المقالاتتوما حميد

انسحاب امريكي من افغانستان بطعم الهزيمة!

توما حميد

نشهد هذه الأيام وقائع حدث تاريخي كبير وهو انسحاب القوات الامريكية من أفغانستان بعد عشرين عام وانهاء أطول حرب في تاريخ أمريكا. ان خروج هذه القوات خلسة وبدون أي مراسيم وضجة هي دلالة على الفشل الذريع للغرب وهزيمته المريرة في هذه الحرب. هناك وجهات شبه بين انسحاب القوات الغربية من أفغانستان وانسحاب قوات الاتحاد السوفيتي منه قبل أكثر من 30 عاما. لقد اعترفت الإدارة الامريكية بانه لا يوجد إحساس بان ” المهمة أنجزت”.  ان هزيمة أمريكا في أفغانستان هو أكثر وضوحا من هزيمتها في العراق.

في ذروة الحملة الغربية بقيادة أمريكا عام 2011، نشر أكثر من 98 ألف جندي أمريكي وحوالي 41 ألف جندي من قوات التحالف في أفغانستان الى جانب 300 ألف جندي أفغاني. وعمل حوالي 120 ألف متعاقد خاص في أفغانستان، من بينهم ما يقرب من 23 ألف موظف في شركات عسكرية أمريكية خاصة.  أنفق في 20 عاما 2.25 ترليون دولار وقتل 2448 وجرح أكثر من 20 ألف جندي امريكي، كما قتل أكثر من 110 الف أفغاني. فما الذي تحقق في النتيجة؟

من وجهة نظر الحكومة الامريكية، أصبح التدخل الامريكي في أفغانستان عبأً عسكريا واقتصاديا واستراتيجيا وسياسيا دون ان يكون قادرا على تغير الواقع او تحقيق أي شيء مهما طال امده، لذا فانه من المنطقي الانسحاب اليوم قبل غد. تقول الإدارة الامريكية بان الهدف الأساسي للولايات المتحدة في أفغانستان منذ عام 2001 كان تقليل خطر الارهاب ضد الولايات المتحدة وحلفائها وهزيمة طالبان. كان هذا الهدف أقرب للتحقيق بعد أشهر من التدخل الأمريكي من اليوم. لو انتهى التدخل الأمريكي بعد أشهر من التدخل لكان هذه الهدف أكثر قربا من التحقيق. رغم ان أمريكا قد وجهت ضربة لقدرات القاعدة، هناك اليوم خطر جدي من صعود المجاميع الإسلامية الإرهابية مثل داعش والقاعدة من جديد رغم ان هذا الصعود سوف يتأثر بشكل كبير بسبب توقف تدفق الأموال السعودية على هذه المجاميع. لم تحقق أمريكا هدفها في هزيمة طالبان، إذا ان كل المؤشرات تدل، بان تصبح طالبان القوة الأساسية في المشهد السياسي الافغاني في وقت قصير جدا، وربما ستحكم أجزاء واسعة من افغانستان. كما ان الحرب في أفغانستان والعراق خلقت مادة بشرية داخل الولايات المتحدة لمنظمات اقصى اليمين التي قد تشكل خطر على النسيج الاجتماعي داخل البلد.

ان المستقبل الذي ينتظر أفغانستان هو قاتم الى حد بعيد. تتوفر كل العناصر التي تضمن بروز مرحلة جديدة من حرب أهلية دامية وطويلة الامد. فكل الدلائل تشير بان الحكومة التي نصبها الغرب في كابول قد تنهار وسوف تملي طالبان الجزء الأكبر من فراغ القوة الذي سينتج من انسحاب القوات الغربية. تمكنت طالبان من السيطرة على 10% من أراضي أفغانستان في غضون أسبوع واحد دون قتال او بعد قتال بمعنويات منهارة من القوات الحكومية رغم انها لم تسيطر لحد الان على اي من المراكز السكانية الكبيرة. اذ تسيطر طالبان او تنافس على 80% من مقاطعات أفغانستان، وتحاصر عدد من المدن الكبيرة. فاليوم، كل الأوراق هي في يد طالبان، رغم الرفض الشعبي لها في أجزاء كبيرة من افغانستان. ان المستقبل الذي ينتظر النساء بشكل خاص هو كئيب الى حد لا يوصف، اذ لا يوجد أي دليل بانه سيكون بإمكان أكثر من 3.3 مليون فتات التي تتلقى التعليم في الوقت الحاضر من الاستمرار اوان تستمر الحريات المدنية المحدودة والانفتاح الاجتماعي المحدود الموجود في مناطق معينة من أفغانستان. سيكون هناك اضطراب في حياة مئات الألاف من الأفغان الذين رتبوا حياتهم على أساس وجود القوات الغربية. كما ان مصير الكثير من الأفغان الذين ساعدوا وتعاونوا من القوات الاجنبية في مهمتها هو غير واضح لحد الان وعددهم بألاف.

لقد كشفت ما سميت ” بأوراق افغانستان” بان المسؤولين الأمريكيين كانوا يكذبون بشكل متقصد ومنهجي منذ بدايات الحرب على أفغانستان حول فرص النجاح. لقد كانوا على علم بان كل المهمة في أفغانستان كانت غامضة وهي عبارة عن سلسلة لا متناهية من الإخفاقات ولكن اصروا على تقديم تصوير مخادع عن الوضع وكون مسالة تحقيق النصر مسالة وقت. رغم هذا لم يتم محاسبة أي من قادة أمريكا العسكريين او السياسيين حول هذه القضية. 

سوف تلاحق أمريكا وجيشها حقيقة مرة وهي انها عجزت من النصر في حرب استمرت لعشرين سنة، ضد قوة هامشية من الناحية العسكرية مثل طالبان.  ان الشيء الإيجابي الوحيد في هزيمة أمريكا في هذه الحرب، هو انه سيحجّم قدرتها لسنوات عديدة من الخوض في تدخلات عسكرية من هذا الشكل في بلدان العالم. سيكون للهزيمة في أفغانستان وقبلها في العراق وقع كبير على طريقة تفكير وتصرف قادة أمريكا في المستقبل.  لم يعد من السهل على البرجوازية الامريكية والغربية بشكل عام نشر انطباع بان أمريكا والناتو هي قوى تنشد التغير الإيجابي في العالم. ستبقى دول مثل أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا شواهد حية على همجية هذه القوى لعقود قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى