المقالاتتوما حميد

لماذا فشلت الرأسمالية في مواجهة التغيّر المناخي ؟ الجزء الثالث

توما حميد

التغيّر المناخي قضية طبقية!

تعتبر قضية التغيّر المناخي قضية طبقية كبيرة وحاسمة وهي قضية الطبقة العاملة بالذات لعدة أسباب. فمن جهة، الأغنياء هم مسؤولون عن معظم انبعاثات غازات الدفيئة. فحسب  تقرير للأمم المتحدة ينتج اغنى 1% في العالم  من الغازات الدفيئة ضعف ما ينتجه افقر 50% من السكان. كما يقدر بان اغنى 10% مسؤولون عن 50% من غازات الدفيئة، واغنى 1% مسؤولون عن 20% من غازات الدفيئة، في حين ان افقر 50% من سكان العالم هم مسؤولون عن 10% من غازات الدفيئة فقط. كما ان الأغنياء مسؤولون عن اغلب الزيادات في انبعاثات غازات الدفيئة في العقود والسنوات الاخيرة، فمثلا اغنى 5% هو مسؤولون عن 37% من الزيادة في غازات الدفيئة في اخر 25 سنة.

ويمكن مشاهدة هذه الحقيقية بشكل صارخ كل يوم. فلا يتسبب الجميع في انبعاث نفس كمية غازات الدفيئة. فالعامل الفقير الذي يذهب الى عمله مستخدما وسائل النقل العام لا يتسبب في نفس كمية غازات الدفيئة التي يتسبب بها مدير شركة احتكارية يجوب البلد او حتى العالم في طائرة خاصة. كما ان هناك فرق كبير بين مقدار الانبعاثات التي تنم عن نمط حياة عامل يكافح من اجل البقاء بما فيها استخدامه للطاقة في البيت ومقدار الأشياء التي يقتنيها والعطل التي يقضيها بالمقارنة مع نمط حياة انسان غني تحول البذخ وانفاق الطاقة الى جزء من شخيصته. 

كما ان الدول الغنية والمتقدمة تسببت وتتسبب بكمية اكبر من انبعاثات غازات الدفيئة من ناحية نصيب الفرد ومن الناحية التاريخية بالمقارنة مع الدول الفقيرة بما فيهم الهند والصين.  فاليوم أكبر مصدر لانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون في العالم من حيث نصيب الفرد هي البلدان الرئيسية المنتجة للنفط وخاصة تلك التي لها حجم سكاني منخفض والتي تتمتع بمستوى معيشي عالي. فالمتوسط العالمي للانبعاثات في 2017 مثلا كان 4.8 طن للفرد الواحد، في حين شهدت قطر اعلى نسبة من الانبعاثات في العالم عند 49 طن للشخص الواحد. كما ان دول غنية مثل استراليا (متوسط نصيب الفرد 17 طنا) والولايات المتحدة ( 16.2 طن) وكندا (15.6 طن) هي من الدول التي تشهد معدلات عالية للانبعاثات من حيث نصيب الفرد و اجمالي الانبعاثات اذ يوجد علاقة قوية بين الدخل ومستويات المعيشة العالية وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون للفرد. في حين ان هذه النسبة في الهند مثلا هي 1.9 طن وفي الكثير من البلدان الفقيرة هي اقل من الطن الواحد بكثير. من جهة أخرى بدأت بعض الدول في زيادة استخدامها للوقود الاحفوري منذ الثورة الصناعية في حين ان دول أخرى لم تبدأ في استخدام الوقود الاحفوري الى في أوقات متأخرة نسبيا ولذلك من الناحية التاريخية الدول الغنية تسببت في مقادير اكبر من الانبعاثات بالمقارنة مع الدول الفقيرة والمتخلفة.  في الحقيقة تسببت حوالي 100 اكبر شركة احتكارية في 71% من الانبعاثات منذ 1970 ومعظمها هي شركات لدول غنية.

طبعا، تلعب مصادر الطاقة التي يختارها البلد دورا مهما أيضا في مقدار الانبعاثات، فمثلا ان الدول الاوربية التي تتمتع بمستوى معيشي عالي، لديها انبعاثات قريبة من المتوسط العالمي مثل فرنسا ( 5.8 طن) وبرتغال (5.3) وبريطانيا ( 5.8 ) اذ يتم انتاج معظم الكهرباء من المصادر النووية والمتجددة. ففي عام 2015 جاءت نسبة 6% فقط من الكهرباء في فرنسا من الوقود الاحفوري مقارنة بنسبة 55% في المانيا مثلا.

من جهة أخرى، تعتبر الطبقة العاملة والفقراء بشكل عام أكثر المتضررين من عواقب التغير المناخي. فعدا الموقع الجغرافي، يعتبر الدخل والثروة اهم عامل يحدد مدى التضرر من عواقب التغير المناخي وإمكانية تجنبها، والقدرة على التعافي منها وهذا سبب أساسي في تلكؤ الرأسماليين في القيام بإجراءات جدية. اذ للأغنياء قدرة أكبر لحماية أنفسهم من عواقب التغير المناخي مثل بناء بيوت تقاوم الاحداث المناخية المتطرفة مثل الأعاصير وإعادة البناء وحماية انفسهم من موجات الحرارة العالية، وشراء عقود تامين جيدة، وتحمل الأسعار العالية التي تنتج عن ندرة المحاصيل الخ. 

في الحقيقية فقد بدأ الأغنياء فعلا بإجراءات تحميهم من عواقب التغير المناخي عندما يسوء الوضع.  مثل بناء الملاجئ وتجهيزيها التي تحمي من نيران الغابات و شراء البيوت بعيدا عن الأماكن المعرضة للخطر مثل ارتفاع مستوى سطح البحر وحتى شراء البيوت في دول اخرى وقد بدأت تظهر غيتوات للأغنياء لأسباب مناخية.

كما ان رغم ان التغير المناخي سوف يؤثر على كل منطقة وكل بلد حول العالم بما فيه الدول الغربية الغنية، ولكن المعاناة ستكون اكبر بكثير في الدول الفقيرة التي تفتقر الى البنية التحتية، والأموال والتكنلوجيا اللازمة للتأقلم والتصدي لتغير المناخ و الاحداث المناخية  المتطرفة.

كما ان بعض الدول واغلبها دول فقيرة ومتخلفة هي لأسباب جيوغرافيه أكثر عرضة للتأثر بالتغير المناخي مثل التصحر والانغمار بالمياه نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر والارتفاع المفرط في درجة الحرارة. في حين ان الدول الغنية بإمكانها حماية نفسها بشكل أفضل نسبيا ضد عواقب التغير المناخي. وهي تقوم أيضا ببناء أنواع من الجدران على حدودها للإبقاء على ضحايا التغير المناخي خارج حدودها.  

لهذه الأسباب نجد ان الكثير من الافراد والشركات والدول التي تستفاد من الإبقاء على الوضع الحالي يعرقلون العمل المناخي رغم ان هذا يعني تدمير الكوكب و تهديد مصير مئات الملايين من البشر. لهذا لا نستغرب ان تحاول دول مثل السعودية وأستراليا واليابان التأثير على الأمم المتحدة لتعديل التقرير العلمي الأخير الصادر عن الهيئة المعنية بتغير المناخ  او تصرف شركات الوقود الاحفوري المليارات للتأثير على الحكومات من اجل تميع الخطط الوطنية لمواجهة تغير المناخ وصرف الملايين على دراسات مزيفة من اجل تضليل الجماهير من اجل كسب دعمها للإبقاء على الوضع الحالي.

لهذا يعد التغير المناخي قضية طبقية وهي قضية الطبقة العاملة بوجه الخصوص لأنها اكثر المتضررين من عواقبه. فهي قضية الاختيار بين مصالح الغالبية العظمى من البشرية مقابل أرباح انية لحفنة صغيرة نسبيا حول العالم التي تأمن بان بإمكانها حماية نفسها ضد اثار التغير المناخي.

مثل كل القضايا الكبرى سوف لن يأتي التغير في هذا الميدان دون نضال القوى التقدمية والشيوعيين والاشتراكيين، فنفس الفئة التي تمسك بالثروة وبالسلطة والتي لها دافع للإبقاء على الوضع الحالي هي الفئة التي يجب ان تغير نمط حياتها واولوياتها وطريقة الإنتاج واستخدام الطاقة وهو امر لن يحدث بسهولة. يجب ان يتعامل الشيوعيون والاشتراكيون مع هذه القضية كقضية طبقية مصيرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى