المقالاتتوما حميد

الرأسمالية والفقر!

 توما حميد

يتحدث المدافعون عن الرأسمالية ان واحدة من اهم ايجابيات الرأسمالية كنظام اقتصادي؛ انها تقلل من معدل الفقر. يصل الحد بمناصري هذا النظام بالادعاء بان الرأسمالية قد خفضت نسبة الفقر في العالم بمعدل 70%.

قبل كل شيء يجب ان نعرف بان معدل الفقر قد انخفض بهذا المقدار الهائل لان المؤسسات الرأسمالية مثل البنك الدولي تعرف الفقر بالعيش على اقل من 1.9 دولار امريكي في اليوم الواحد. اذ قام البنك الدولي في 2015 برفع خط الفقر العالمي الى هذا الحد الجديد اي 1.90 دولار في اليوم للشخص الواحد. وفقا لهذا التعريف، انخفضت نسبة سكان العالم الذين يعيشون في فقر مدقع من أكثر من 80% في عام 1800 الى 10% بحلول عام 2015. ان خط الفقر العالمي هذا، الذي يفترض انه يعتمد على قيمة البضائع اللازمة لإعالة شخص بالغ والذي لا يأخذ في الحسبان إمكانية الحصول على خدمة الصرف الصحي والمياه الصالحة للشرب والكهرباء رغم أهمية هذا المستلزمات بالنسبة للمجتمعات المعاصرة هو تعريف اعتباطي غير مرتبط بحياة ناس واقعيين. اذ لا يمكن لشخص في أمريكا، او بريطانيا، او استراليا او أي دولة متقدمة حتى البقاء على قيد الحياة على هذا المبلغ.  كما ان الشواهد تدل بان مستوى الرفاهية قد انخفض في الكثير من الدول التي كانت تدور في فلك القطب الشرقي والدول التي شهدت تبني السياسات الليبرالية الجديدة.

 إذا اخذنا تعريف الأمم المتحدة للفقر حيث تقول بان الشخص يحتاج الى 7.40 دولار امريكي في اليوم للحصول على الحد الأدنى من التغذية والملبس والمسكن وللعيش متوسط العمر المتوقع للإنسان نجد بان عدد الفقراء الاجمالي في اخر اربع عقود قد ازداد الى 4.2 مليار رغم ان معدل الفقر انخفض قليلا ليصل الى 55.17% من سكان العالم و معظم هذا الانخفاض في معدل الفقر كان في الصين.  وإذا استثنينا الصين فان نسبة الفقر انخفضت في اخر أربعة عقود من 62.7 في عام 1982 الى 57.3 في عام 2018 حسب خط الفقر الذي حددته الأمم المتحدة، ولكن عدد الفقراء الإجمالي قد ازداد نتيجة زيادة السكان. وجاء وباء كورونا لوحده ليدفع ب 100 مليون انسان اضافي تحت خط الفقر.

معظم الانخفاض في نسبة الفقر يحدث في الدول التي ليست رمزا للرأسمالية، أي الدول التي تشهد تدخل واسع للدولة في الاقتصاد حيث تقوم بصرف مبالغ هائلة في الاقتصاد وعلى البرامج الاجتماعية مثل الصين وبعض دول أوروبا. في الحقيقة هناك تدهور في الكثير من مقايس الرفاهية ونوعية الحياة في دولة مثل أمريكا التي تعتبر منارة الرأسمالية، وهي تتخلف حتى عن كوبا التي ترزح تحت حصار وحشي لعقود، بكل الإحصائيات التي يعتمد عليها لقياس الرفاهية الاجتماعية مثل معدل وفيات حديثي الولادة ومتوسط العمر ومعدل الامية. في الحقيقة لم تتمكن دولة في العالم تعتمد على السياسات النيوليبرالية وفرض التقشف على الطبقة العاملة من تقليل معدل الفقر رغم ان الثروة التي ينتجها المجتمع، في الحقيقة التي ينتجها العمال هي في زيادة بوتيرة هائلة. ولكن معظم فوائد هذه الزيادة في الثروة العالمية تذهب الى نسبة صغيرة في المجتمع. يعترف البنك الدولي ان خفض معدل عدم المساواة حوالي 1% في السنة سوف ينتشل عدد اكبر من سكان الأرض من الفقر، فيما اذا ازداد معدل نمو الاقتصاد بمعدل 1% اكثر من المعدل الحالي وهو امر خيالي في ظل الازمات المتوالية التي تصيب الرأسمالية.

 ان مقاييسهم للفقر فضيحة بحد ذاتها، فهي مقايس ما قبل قرون. يكلف السكن لوحده في استراليا مثلا أكثر من 200 دولار في الأسبوع للشخص الواحد ويحصل الشخص العاطل عن العمل في استراليا 40 دولار في اليوم وهو يعيش تحت خط الفقر فكيف ب 1.9 او حتى 7.4 دولار في اليوم. ان هذه المقاييس هي مقايس تجرد الانسان من انسانيته وتنظر اليه كحيوان بدون أي طموح، كل ما يحتاج اليه هو الاكل والبقاء على قيد الحياة. كيف يمكن لمقياس لمعدل الفقر في هذا العصر ان لا يأخذ بنظر الاعتبار حصول الفرد على الكهرباء والماء الصالح للشرب وخدمة الصرف الصحي إذا لم ينظر الى تطلعات الانسان بمنظار القرون الوسطى؟

ان مسالة الفقر هي مسالة نسبية، ففي مجتمع يشهد مديات فلكية من عدم المساواة لا يمكن تحديد الفقر بالحد الأدنى الضروري لإعالة الانسان.  كما ان حاجات البشر وتطلعاتهم تتغير مع التطور الذي سيحدث مع الزمن أيا كان شكل النظام الحاكم. قبل وقت قريب كان لكل العائلة تلفون واحد، اليوم لكل شخص تلفون جوال بغض النظر فيما اذا كان هذا الامر يسهم في تحسين رفاهيته ام لا. وتعتبر اليوم الكثير من المساكن التي اعتبرت فاخرة قبل عقود اكواخ. الانسان الذي يعيش في المجتمع الرأسمالي المعاصر والمحروم من تلفون وكومبيوتر ومسكن عصري الخ هو انسان فقير ومحروم.

يتباهى الرأسماليون ومؤيديهم بان الفخر يعود لهم في انخفاض معدل الفقر. في حين ان الرأسماليين يحاربون دائما ضد أي اجراء يؤدي الى تقليل نسبة الفقر مثل الضرائب على الأغنياء، المشاريع الحكومية وبرامج الرعاية الاجتماعية ورفع الحد الأدنى للأجور وإعطاء دور للنقابات ويناضلون من اجل فرض المزيد من التقشف على الطبقة العاملة وتحميلها عبئ الازمات الرأسمالية. ان أي تحسن في وضع البشرية في أي بقعة من العالم فرض على البرجوازية نتيجة نضال الطبقة العاملة والشرائح التقدمية في المجتمع.

ان اهم مشكلة مع ادعاءات مناصري الرأسمالية حول خفض معدل الفقر هي انها تستند على المقارنة مع الماضي ومع ما لم تتمكن البشرية من تحقيقه في الماضي وليس مع المستقبل ومع ما يمكن للبشرية تحقيقه في ظل نظام أكثر مساواة وعقلانية.

لم يبق للرأسمالية أي دور تقدمي منذ عقود وهي غير قادرة على حل المشاكل التي تواجه البشرية، مثل الفقر. في الحقيقية ان كل الدلائل تشير بانه ربما سنشهد تدهور في الرفاهية الاجتماعية ومعدل الفقر مع تسارع وتيرة أزمات النظام الرأسمالي وتعمقها ومع التطور التكنلوجي وزيادة معدل المكننة. ترتفع بعض الأصوات من داخل صفوف البرجوازية تدعو الى بناء نظام رأسمالي أكثر عقلانية ومساواة، ولكن في الحقيقة لقد فقد هذا النظام مدة صلاحيته وعلى البشرية تجاوزه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى