المقالاتعادل احمد

تونس، ثورة في الثورة أم انقلاب على الثورة؟

عادل احمد

كتب كارل ماركس في بداية كتابه الثامن عشر من برومير لويس بونابرت.. (يقول هيغل في مكان ما أن جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تظهر، إذا جاز القول، مرتين. وقد نسى أن يضيف: المرة الأولى كمأساة والمرة الثانية كمسخرة ). العسكر-سعيد مكان العسكر-سيسي والإخوان التونسي مكان الإخوان المصري، وأخيرا تكررت تجربة الانقلاب العسكر- سعيد في تونس على الإخوان المسلمين وتحاول ابعاد كل ما يتعلق بالثورة التونسية في السلطة السياسية. وترسم صورة هذا الحدث في وسائل الإعلام البرجوازية المحلية والغربية ، كأنه صاعقة في السماء الصافية …

ان احداث الثورة التونسية في عام ٢٠١١ كانت مختلفة عن بقية الأحداث بما يسمى بالربيع العربي على الرغم من الدعم الغربي للإخوان المسلمين في المنطقة وخاصة المشروع الأمريكي بإبراز الغنوشي وإدماجه في ما يسمى بالعملية الديمقراطية في تونس. وان من اهم العوامل الرئيسية التي تميز تونس عن بقية الدول في الربيع العربي هو وجود الطبقة العاملة التونسية بشكل منظم المتمثلة باتحاد العام التونسي للشغل وهي منظمة عمالية نضالية لها وزنها وتأثيرها على المجتمع التونسي. ان تأثير هذه المنظمة على سير حركة الثورة ومن ثم الحكومات المتعاقبة بعد الثورة تأثيرا ظاهرا للعيان وكانت دائما طرفا في النزاع الاجتماعي والسياسي للمجتمع التونسي، على الرغم من عدم تمكنها لحسم الأمور دائما لصالح الطبقة العاملة والجماهير المعدومة والكادحة ولكنها تترك بصماتها الواضحة على كل القرارات والسياسات التي اتخذت من البرلمان او الحكومة او من الرئيس. وان هذه الخاصية كانت غائبة في الثورة المصرية وكذلك في الأحداث الأخرى في ليبيا وسوريا واليمن.

ان وجود ظاهرة الطبقة العاملة المنظمة في تونس كانت دائما هاجس الطبقة البرجوازية التونسية والعالمية وادركوا مخاطر هذه الطبقة العاملة المنظمة اذا تقدمت الى الإمام وتوضحت رؤيتها العمالية والسياسية وانفصلت كليا عن الأفق البرجوازي والخروج من النطاق النقابي والاتحادي الصرف والتوجه نحو المسار السياسي العمالي والاشتراكي… ان كل هذا يمثل مخاطر تلمسها الطبقة البرجوازية التونسية والغربية وتحاول إبعاد اتحاد التونسي للشغل في الميدان السياسي وحصره فقط في بعض المطالبات الاقتصادية للطبقة العاملة وتحسين مستوى المعيشي للعمال التونسي.

ان الإخوان المسلمين في تونس بقيادة الغنوشي ادركوا خطورة قوة ودور الطبقة العاملة ولذلك حاولوا ان لا تتصادم مصالحهم مباشرة مع مصالح الطبقة العاملة وان ينظر اليه كعامل وسيط لاتفاقات والتوافقات السياسية في السلطة البرجوازية وليس كطرف مؤثر ومشارك في السلطة الفعلية. بما ان الطبقة البرجوازية التونسية مثل بقية الطبقة البرجوازية في المنطقة غارقة في الأزمة الاقتصادية والسياسية، ولا يوجد لديهم أفق واضح للخروج من هذه الأزمة والتي هي في الحقيقة ازمة عالمية ولا توجد لديهم أية رؤية واضحة لإخراج الاقتصاد المتأزم وحل أزمة البطالة والفقر المليوني والغلاء الفاحش والتي كانت نفس هي الأرضية والسبب لحدوث الثورة التونسية وسقوط حكومة بن علي …

ان عدم إجابة الطبقة البرجوازية على مطالب الثورة الشعبية منذ اندلاعها ومع وجود مراقب عمالي في اتحاد العام التونسي للشغل على الحكومة ، كانت الحكومة تدور حول نفسها وكانت منشغلة بتوازن بين الأطراف المتصارعة في السلطة الرئيس من طرف والبرلمان بقيادة الإخوان والنواب اليساريين من طرف اخر والصراعات كانت مستمرة حتى وصلت الى إدانات احدهما للآخر في كل مرة ونزلت كل هذه الصراعات الى الشارع والجماهير واستقطب المجتمع حول هذه الصراعات. وأخيرا كانت على وشك ان تنفجر الأمور مرة أخرى وان تستمر الأحداث نحو الثورة الجديدة لكنس كل مخلفات وعناصر الثورة عام ٢٠١١ من الطبقة البرجوازية وان ترسخ الطبقة العاملة والجماهير الكادحة التونسية مطالباتها الاقتصادية والسياسية في العيش بالرفاه والأمان والقضاء على البطالة والفقر المدقع، حدثت انقلاب العسكري- سعيد على الحكومة بحجة الحفاظ على ما تبقى من الثورة التونسية.

في الحقيقة ان هذا الانقلاب هي انقلاب على الثورة. ان الرئيس قيس سعيد قام بهذا الانقلاب على الإخوان كتكرار لتجربة السيسي على الإخوان في مصر والقضاء التام على الثورة التونسية وفرض الاستبداد والقمع على المجتمع بحجة خطورة الإخوان المسلمين والغنوشي على مسار الثورة ومن ثم تحجيم دور وتأثير اتحاد العام التونسي للشغل على الأحداث السياسية في المجتمع وبعدها البدء بخطوات صندوق النقد الدولي والاستثمارات الغربية في تونس على حساب دماء وحياة الطبقة العاملة التونسية… ان تجربة السيسي في المصر تجربة حية وواضحة امام عيوننا، كيف استطاعت ان ترجع الأوضاع الى ما قبل الثورة المصرية بل واشد من قبل من ناحية فرض الاستبداد والقمع السياسي واسترجاع ازلام السلطة السابقة ودور الجيش من جديد في حياة الناس او من الناحية الاقتصادية لفرض البطالة والفقر والغلاء اكثر وتحقيق برنامج صندوق النقد الدولي والاستثمارات الغربية في مصر. ولم يبقَ من الثورة المصرية الا الاسم. ويحاول الرئيس قيس سعيد تكرار ما حدث في مصر بإبعاد الإخوان المسلمين من السلطة ومن ثم فرض أجواء القمع والاستبداد على المجتمع التونسي بنسخته الكاريكاتورية والكوميدية…

ان هذا الانقلاب ليس غير متوقع وانما هي تحصيل حاصل للثورة والثورة المضادة حتى وان يكن بعد عشر سنوات من الصراعات والمواجهات السياسية بين أطراف الصراع بين الطبقة البرجوازية التونسية بكل اشكالها الإسلامية والقومية والليبرالية والإصلاحية والتي تحاول استرجاع الأوضاع الى ما قبل الثورة وبين الطبقة العاملة التونسية المنظمة تحاول ان تتقدم الى الإمام بدون توقف وان تحقق مطالب الجماهير المحرومة من الفقر والبطالة والغلاء وانهاء الاستبداد السياسي على المجتمع. ان خطوة الانقلاب ليس ثورة في الثورة كما يدعي أصحابها وانما هي انقلاب على الثورة التونسية ومحاولة استرجاع الأوضاع الى ما قبل الثورة والى أوضاع حكومة بن علي الاستبدادية والقمعية وفرض المجاعة والتي أحرق محمد البوعزيزي نفسه من خلالها لبدء الشرارة في الثورة التونسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى