فارس محمود

بمناسبة حلول ذكرى ثورة اكتوبر الاشتراكية، عام 1917

فارس محمود

أي درك يغدو العالم بدون نداء الاشتراكية، بدون أمل الاشتراكية وبدون “خطر” الاشتراكية…”

منصور حكمت، تاريخ غير المهزومين

………………………اين تكمن منجزات ثورة اكتوبر حسبما اراها. ان ثورة اكتوبر حدث عالمي كبير. ويمكن عدها احد اهم احداث القرن المنصرم. انها عالمية الابعاد. قام بها العامل الروسي ليغير حياة مليارات من البشر الذين لا تربطهم اي قرابة جغرافية بروسيا..

بإعلان العمال بقيادة لينين وحزبه الثورة في اكتوبر 1917 والخروج من الحرب، صانت حياة ملايين العمال من المذابح الدموية في جبهات الحرب الامبريالية من اجل الهيمنة وتقاسم الثروات، ثورة لا تتعلق بحياتهم وامالهم بحياة افضل. انها اول من رفعت راية انهاء استغلال الانسان للإنسان ومحو الطبقات. انها اعلنت ان السلطة في المجتمع ليست بيد الاحزاب، بل بيد مجالس كادحي ومنتجي المجتمع. السلطة بيد الجماهير وليس وكلائها. تصدت للدين وابعدته عن التربية والتعليم. رفعت راية المساواة التامة بين المرأة والرجل واججت عبر ذلك نضالات المرأة في اوربا وامريكا من اجل حقوقها. ففي الوقت الذي كانت اوربا وامريكا المتقدمتين تتنكران لحق المرأة في التصويت، كانت كولنتاي وزيرة في حكومة السوفيتات!! باقرار قانون المساواة المذكور، تلقت نساء اوربا وامريكا زخما هائلاً من اجل اقرار حق التصويت للنساء. في الوقت الذي كانت الحكومة المجالسية تلغي اي شكل من اشكال التمايز بين البشر، كان السود يغطون في العنصرية في امريكا ويحرموا من حق التصويت ويجرم زواج البيض والسود. الغت اي اشكال التمايز بحق الاطفال الذين جاءوا لعالمنا هذا سواء عبر الزواج او خارجه. انها اول دولة اقرت حرية الراي والتعبير، هذا الحق الذي ان اقرت به الرأسمالية اليوم، لا يتعدى هذا الاقرار شكله الصوري. لم ترهن هذا الحق بالملكية، بل بعموم الجماهير. اقرت التعليم المجاني، حق التنظيم، حق اي انسان بغض النظر عن المكان الذي قدم منه ان ينال حق المواطنة ان اقر بالشروط العادية للمواطنة. اقر بحق “الاجانب” في الحصول على حق اللجوء ان تعرضوا الى اي ضغط سياسي او ديني و…الخ في بلدانهم، كل هذه من منجزات هذه الثورة التي، وقبل 87 عام، كانت اكثر تقدما من ارقى البلدان المتقدمة اليوم.

اما على الصعيد العالمي، بدون ثورة اكتوبر يستحيل ادراك وفهم الثورات والانتفاضات العمالية التي اعقبتها في اوربا. ان انتصار العمال في روسيا اعطى زخم نضالي لا حدود له لعمال اوربا. أدرك العمال ان رفاقهم قد انتزعوا السطة في روسيا القيصرية. كان هذا يعني ان ثمة امكانية واقعية لانتزاعها في بلدانهم. ان ثورة 1918 في المانيا، الجمهورية الاشتراكية لمجالس ميونيخ، انتفاضة عمال هامبورغ، انتفاضة عمال فينا في النمسا وصولاً الى الثورة العمالية في هنغاريا، تشكيل الجبهة الشعبية في فرنسا، وجمهورية اسبانيا ومجالس عمال برشلونة… وغيرها لا يمكن تصور قيامها دون اكتوبر. ان مجمل هذه الثورات والانتفاضات لم تكن حركات عابرة، بل حركات تركت تأثيرات عميقة على مجتمعاتها وفرضت توازن جديد للصراع بين العمال ومن خلفهم مجمل الجماهير والطبقة الحاكمة سواء على الصعيد المحلي ام العالمي بصالح العمال والجماهير الكادحة والمحرومة.

حول المسالة القومية، لا يمكن فهم مرسوم الرئيس الامريكي ولسن حول حق الامم في تقرير مصيرها والصادر عام 1918 دون فهم دور ثورة اكتوبر بهذا الصدد. ان حل ثورة اكتوبر للمسالة القومية في روسيا بشكل انساني ومتمدن عبر اقرار حق الامم بتقرير مصيرها، اعطى دفع نضالي للحركات الداعية للاستقلال والخلاص من الاستعمار على الصعيد العالمي.

بعد الحرب العالمية الثانية، ومع توسع العلاقات الراسمالية الى ابعد نقاط العالم، شهدنا شيوع افكار ثورة اكتوبر. لو ننظر الى ثورات التحرر لبلدان ما يسمى بالعالم الثالث لرأينا، وعلى الرغم من الافاق القومية الواضحة عليها، مدى وعمق تأثيرات اكتوبر عليها. اذ في معظم هذه البلدان، قامت معظم الحركات الاجتماعية بطرح نفسها بقالب اشتراكي. تحت راية الاشتراكية واسم الاشتراكية مضت للميدان في صراعها من اجل انهاء الاستعمار ومقاومته. تشكلت الاشتراكية الافريقية وتحولت الى قوة اساسية في المعادلات السياسية لبلدانها.

على صعيد العالم كله، من نضالات السود والملونين في امريكا، النضال من اجل انهاء التمييز الجنسي في جنوب افريقيا، النضالات العمالية العالمية من اجل تحسين ظروف الحياة، نضالات المرأة، الدعوة للمساواة القومية ومناهضة التمييز القومي كلها اتسمت بطايع الاشتراكيين، وقادها الاشتراكيين. أصبح يترادف اسم اي داعية للمساواة الاجتماعية والعدالة والتقدم فوراً بـالاشتراكية والعمل الاشتراكي.

لقد تركت ثورة اكتوبر تأثيرات كبيرة على الحركة المطلبية العالمية والداعية لتحسين ظروف الحياة. بدون ثورة اكتوبر، لم يكن مطلب (يوم عمل من 8 ساعات) امرا يسير التحقيق. كلنا يعلم كيف كان جواب الطبقة الحاكمة على عمال شيكاغو المطالبين بتحقيق هذا المطلب، اغراق تظاهرتهم بدماء المئات منهم عام 1886. لقد حققت اكتوبر ذلك وانجزته. حين تحقق هذا المطلب في بلد متخلف مثل روسيا، لم تستطع البرجوازية المقاومة اكثر امام هذا المطلب وتأججت مطالبة العمال. ان ثورة اكتوبر اعطت فرصة تاريخية مهمة لعمال البلدان المتقدمة مثل فرنسا والمانيا وبريطانيا وامريكا لنيل هذا المطلب.

فيما يتعلق بحق السكن. ان ثورة اكتوبر من جعلته حق. ان اكتوبر هي التي ثبتته في اغلب البلدان الغربية بوصفه حق مسلم به للإنسان. لم تقر به البرجوازية بطيب خاطر، بل خوفاً من الثورة. الامر ذاته يصح على الخدمات والضمانات الاجتماعية، ضمان البطالة، التقاعد، دعم الدولة للخبز وسائر الضروريات المعيشية والحياتية وحتى الرفاهية. فبدون الخبز المدعوم مثلا، بوسع المرء ان يتصور كم يجب على الانسان ان يشقى ويكدح كي يسد رمق عائلته؟! خلاصة القول، بدون اكتوبر، لكانت قد تحولت لائحة الملايين الذين يموتون جوعاً في العالم اضعاف ذلك. ان بقاء هؤلاء الملايين في انحاء العالم على قيد الحياة مدين لثورة اكتوبر. ان انقاذ هؤلاء الملايين الذين من الظاهر انهم لا يمتون باي صلة تذكر بروسيا مدين لثورة لينين ورفاقه.

بدون اكتوبر وشبح اكتوبر، ليس لدولة الرفاه اي معنى. ان دولة الرفاه التي سادت لعقود في اوربا هي نتاج اختلال التوازن الاجتماعي لصالح العامل والذي فرضته ثورة اكتوبر نفسها. بزوال اثار اكتوبر، زال اثر دولة الرفاه.

فيما يتعلق بحق التنظيم والاضراب، يصح الامر كذلك. لقد اقرت البرجوازية ذلك خوفا من المارد العمالي، خوفا من تطاول العامل على سلطتها. ففي المانيا، لم يكن بدا من البرجوازية التي سحقت ثورات العمال في 1918-1919 بشكل دموي وشرس من ان تقر قانون المجالس المعملية للعمال وحق العمال في التنظيم في المجالس المعملية والنقابات.

انظر الى اعمال القتل وحمامات الدم الجماعية العرقية والدينية والعشائرية التي استشرت الان، ان لجم هذه الحركات لعدة عقود يعود لثورة اكتوبر، لقد فرضت اكتوبر التراجع على القومية والدين وهمشتهم الى حد كبير وذلك لما اشاعته من افكار “الاخاء” و”الاممية” و”الانسانية” على الصعيد العالمي. ان حفظ حياة الملايين في افريقيا ويوغسلافيا وغيرها نابع من هيمنة الافكار والتقاليد التي اشاعتها الثورة. لجمت اكتوبر ولعدة عقود هذا المسار الدموي.

لولا ثورة اكتوبر، لكان العالم أكثر حلكة وظلاماً. ثورة، ولشدة رعب الغرب “الديمقراطي” و”الداعي لحقوق الانسان”، كان يحرم مواطنيه من السفر الى بلدها او يضع العوائق الجدية امام سفر مواطنيه الى هناك خوف من الاطلاع على ماذا تعني ثورة اكتوبر بالضبط.

ان هذه الثورة قد اخفقت في اقامة المجتمع الاشتراكي والبناء الاقتصادي للمجتمع بعد ما يقارب عقد من انتزاع العمال للسطلة السياسية في اكتوبر 1917. ولكن حتى بإخفاقها هذا، جعلت البشرية تنعم بخيرات الثورة والنفوذ المعنوي والسياسي لأفكار الثورة وقرارات مجالسها لعدة عقود. اليوم يتبين للجميع، ان انهيار بلد الثورة (الاتحاد السوفيتي) رافقه هجمة شاملة للبرجوازية العالمية على مجمل مكتسبات الثورة على الصعيد العالمي. اليوم كل شيء عرضة لتطاول البرجوازية العالمية واولها افكار المساواة والعدالة، والتحرر والامان الحياتي والاقتصادي. ان الثورة اخفقت بيد ان اهداف الجماهير وامالها بحياة أفضل هي ابعد من ان تهزم، هذه الآمال والاهداف التي اعطتها ثورة اكتوبر معنى عملي واكدت امكانية نيل البشر لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى