المقابلات

مقابلة جريدة (إلى الأمام) مع سمير عادل حول تبني الهوية العلمانية للدولة السودانية وأهميتها في المنطقة.

:الجزء الثاني

الى الامام: كيف انعكس هذا المشروع في الإعلام العربي، وكيف تنظر اليها الانظمة القومية العربية التي تمسكت على طوال تاريخها بالدين والشريعة الاسلامية كجزء من هوية دولها؟

سمير عادل: ان البرجوازية في كل المنطقة تعاني من مأزق الهوية. فلقد تأرجحت بين الهوية الاسلامية والطائفية والقومية الاسلامية، أنها تبحث عن هوية بإمكانها تحقق الاستقرار السياسي والاجتماعي والحيلولة دون انفجار التناقضات الاجتماعية، لدفع الاستثمارات الرأسمالية وعجلة نموها الى الامام. ان الانظمة القومية البرجوازية في كل المنطقة جربت حظوظها بتبني الهوية الاسلامية ورفعتها بوجه معارضيها ومخالفيها وخاصة في حقبة الحرب الباردة. لقد نجحت تلك الهوية بوقف المد التحرري واليساري في المنطقة في تلك المرحلة. الا ان العالم بعد الحرب الباردة تغيير على الصعيد السياسي والاقتصادي وعلى الصعيد التكنولوجي والتطور المعلوماتي.

 إن الإسلام كايدلوجية، بات فاقد الفعالية في تعبئة المجتمع، وإن أوج ما وصلت اليها هذه الايديولوجية هو النموذج السعودي والايراني والسوداني والتركي واخيرا نموذج دولة الخلافة الاسلامية المعروفة بداعش. ان الطبقة البرجوازية واعية في هذه البلدان لمأزق الهوية الايديولوجية الاسلامية الى جانب مأزق بطانتها الداخلية وهي الطائفية ( وهي الاخرى فشلت في حسم صراع النفوذ بين القوى الاقليمية منذ الحرب الاهلية الطائفية في العراق ومرورا بما سمي بالربيع العربي وانتهاءً بسيناريو داعش في العراق وسورية)، ولذلك راحت كل دولة منها تحذو حذوها، وتحاول اما تلطيف هذه الهوية عبر وضع الرتوش عليها او بتقويض المؤسسات التي تحميها، وبدأت تخرج الشريعة الاسلامية شيئا فشيئا والجماعات التي تبنتها من الخدمة او قامت بتقويض خدمتها. فالسعودية كانت في مقدمة تلك الدول قامت بتقويض دائرة تمادي الشريعة الإسلامية وتطاولاوتها على حياة البشر، فجذب الاستثمارات السياحية والعبور بالسعودية من اقتصاد انتاج النفط  الى اقتصاد آخر يأمن مستقبلها بعد اسدال الستار عن هذه الصناعة خلال الخمسين السنة القادمة، عالم جذب الاستثمارات في مجال السياحة وفتح أسواقها بشكل مباشر أمام العالم، فلابد للطبقة الحاكمة في السعودية من فرض التراجع على المؤسسة الدينية الحاكمة وقص أجنحتها. وها هي الإمارات وعلى لسان سفيرها المعروف بواشنطن يوسف العتيبة في لقاء مع معهد هوفر التابع لجامعة ستانفورد يقول بانه مع علمانية الدولة و أن الإمارات تدافع عن هوية الدولة العلمانية. هذه  هي اللغة الجديدة على الامارات التي كانت لفترة معينة تدعم العصابات الاسلامية الارهابية في العالم وتحتضن جماعة الإخوان المسلمين. أما الجمهورية الاسلامية في ايران فغيرت هويتها الاسلامية مرتين، مرة بالهوية الطائفية، واخرى بمحور المقاومة والممانعة. اما النموذج التركي فها هو يعيد حزب العدالة والتنمية الذي دعم اعلان داعش لخلافته الاسلامية في الموصل وقام بمد كل الجماعات الاسلامية الارهابية في سورية الاسناد اللوجستي والعسكري والامني والمالي والسياسي، فها هو اليوم يحاول لعق جراحه في ليبيا والبحر المتوسط ويتنازل عن حلمه القومي بإحياء دولة الخلافة العثمانية  ويقدم اخوان المسلمين قرابين على مذبح المصالحة السياسية مع مصر، وقد دشنه بمنع البرامج السياسية التحريضية ضد نظام السيسي في فضائيات الإخوان وهي (الشرق و مكملين) التي تبث من اسطنبول، وهناك تسريبات اعلامية بأن اردوغان اما سيرحل الزعامات الاخوانية من تركيا او سيسلم قسم منهم الى النظام المصري كعربون صداقة جديدة.

 أن رياح هذا التغيير صاحبه تطور هائل وعظيم على صعيد تبادل المعلومات والانترنيت وبات العالم غير معزولا عن بعضه مثل القرن المنصرم، واصبح واحدً بفضل التطور التكنولوجي. وان هذا لعب دور بالتأثير على الجيل الجديد في منطقتنا ويدعم طموحاته واحلامه، وبات يناضل من اجل التحرر من الدين وكل المنظومة الاخلاقية والاجتماعية والسياسية التي تحرسه. تحول اليوم الدين وخاصة الإسلام كأيديولوجية ومشروع اقتصادي وسياسي واجتماعي الى مرادفات  للإرهاب والافقار والفساد والظلم بكل اشكاله في نظر وذهن الأغلبية المطلقة من مجتمعات البشرية في العالم.

ان هذا التغيير انعكس في لغة وخطاب الانظمة السياسية والذي انعكس ايضا في الاعلام العربي الرسمي الحكومي، فتارة نسمع بحوار الاديان، ومرة بان الارهاب ليس له دين، واخرى تجميل وجه الدين وتأويل تفسير اركانه مثل القرآن او اضافة وابتكار أحاديث نبوية جديدة تحل كذا وتحرم كذا حسب مقتضيات الضرورة السياسية،  والآن يعزفون بكل صلافة على وتر العلمانية التي ألصقوا بها تهمة الالحاد لإقامة الحد على كل من يطالب بها او يروج لها. ولذلك وعلى ضوء هذه التغييرات لم تقلب الدنيا ضد تبني الطبقة الحاكمة في السودان الهوية العلمانية، وتعاملت معها كحدث سياسي عابر مثل بقية الاحداث السياسية.

الى الامام: كيف ينظر الحزب الشيوعي العمالي العراقي الى هذا التطور المهم في السودان وكيف سينعكس على المنطقة؟

سمير عادل: لاشك ان هذا التطور مهم، واقصد بشكل ايجابي. إن العلمانية بالنسبة لنا مهمه  ونرحب بها في السودان وعلى صعيد دول الشرق الأوسط والتي ابتلت الدول التي تتبنى الإسلام دين رسمي لها. وفي المجتمع العراقي لدينا تجربة مريرة، فكان حقل لتجارب القومية الاسلامية البغيضة الذي بزغ فجر مشروعها على يد نظام صدام حسين بعد هزيمته في حرب الخليج الثانية ثم الحصار الاقتصادي، وفشله في إبقاء القومية العربية كهوية جذابة وتستهوي جماهير المنطقة بالرغم من قصفه بصواريخ لإسرائيل أثناء حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١، فأحل محلها الإسلام والذي بدأ بكتابة الله اكبر على العلم العراقي وبعد ذلك حملته الايمانية عام ١٩٩٦، ثم كان المشروع الطائفي بعد الاحتلال. فالجريمة والإبادة الجماعية والمقابر الجماعية والإرهاب والتعذيب والاختطاف والاغتيالات والفساد والافقار والكذب والنفاق السياسي، كلها مرادفات للمشروع الاسلامي والطائفي في العراق. لقد حاولت القوى الاسلامية بمساعي حثيثة لأسلمة المجتمع تارة عبر الارهاب والقمع، واخرى بنقل السموم الطائفية القذرة الى الوعي الاجتماعي عبر حرب اهلية وعبر التغيير الديموغرافي والتطهير الطائفي وتفجير مناطق عمل العمال، إلا أن كل تلك المساعي باءت بالفشل. وكانت انتفاضة اكتوبر اعلان رسمي على موت المشروع الطائفي على الصعيد الاجتماعي والسياسي في العراق بالنسبة للجماهير. صحيح ان القوى الاسلامية وخاصة الإسلام السياسي الشيعي وعت بأنها ليست محل أي اعتبار واحترام في المجتمع، ولذلك غيرت هويتها وتبنت هوية اخرى وهي المقاومة والممانعة، وهي تقابل وبنفس المحتوى خطاب الإخوان المسلمين بمعاداتها للمشروع المسيحي الغربي الذي اشرنا اليها في رفضه لمشروع العلمانية في السودان.

برأيي ان البرجوازية بجميع اجنحتها في العراق لا يمكن لها خلق الاستقرار الأمني والسياسي في العراق، وهي تحاول اليوم عبر مشروع اعادة القومية العربية بفرض التراجع على الإسلام السياسي الشيعي وفصله عن النفوذ الايراني، وتأهيل العراق كسوق واعدة للاستثمارات في ظل احتدام المنافسة الرأسمالية العالمية وضيق الاسواق، وخاصة انه المشروع الذي تلعب اسرائيل محورا رئيسيا فيه على صعيد المنطقة.

إنه بالتأكيد نجاح مشروع العلمانية كهوية للدولة في السودان سيفتح آفاق رحبة في عموم المنطقة، وأن العراق أكثر البلدان بحاجة الى تبني الهوية العلمانية كي تعامل الدولة البشر فيها كمواطنين متساوين دون النظر الى جنسهم وعرقهم وطائفتهم ودينهم. إن الهوية العلمانية للدولة تجفف المستنقع الذي يقبع في الاسلاميين وتسحب البساط من تحت اقدامهم، وهذه مصلحة قصوى بالنسبة للطبقة العاملة وتيارها الشيوعي، ولذلك لا يذخر الحزب الشيوعي العمالي العراقي جهدا بالنضال مع كل القوى التحررية من اجل تأسيس دولة علمانية وغير قومية في العراق، دولة تحقق الحرية والمساواة في المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى