أسبوع منصور حكمتفارس محمود

مكانة منصور حكمت في الماركسية!

فارس محمود

(موجز لبحث اشمل)*

تمر هذه الايام الذكرى الثالثة والخمسون لولادة الرفيق العزيز منصور حكمت (زوبين رازاني). انه وبحق ماركس عصرنا الراهن و اكبر مفكري ومنظري هذا العصر. ان الكتابة عنه ضمن اسبوع الاحتفال به لهو امر ضروري جدا. ليس لنا كحزب ورفاق له، بل للبشرية جمعاء. كم هو عميق ودقيق قول حميد تقوائي عنه حين قال: هناك مرحلتين لم تجد البشرية من يمثلها هما القرون الوسطى والثانية عصرنا الراهن لو لم يكن منصور حكمت موجوداً. ان هذا القول لهو الحقيقة بعينها. ولكن تصور حالك وانت تكتب عدة مئات من الكلمات لعنوان كبير مثل هذا! ليس من الانصاف هذا، كما انها مهمة شاقة تضغط على اي انسان رغب ان لايفوت هذه الفرصة للاحتفال بمثل هذه المناسبة.

ان منصور حكمت، وعلى غرار ما عمل ماركس ولينين دوما، سعى بشكل دؤوب من اجل وضع الحدود الفاصلة بين الطبقة العاملة وتيارات وافكار وتقاليد الطبقات الاخرى. ان تاريخ شيوعية منصور حكمت هي تاريخ فصل خندق ماركس والشيوعية عن مجمل خندق البرجوازية العالمية والمحلية بشتى اتجاهاتها الاجتماعية والسياسية والفكرية. ما ان بدء عمله السياسي حتى وجه سياط نقده للتيارات الاساسية للحركة الاشتراكية السائده في عصره. استهل عمله بالنقد الحازم للشعبوية السائدة في ايران والعالم وواصل نضاله و نفض غبار تراكمات اكثر من سبعة عقود من انقطاع البشرية عن ماركس. لقد ازاح كل ترهات اشتراكيات الطبقات الحاكمة، اشتراكيات لم يكن يربطها اي صلة بماركس وبنضال العمال والجماهير الداعية للتحرر من اجل الغاء العمل الماجور وارساء المجتمع الاشتراكي. لقد بين انعدام هذه الصلة وبين ان انعدام الصلة هذا ليس معرفياً او فكرياً او نظرياً، بل اختلاف اهداف وامال طبقية اخرى. انها اهداف اخرى تتعكز وتستفيد من النفوذ القوي لماركس ونقده البتار. لقد نسف اسس الاشتراكيات السوفيتية، التروتسكية، الماوية، اليسار الجديد، الفدائوية، الوطنية، القومية وبين ان هذه حركات اجتماعية اخرى قومية-اصلاحية للمثقف البرجوازي المحتج والداعي للاستقلال الوطني، تصنيع البلد، المناهض للديكتاتورية، الساخط على الامبريالية، التخلف، التبعية وفي احسن الاحوال منتقد لهذه الزاوية او تلك من زوايا العالم الراسمالي. لقد صفى الحساب وبشكل جدي معها معلنا ولادة الشيوعية العمالية كي يميز نفسه عن سائر هذه الاشتراكية. لقد بين ان كل هذه التيارات رغم كل اختلافاتها وصراعاتها تنتمي الى معسكر واحد. ان معسكر ماركس لهو معسكر اخر.

وفي خضم هذه الممارسة، طرحت امام البشرية مسالة القطب السوفيتي واعطى نقده، نقد ماركس، لهذه التجربة. اذ تمحورت كل الادعاءات الرائجة حول هزيمة الثورة حول نقد هذه الزاوية او تلك بوصفها علة هزيمة الثورة. وضع حكمت جانباً اشكال النقد القائلة بكون سبب هزيمة الثورة يعود الى “غياب الديمقراطية في الاتحاد السوفيتي” او”قومية الدولة السوفيتية” و”سياساتها الخارجية” او “اطروحة الاشتراكية في بلد واحد” وغيرها، سلط حكمت نقده الضوء على ان هذه كلها ليست ذات صلة بهزيمة الثورة. انها هنات في مسار الثورة. ان ما هو غائب هو الافق الاقتصادي لنجاح الثورة. ان العمال انتزعوا السلطة السياسية ولكنهم اخفقوا في التحويل والتثوير الاقتصادي للمجتمع. ان ما اقيم في الاتحاد السوفيتي هو راسمالية دولة ليس لها اي صلة ببناء الاقتصاد الاشتراكي الذي يستند الى الغاء العمل المأجور. ان تحليله للتجربة السوفيتية يعد من اكثر اضافات منصور حكمت لماركسية ماركس واغناها بتصوره لبناء المجتمع الاشتراكي بصورة اكثر شفافية ووضوح من برنامج غوتا وكتابات لينين.

لقد تنبأ ومنذ سنوات بانهيار الاتحاد السوفيتي واكد على ضرورة مجابهة عواقب هذا الانهيار على الشيوعية والعمل الشيوعي اجمالا. وعاد يحشد قواه لذلك. في غمرة الابتهاج العالمي حول انتهاء الشيوعية وسطوع فجر الديمقراطية والقومية!! بين مدى سخف هذه الادعاءات وبطلانها. لقد شن نضالا لا هوادة فيه على ادعاءات ان عصر انتهاء الحرب الباردة هو عصر الامن والسلام والحريات وحقوق الانسان والمؤسسات الدولية. لقد بين وباجلى الاشكال على ان عالم مابعد الحرب الباردة هو عالم العنف والصراع والفوضى وانعدام الامن وانفلات الحركات اليمينية المتطرفة. لقد صدق كل هذا. ان كتاباته السياسية حول حرب الخليج والنظام العالمي الجديد لهي نموذج معبر عن فهم ماركس والشيوعية للاوضاع السياسية العالمية التي اعقبت الحرب الباردة. كان ينطق بتلك الحقيقة الجلية، وللاسف الملتبسة لدى الاغلبية الساحقة، على ان ليس اجتياح العراق للكويت هو الذي خلق الازمة، ان العالم الراسمالي العربي متازم ومحتقن اساساً وان الغرب وامريكا تحديداً وجدا في اجتياح العراق منفذ لحل هذه الازمة والمعضلات التي تكمن في الغرب نفسه. لقد وقف، وبوضوح، وبدون اي توهم، ومن اليوم الاول لفرض الحصار، وقال انهم يفرضون اكثر اسلحة الفتك الجماعي بحق الابرياء. وبينت الايام بوضوح بالغ كل ما تحدث عنه.

لقد اكد ان راية الديمقراطية التي ترفعها البرجوازية المنتصرة والمهزومة على السواء لا تعني الحرية. انها تفسير البرجوازية للحرية وتاطير لها ونسف لمحتواها. انها امتصاص لمطلب الجماهير في التحرر والمساواة. انها الفهم البرجوازي للحرية. بين ان الديمقراطية لاتعني انهاء العنف، بل ان العنف متضمن في الديمقراطية. اكد على ان الحريات مديونة في الغرب للاستقرار الاقتصادي النسبي وليس العكس. لقد فضح الاوهام التي غطت البشرية حول الديمقراطية واولها اليسار.

لقد كانت القومية احدى العقد التي تناولها بدقة. وبنفس روح تعامل ماركس ولينين مع القومية، تناول المسالة القومية في عصر جديد، وفضح القومية بانها تيار وحركة سياسية اجتماعية ليست لها اي صلة بالتحرر. اركن جانباً اطروحة “حق الامم في تقرير مصيرها” بانها ليست رد الشيوعيين. بين انها ليست مناسبة لتغدوا من ضمن برنامج الشيوعيين. لقد بين المسارات التاريخية التي طرات على مقولة القومية ووضعها الراهن. واكد على وجوب تصفية الحساب الجدي معها بوصفها حركات رجعية ليس لها اي صلة بتحرر البشر وانها وليدة النزعة القومية كتيار سياسي-اجتماعي برجوازي وليس العكس. رفع شعار ان القومية عار على البشرية. القومية عنصرية وليست ثمة قومية انسانية. انها تعني تصنيف البشر وتاطيرهم بهويات كاذبة من اجل اهداف لاتتعلق بتحررهم ورفاههم.

في ظل هذه الاوضاع كان يرد عمليا على الهجمة العالمية التي استشرت حول نهاية الشيوعية وشيخوخة الماركسية. لقد شن نضالا لا هوادة فيه من اجل رفع راية ماركس وتبيان صحتها. لقد بين ان موجة التخلي عن الماركسية ليست خيار يستند الى كون نور الحقيقة قد شع في ذهن احد ما، بل انه خيار سياسي وليس له اي صلة بحقانية وصحة الماركسية. اكد انهم التفوا حول الماركسية والتي لم تكن نسختهم للماركسية سوى قومية-ديمقراطية-اصلاحية حين كانت مدا وعادوا الى اصلهم حينما اصبحت الماركسية تحت وابل مدفعية وسائل الاعلام الغربية ومفكريها وكتابها الماجورين. لقد تحدث عن ليس بوسع التايمز ولا بوش ولا يلتسين ان ينهوا الشيوعية! ان ارادت الراسمالية محو ماركس والماركسية فامامها احد سبيلين: اما افناء الكرة الارضية باسلحتها النووية بحيث لاتبقى حياة فيها ولا عامل او راسمالي واما تسليم المجتمع للبديل الاشتراكي. في خضم هذا الهجوم وهذه الحملة الصاخبة، اكد، بتنبؤية مدهشة، ان عقد التسعينات هو عقد ولوج الطبقة العاملة الميدان وعقد الماركسية. بين ان هذه الهجمة عابرة. وفعلا كان الامر كذلك.

في المؤتمر الاول للحزب، رفع راية ركود غبار الهجمة وبين كم هي كانت ادعاءات الراسماليين عديمة القيمة وتافهة الى ابعد الحدود وبين ان ما يسير حركة البشرية هو النضال الواعي للاغلبية الساحقة وليس تلك العبارات الجوفاء للمثقفين الطيبي النيات ناقصي العقول، واكد على ان ساعة الهجوم الشيوعي والممارسة الشيوعية الواسعة والنشيطة قد ازفت وعلى وجوب الظهور بكامل هيئتها وقامتها. لم يسقط منصور حكمت، لم يغير مبادئه وعقائدية، لم ينزلق للمد، بل خرج منصور حكمت وحزبه مرفوع الراس من هذه المرحلة العصيبة. تصدى للهجمة وها هو يبدأ هجومه السياسي والفكري والعملي على الراسمالية. لقد دفع بالحزب ليلعب دوره المعهود في الدفاع عن ماركس وراية تحرر البشر.

نطق في المؤتمر الثاني “كفراً”! حطم التابوات التي وضعتها البرجوازية واصبحت من المكونات الذاتية لليسار السائد. لقد تحدث عن السلطة السياسية وان هدف الشيوعيين هواستلام السلطة السياسية لاجراء التغيير السياسي والاقتصادي في المجتمع. تحدث عن شيوعية مقتدرة ومتدخلة في الاوضاع. ان شيوعية هامشية ومنزوية ولاتبغي التغيير هي ليست بشيوعية. انها مسالة فورية وملحة وغير قابلة للتاجيل. ان شيوعية “ليس الان وقت هذا” و”لايمكن هذا” ليست بشيوعية. تحدث عن “اننا في السلطة يعني ان الانسان في السلطة”. رد على العوائق الفكرية والسياسية التي تحول دون ادراك ماقاله ماركس او بالاحرى بديهياته في البيان الشيوعي. بين ان اسبابه تكمن في هجوم البرجوازية الشرس وثقل ارث اليسار على الحركة الشيوعية.

هيأ نفسه وحزبه لاستقبال اوضاع ايران المتازمة. شحذ همم الحزب نحو ان يلعب دوره في الاوضاع السياسية المقبلة في ايران. ان ايران على اعتاب ثورة. يجب ان يتحول الحزب الى قائد حركة اسقاط نظام الملالي في ايران. يجب ان تكون السلطة بيدنا نحن الشيوعيين.

بعد 11 ايلول، رفع راية ان الاوضاع تشهد صراع قطبي ارهاب احدهما دولي (امريكا) والاخر ارهاب الاسلام السياسي. لقد طرح تحليلا دقيقاً يوضح فيه العلاقات الطبقية والمعادلات السياسية على الصعيد العالمي. ان تعامله مع هذه الظاهرة لهي احدى اضافاته العظيمة للفكر الماركسي من ناحية السياسة والنضال الطبقي في العالم المعاصر. لقد اكد على مكانة 11 ايلول لدى اليمين الحاكم الذي يسعى لاستغلاله لتثبيت النظام العالمي الجديد وكيف ان الاسلام السياسي يبحث عن حصته في السلطة والمكانة السياسية في تقسيم سلطة الراسمال العالمي الراهن. تحدث عن الارهاب والسبل الحقيقية لتجفيف منابعه. لقد اكد على ان ثمة عملاق نائم، جبهة التمدن العالمي، بوسعه فقط ان يطيح ويحطم هذه المعادلة الماساوية التي فرضت على العالم. ان عشرات الملايين التي خرجت في انحاء العالم المختلفة هي صوت منصور حكمت.

لم يكن منصور حكمت منظراً ومفكراً فحسب، بل كان قائدا سياسيا وعملياً ليس له نظير. لم يألوا جهدا في كتاباته وخطاباته واحاديثه ومجمل ممارسته اليومية في الاقناع وبث روح الاتحاد والتحزب. لقد كان له الدور الاساسي في تاسيس اتحاد المناضلين الشيوعيين وبالتالي الحزب الشيوعي الايراني الذي استقال منه ليؤسس الحزب الشيوعي العمالي الايراني في 1991. له دور محوري في تحزب الشيوعية في ايران. لقد اسس الحزب وصلّدَ اركانه استنادا الى ارث عظيم جمعه طيلة 3 عقود تقريبا من عمره القصير والحافل بالمآثر والمنجزات النظرية والسياسية. لقد قوى الشيوعية العمالية في العراق وسلحها بحزبها، الحزب الشيوعي العمالي العراق. لقد ترك للحركة بيانها الشيوعي، عالم افضل ناهيك عن عشرات المشاريع والقرارات والخطط والبرامج. لقد ترك نبعاً لاينضب من الفكر والممارسة والتجربة الثرية والفذة.

فيما يتعلق بالحركة العمالية، ان لم يقم منصور حكمت في حياته بشيء سوى كتاباته عن التنظيم العمالي والمجالس العمالية والنقابات ومجمل زوايا حقوق ومطاليب العمال، فانه يستحق وبفخر ان يسمى ابرز قائد ماركسي وقائد الحركة العمالية العالمية ومعلمها. لايمكن لاحد ان ينكر تناوله الماركسي المبدع والعميق للنقابات في عصرنا الراهن والنقد النظري والعملي الشامل للميل النقابي في الطبقة العاملة وتبيان محدودياتها التاريخية. وبين كيف ان غياب مثل هذا النقد الحازم والبتار يجر الطبقة العاملة الى تلقي ضربات جدية. كما دلل وبالف طريقة وطريقة افضلية البديل والطرح المجالسي بوصفه الاطار الطبيعي لتنظيم الميل الثوري والشيوعي للطبقة العاملة.

بقدر ما اعاد الشيوعية لماركس، اعاد الانسانية لشيوعية ماركس. لقد غرس منصور حكمت شيوعية مرهفة الحس الانساني. لقد حطم جانباً التقاليد الشيوعية السائدة الموغلة بالجلافة، الفضاضة، انعدام الانسانية، متبلدة المشاعر والحس الانساني، تقاليد متخلفة وبالية الى شيوعية انسانية راقية ومتمدنة. ان انسانية منصور حكمت وحركة منصور حكمت لاتعرف حدود. انه اعاد الكرامة الانسانية للطفل، للمراة، للجنين، للمدمنين، للمثليين، لبائعات الجسد ولكل ما يطلق عليه المجتمع عديم الرحمة والانسانية الكائنات “الدونية” في المجتمع. انه سطر وباروع الاشكال في برنامجه حقوق ومطاليب كل من هؤلاء وبادق التفاصيل. ان حسه الانساني العميق هو اضافة مهمة للماركسية.

ان مسالة من الضروري ان اسجلها هنا هي ان منصور حكمت قد شق سبيله في ظرف تاريخي صعب جداً اذا ما قورن بماركس ولينين. لقد كان من خلف الاخيرين حركة اشتراكية قوية نوعا ما في عدة بلدان لها اقطابها الفكرية والسياسية وهذا ما افتقده حكمت الذي بدء، وحيدا، مسلحا بماركس، ليرد على قضايا جديدة ومتنوعة ومعقدة ومتشابكة الى حد مدهش. كان توازن القوى بين التيار الاشتراكي والبرجوازية بصالح الطبقة العاملة اكثر مما هي عليه في عصر حكمت. لقد كانت الثورة الاشتراكية في اذهان اشتراكيي عصرهم اقرب مما هي عليه الان. ان دليلي على ذلك هو تناولهم لقضايا المجتمع الاشتراكي مثلا كيفية حل مسالة السكن، العمل المنزلي وغيرها، اي يعني انهم كانوا يبحثون بدقائق المجتمع الذي ينشدونه. علما ان ضروف تاريخية مهمة قد خدمت منصور حكمت. انه ماركس عصر الانترنيت والثورة التكنولوجية والمعلوماتية، ماركس عصر العولمة وليس عصر الالة البخارية او مكننة الريف. ان هذا مد يد العون له ليكون اكثر وضوحاً وشفافية في رؤيته الماركسية للمجتمع. ان منصور حكمت نتاج عصره. انه نابع من حاجات عصره ومتطلباته.

رغم كل تاكيدات حكمت على انه لم ياتي بشيء خارج ماركس، بوسع المرء وبسهولة ان يضع كتابات منصور حكمت جنبا الى جنب مع ماركس ولينين ان لم يتخطاهما في بعض الاحيان. انظر الى “عالم افضل” و”البيان الشيوعي”! قارن بين “الدولة في المراحل الثورية” و”الدولة والثورة” للينين! “الاحزاب السياسية والصراع الطبقي” و”الايديولوجية الالمانية”. انها تدلل على ما اقول.

ان حكمت هو عين ماركس ولينين وبصيرتهما في هذا العصر. انه عين البشرية الداعية للتحرر والمساواة وبصيرتها. عاش منصور حكمت!

•         كتب هذا البحث في تاريخ 5.06.2004

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى