأيضا على الوزارات العسكرية والتي تتم فيها الصفقات الخيالية للنهب والسرقة وكذلك لتعبئة القوة العسكرية للمليشيات والطوائف الإسلامية المختلفة. ان اندلاع انتفاضة أكتوبر في المدن العراقية، كان نتيجة الظروف المأساوية التي تعاني منه الجماهير المحرومة في العراق. والتي كانت تهدف الى كنس جميع مخلفات العملية السياسية على الرغم من ضبابية افقها السياسية، ولكن كانت تتجه نحو هذا المسار. ان الحضور الميداني للنساء والفتيات في الساحات الاحتجاجية وبطولاتها وتضحياتها كانت من اجل كرامة النساء التي سُحقت تحت اقدام التيارات الإسلامية والطائفية. وان حضور الشباب والعاطلين عن العمل ودورهم في مواجهة المليشيات والقوى الأمنية كان نابعاً من حرمان الشباب من أي حقوق والعيش وبناء حياة مرفه ومكرمة ومستقرة والتي كانت ترتفع أصواتهم في جميع الأماكن وكانت صيحات ممثليهم في الساحات وميادين المدن اكبر دليل على افتقار الجيل بالكامل من العاطلين الشباب لأي حقوق في ظل العملية التخريبية لقادة الطبقات البرجوازية في العراق. وان صيحات كبار السن من النساء والرجال مع معاناة العيش والغلاء والافتقار الى ابسط الحقوق من المسكن والملبس والمأكل والخدمات والرعاية الاجتماعية كانت تثلج القلوب وحضورهم في الاحتجاجات كان يرمز الى مدى وحشية وهمجية النظام السياسي في العراق والتي تعرف نفسها بالعملية السياسية أي عملية النهب وحرمان الجماهير لا مثيل لها في أي مكان من العالم .. واليوم نحن مرة أخرى على اعتاب انتخاباتهم البرلمانية او بكلمة اكثر صراحة شرعنة سلطتهم الاستبدادية والقمعية والطائفية لإدامة واستمرارية معاناة الجماهير المحرومة من العمال والكادحين. وان أي توهم بتقسيم الجماعات او الأحزاب الطائفية والإسلامية والقومية الى السيء والسيء جدا تعني استمرار الأوضاع الحالية واستمرار المعاناة اكثر واكثر… ولهذا فان الانتخابات لا تمت الصلة بأي حال من الأحوال بمصالح الجماهير المحرومة ولا تضيف قرشا واحداً على معيشتهم بل وتزداد معاناتهم نحو الأسوأ. وقد قلنا بان انتفاضة أكتوبر عام ٢٠١٩ كانت (لا) كبيرة بوجه ما يسمى بالعملية السياسية والتي كانت تتلخص في شعار ” كلهم يعني كلهم ” أي لا استثناء لأي طرف من الاطراف السياسية الحاكمة والمشاركة في السلطة. كانت هذا (لا) كبيرة بحيث سيلت الدماء من اجلها وتعذب النشطاء واغتيل قسم كبير منها على الرغم من وجود اطراف الانتهازية كانت تعمل داخل المحتجين من أجل إفشال هذه (اللا) في أن ترفع الى الأفق وان تكون كافية لكنسهم جميعهم وليس بعضهم… اذا كان الوقت قد حان للاستمرار بما بدأناه في انتفاضة أكتوبر أي كنس جميع العملية السياسية وإزاحتها من فوق رؤوسنا وهذا يأتي عن طريق رفض العملية السياسية وليس تجميلها أي ليس مقاطعة الانتخابات فقط، وانما الشروع برفض جميع المساهمين بالعملية السياسية، عن طريق توسيع احتجاجاتنا الجماهيرية وتنظيمها تنظيما شعبيا، وان يكون رفضا لكل ما آلت إليه الظروف الحالية وكل الأطراف المشاركة والمستفيدة من الاحتلال الأمريكي وما بعده… ومن الجدير بالذكر عندما نتحدث أيضا عن الحركة الانتهازية الجديدة والتي تسمى نفسها بحركة المقاطعة مثل الحزب الشيوعي العراقي والتيار الوطني لإياد علاوي والتيار الصدري وبعض أقسام أخرى للانتخابات البرلمانية القادمة والتي لا يعني أي شيء سوى إفلاسهم السياسي امام الاحتجاجات الجماهيرية الصاعدة. إنما هذه التيارات هي المشاركة في العملية السياسية قبل الاحتلال ومن بعد الاحتلال في خلق هذه الظروف المأساوية. كانوا مشاركين في مؤتمر لندن بقيادة أمريكا ومن ثم بعد الاحتلال واستمروا الى اليوم. ورقعة الاحتجاجات تتسع يوم بعد يوم. ان مقاطعة هذه الأطراف للانتخابات ليس من اجل الدفاع عن مصالح الجماهير العمالية والكادحة والمحرومة وانما لسببين أساسيين: أولهما بسبب توسع رقعة الاحتجاجات والسخط الجماهيري بوجه جميع اطراف السياسية المشاركة في السلطة حتى الان بتحالفاتها وبتوافقاتها السياسية والعسكرية، كلهم يعني كلهم. وثانيا بسبب تغيرات السياسية في توازن القوى في العراق والمنطقة والتي اثرت بشكل مباشر في اطراف المشاركة بالسلطة بسبب عدم وجود رؤية وافق واضح لمستقبل المنطقة برمتها، والتي هي على اعتاب تغيرات كبيرة على أثر صراع القوى الدولية. ان الاستمرار على النهج السابق لا يأتي بأي نفع لهذه الأطراف ولهذا يراهنون على مسائل اكثر أولية وهي مكانتهم في مستقبل الصراعات هذه. ولهذا مشاركتهم في الانتخابات يعني خسارتهم السياسية في ظل الصراع الأصلي الدولي والاقليمي في المنطقة. وان مقاطعة الانتخابات بالنسبة لهذه الجماعات لا يمت بأي صلة في دفاعهم عن الجماهير المحرومة وانما كانوا ولا يزالون يعملون من اجل مصالحهم المتناقضة مع مصالح الطبقة العاملة والجماهير الكادحة وإن احدى العقبات أمام الجماهير لكنس جميع القوى السياسة، هي التوهم بأن هذه الاطراف وكأنهم في خندق المحرومين. ، على الرغم من ان هذه الاطراف هم من مسكة السلطة خلال ١٨ سنة المنصرمة، والان يعلنون مقاطعة الانتخابات. ان رفض العملية السياسية يعني رفض جميع الأطراف ورفض جميع العملية السياسية وكنسها كنسا نظيفا وان تأتي الجماهير ببديلها السياسي الوحيد وهي سلطتها المباشرة ومن الأسفل وبإرادتها المباشرة وهي سلطة المجالس المحلية في كل مكان. ان سلطة المجالس تعني سلطة الجماهير من بيتها وفي محل سكنتها وفي محل عملها وفي محل دراستها وفي محل صناعاتها ومعاملها وشركاتها وفي محل أمنها وسلامتها وفي محل صحتها ومستشفياتها و في محال القضاء والتشريع والمحاكمات… ان هذه السلطة هي السلطة الفعلية المباشرة للجماهير في إدارة أمورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية و… ان هذا البديل هو البديل الوحيد للحفاظ على مصالح الجماهير من العمال والكادحين والفقراء المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى