أسبوع منصور حكمتتوما حميد

منصور حكمت والديمقراطية!

توما حميد

بمناسبة اسبوع منصور حكمت

يعتبر بحث “الديمقراطية بين الادعاءات والوقائع” واحدا من اهم أبحاث منصور حكمت برأيي. ربما لو كان منصور حكمت من العاملين في الاوساط الفكرية الغربية، لأصبح هذا البحث جزء من المادة الدراسية في الكثير من البلدان، ولكان اسم منصور حكمت اليوم يردد في الاعلام كشخص تنبا بشكل بارع بمستقبل الديمقراطية في العالم بعد انتهاء الحرب الباردة.

بعد انهيار القطب الشرقي وانتصار الغرب، ارتفع ضجيج هائل عن انتصار الديمقراطية وترسخها لأول مرة في التاريخ في معظم أجزاء العالم، وقد شارك كل من “المنتصر” و”المهزوم” في الاحتفال والاشادة بالديمقراطية واعتبارها حل لكل المشاكل التي كانت تواجه البشرية. لقد كان هناك توهم قوي بان رياح الديمقراطية سوف تهب على دول مثل إيران والعراق وشارك اليسار بقوة في هذه الأوهام. لقد وقف منصور حكمت عكس تيار عصره. لقد بين ان تلك الأوهام التي رددها الساسة الليبراليون في الغرب والمثقفون في البلدان المتخلفة وبلدان الكتلة الشرقية كان نابعاً من الامل في الحصول على نصيب من انتصار الغرب على الشرق. وبين بأن انتهاء الحرب الباردة لن يعني توسع الحرية والحقوق والسلام والسعادة الاجتماعية باي شكل من الاشكال.

لقد تبيّن من هذا البحث بان هم منصور حكمت لم يكن الخوض في مسائل فكرية مجردة، بل كان الرد على المعضلات التي كانت تواجه البشرية. تدل الظروف التي جاء فيها هذا البحث، بان منصور حكمت كان امينا للجواب على مشاكل عصره وعلى ما كان يقف حالا امام تطور الصراع الطبقي. لقد كان الوهم حول انتصار الديمقراطية بمعنى توسع الحرية وحقوق الانسان والسلام والرخاء فعلا عائق امام تطور الصراع الطبقي في تلك الفترة. لقد هدف منصور حكمت، من خلال هذا البحث، اخراج البشرية من تلك الأوهام.

لقد بيّن منصور حكمت بان الديمقراطية التي تم الترويج لها بانها انتصرت لم تكن في تناقض مع الاستبداد والقمع، وليس لها ربط بتوسيع الحرية والحقوق والمساواة او الحد من القمع السياسي والاعدامات والتعذيب ومصادرة حقوق الفئات المختلفة او التخفيف من الفقر والتشرد والجوع، بل كانت تعني انتخاب هيئة من المندوبين في انتخابات عامة ليست بالضرورة ان تكون حرة وإطلاق حرية الرأسمال وتبني السياسات النيوليبرالية. اذ لا يُشترط بالديمقراطية بشكل عام في هذا العصر ان تكون مترافقة مع التوسع المتزايد للعدالة الاجتماعية والمساواة والحقوق والحرية الفردية. بيد ان الديمقراطية التي سادت بعد الحرب الباردة بالذات ليس لها أي ربط بهذه المسائل، بل جاءت في سياق الهجمة على “دكتاتورية” رأسمالية الدولة التي وقفت بالضد من حركة الرأسمال.

بعكس الاعتقاد السائد، توقع منصور حكمت عدم انحسار ظاهرة التوتاليتاريا، أي مراقبة كل النشاط السياسي والثقافي والتحكم به من قبل أجهزة الدولة، بل توسعها وهو ما حدث ويحدث في الكثير من الدول، لا في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية فحسب، بل في الدول الغربية نفسها. ان تسريبات ادوارد سنودن التي كشفت تجسس الحكومة الامريكية على مواطنيها، بل كل سكان العالم، كان دليلاً على توسع هذه الظاهرة.

فبعد سنوات قليلة من قمة النشوة بانتصار الديمقراطية، وخاصة منذ سنة 2000، برز ميل عالمي يشهد تراجع الديمقراطية حتى بمفهومها البرجوازي في العالم. اذ تتباكى المؤسسات البرجوازية التي تتابع ” صحة” الديمقراطية حول العالم وضع الديمقراطية في السنوات الاخيرة. اذ حذر تقرير سنوي لمنظمة فريدوم هاوس في 2020، وهي منظمة “غير حكومة وغير حزبية” أمريكية، في استطلاع أجرته لتقييم 195 دولة و15 منطقة بان الحريات السياسية والمدنية في جميع انهاء العالم تتراجع أكثر مما تتحسن. حدث هذا التدهور بدون انقطاع لآخر 14 سنة تم استطلاعها أي من 2006 الى 2019. وحسب هذه المؤسسة، تراجعت الحريات في 2016 مثلا في 72 دولة مقابل تحسنها في 43 دولة. وصدرت التحذيرات نفسها من مؤسسات برجوازية أخرى. والأكثر من هذا، مع وصول اشخاص مثل دونالد ترمب في امريكا ورجب طيب اوردوغان في تركيا وزائير بولسنارو في البرازيل وفيكتور اوربان في هنغاريا و ماتيوس مورافيسكي في بولندا، وناريندرا مودي في الهند، تنامت المخاوف من صعود الفاشية. اذ سجنت حكومة اوردوغان “المنتخبة” في تركيا عدد أكبر من الصحفيين من أي بلد اخر، وقامت بغلق 177 وسيلة إعلامية لحد الان. كما تقوم الحكومات في هنغاريا وبولندا، اللتين اعتبرتا نماذج للدول التي اعتنقت الديمقراطية بعد انهيار القطب الشرقي، بالاستيلاء على القنوات الحكومية واغداق أموال هائلة للدعاية الحكومية على وسائل الاعلام المؤيدة لتلك الحكومات وقطع أموال الدعاية عن وسائل الاعلام المعارضة. هناك في الهند وإسرائيل اللتان تعتبران ديمقراطيات راسخة، جهود لتقليص حرية وقوة الاعلام المستقل المنتقد للحكومة. فمن قضايا الفساد التي تواجه نتنياهو هي التواطؤ مع اقطاب الاعلام لتوفير تغطية إيجابية له. من جهة أخرى، قامت حكومة مودي في الهند بافتعال قضية غسيل الاموال ضد (ان دي تي في) المنتقدة لسياسات حكومته. لقد تحول الاعلام في أمريكا التي تعتبر منارة الديمقراطية وسيلة لاجترار دعايات الحكومة الامريكية واجهزتها مثل البنتاغون والسي آي أي وسياسات الحزبين الرئيسيين، أي الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي. ان مستوى الصحافة والحرية الصحفية في تآكل في معظم انحاء العالم. هذا عدا عن سرقة الانتخابات وتقليص الحريات الفردية والسياسية وسيادة القانون وتراجع البرامج الاجتماعية. 

 لقد شهدت حتى الدول الديمقراطية الغربية تراجعاً في مؤشرات الديمقراطية منذ التسعينيات من القرن العشرين مثل اضعاف دور الاعلام والصحافة والجامعات والمؤسسات البحثية والمؤسسات والممارسات والاعراف الديمقراطية ونمو الفساد واستخدام المناصب لخدمة المصالح الخاصة. أي ان نوعية الديمقراطية البرجوازية حتى في الدول الغربية هي في تراجع وتحس الغالبية في العقدين الأخيرين، بان ليس لها صوت في تحديد سياسات وقوانين بلدانها وحتى النخبة التي تقوم بانتخابها لا تمثلها سياسيا واقتصاديا، ونشهد اتساع الفجوة بين الجماهير والنخبة السياسية التي تنتخب من اجل تمثيلها، ويزداد الغضب تجاه هذه النخبة ومجمل المؤسسات الرسمية لأنه يتم شراؤها او ابتزازها من قبل الشركات العملاقة والاحتكارية والاغنياء. تعتقد الأغلبية بان الطبقة السياسية هي فاسدة وغير كفؤة وبعيدة عن الجماهير. ان مصداقية الحكومات في تراجع في معظم ارجاء العالم.  فمثلا تحدث  17% من الأمريكيين فقط في 2019 بانهم يثقون بان تقوم حكومتهم بما هو صحيح مقابل 40% في 2000. وهذا الامر ينطبق على الكثير من الدول الغربية الأخرى. وقد تنامت غياب المصداقية للحكومات الغربية بعد الحروب الفاشلة في العراق وأفغانستان وتقديم الحزم المالية للبنوك والشركات الكبرى، وتراجع الحكومات امام ضغط وتهديدات الشركات الاحتكارية ونكث حزب بعد اخر في دورة انتخابية بعد اخرى بالوعود الانتخابية نتيجة ازمة النظام الرأسمالي.

لقد انطلق المؤمنون بانتصار الديمقراطية بالمفهوم البرجوازي بعد انهيار القطب الشرقي من منظور سطحي وغير مادي للتاريخ معتقدين بان بانهيار القطب التوتاليتاري لرأسمالية الدولة، لا يبقى مانع امام البرجوازية العالمية تحت قيادة برجوازية القطب المنتصر بنشر الديمقراطية التي ستساعد في ازدهار الاستثمارات والارباح.

في حين انطلق منصور حكمت في تقييمه وتنبؤه بمستقبل الديمقراطية من فهم ماركسي لطبيعة النظام الرأسمالي سنورد أسس هذا الفهم في هذا البحث. لايزال، يغيب مثل هذا الفهم عن معظم المنتقدين المعاصرين للديمقراطية البرجوازية مثل نعوم جومسكي مثلا، اذ يقومون بتوثيق مشاهدات أكثر من إعطاء تحليل عميق لما آلت اليه وضع الديمقراطية البرجوازية. 

أسباب تراجع الحريات ومؤشرات الديمقراطية البرجوازية.

الديمقراطية كما يقول منصور حكمت هي مقولة معقدة ومصطلح غامض جدا ولا يوجد اتفاق حول معناها.

ولكن براي هناك نوع من الاجماع حول معنى الديمقراطية الليبرالية من وجهة النظر البرجوازية، على الأقل على المستوى النظري.  فهي تعني مجموعة أشياء مثل عملية انتخابية عادلة وحرة وحرية الترشح والتصويت للبالغين، قد تعني التعددية الحزبية، ان يكون عمل الحكومة شفاف، محاسبة السياسيين المتورطين بالفساد واستخدام مناصبهم لأغراض شخصية، إمكانية عزل السلطة، أي اجراء انتخابات دورية،  وجود المؤسسات على شكل آليات وقوانين تنظم أنماط من السلوك المتكرر والمستقر مثل قوانين الانتخابات، تعني فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، سلطة القانون، ضمان وحماية ابسط الحريات المدنية والفردية، حرية الصحافة ، حريات الاقليات إضافة الى اعراف ومعايير السلوك الديمقراطيي الجيد، وهي مسائل غير مدونة في القانون، ولكن يقبل بها بشكل واسع كممارسة او سلوك جيد مثل الاعتراف بالهزيمة في الانتخابات، القبول بنتيجة الانتخابات، عدم اعلان الفوز قبل الأوان و…الخ.

ولكن ينبه منصور حكمت بان كل هذه المبادئ هي سطحية ومخادعة لان “الديمقراطية تنظر الى العلاقات الاقتصادية والبنية الاجتماعية أي انقسام الشعب الى طبقات، موقع الافراد في الإنتاج، علاقات الملكية، الظروف الاقتصادية السائدة، دور أجهزة الدولة والمؤسسات السياسية والإدارية كواقع حال لا يجب المساس بها”.

ان الضعف الاساسي للديمقراطية البرجوازية، بما فيها الليبرالية، هي مسألة الفصل بين السياسة والاقتصاد وجعل الدولة والسلطة السياسية جزءاً منفصلاً عن الاقتصاد السياسي واقتصار الديمقراطية على الميدان السياسي وكونها عمياء تجاه الحياة والمساواة الاقتصادية، مما يجعلها في النهاية شكلية. اذ لا يمكن الفصل بين السلطة السياسية والاقتصاد. ولابد ان تكون مسالة الديمقراطية في الميدان السياسي وتدخل الافراد في السلطة شكلية دون المساواة من الناحية الاقتصادية. 

ان التقسيم الطبقي للاقتصاد وتحكم رأس المال بالإنتاج وسلطته على المجتمع يُمكّنه على خلق توازن أيديولوجي وتصوير ووعي في المجتمع يقبل بعلاقات الإنتاج الرأسمالية وعبودية العمل المأجور وكون وظيفة الدولة وقواها القمعية والقانون والمحاكم والسجون الدفاع عن هذه السلطة. وبهذا تصبح الديمقراطية آلية لمشاركة الشعب في عملية تحديد وتغير الدولة، وتصبح الانتخابات تحديد القوة والافراد والبرنامج السياسي الذي يدير الدولة لمرحلة على أساس عدم المساس بهذا الواقع.      

 فرغم ان الديمقراطية تعني حكم الشعب لنفسه، وان لا يحكم من قبل نخبة صغيرة، الا ان أرقى اشكال الديمقراطية أي الديمقراطية الليبرالية هي دكتاتوريات طبقية.  فالديمقراطية الليبرالية تتكون من الديمقراطية التمثيلة من جهة والملكية الخاصة وعدم المساواة الطبقية وعلاقات الإنتاج الرأسمالية من جهة أخرى. يقوم الشعب بانتخاب مجموعة من الممثلين في الحكومة ويأمل بان تمثل مصالحه، بينما الاقتصاد منظم على أساس السيطرة الفردية على وسائل الإنتاج. الأقلية التي تمتلك وسائل الإنتاج والمدراء لا تخضع للتصويت والانتخابات. يتم اتخاذ القرارات الاقتصادية بشكل شخصي وغير ديمقراطي، ويتم فرضها على الشعب. لا يمكن للممثلين المنتخبين من قبل الشعب المساس بالملكية الخاصة والتقسيم الطبقي وعلاقات الإنتاج الرأسمالية، ولا يمكن استخدام المؤسسات السياسية من اجل المساس بهذه الامور. أي يكون على “ممثلي” الشعب العمل ضمن القوانين التي يحددها النظام مسبقا. وتستخدم الدولة وكل مؤسساتها من الشرطة والجيش والقانون والبيروقراطية والمحاكم لخدمة الرأسمالية وادامتها. ان عدم المساواة الاقتصادية تؤدي الى عدم المساواة في الميدان السياسي وفي القدرة على التمتع بالحقوق التي تضمنها الديمقراطية البرجوازية. وهكذا، يفترض ان تعني الديمقراطية البرجوازية تحكم الشعب بالميدان السياسي فقط، وليس الميدان الاقتصادي، ولكن واقع الحياة اليومية يؤكد بانه لا يمكن التحكم حتى بالميدان السياسي دون التحكم بالميدان الاقتصادي، اذ ان السيطرة الاقتصادية تُستخدم لإخضاع الميدان السياسي. لذا فان الانتخابات التي هي رمز حكم الشعب لنفسه وحكم الاغلبية تصبح وسيلة من اجل إضفاء الشرعية على نظام طبقي دكتاتوري معزول عن الجماهير واخضاع إرادة الجماهير من خلال وسائل غير عنيفة.

كشف توماس بيكيتي في كتابه، الرأسمال في القرن الحادي والعشرين الذي نشر في 2013 باللغة الفرنسية و2014 باللغة الإنكليزية، أي بعد عقدين من بحث منصور حكمت، بان الرأسمالية، أينما وجدت على مر تاريخها، تؤدي الى نمو عدم المساواة الاقتصادية بين قلة صغيرة مالكة وغالبية السكان عدا الفترات التي تشهد مقاومة شعبية ضد هذا الميل. ان ميل تنامي عدم المساواة لا يتماشى مع الديمقراطية الليبرالية والانتخابات البرلمانية الحرة، لأنه ببساطة يمكن ان تستخدم الأغلبية اصواتها للتصويت لسياسيين وقوانين وقرارات تخدم مصالح الطبقة العاملة وفي النهاية عكس عدم المساواة. لذا فان اختزال الديمقراطية البرجوازية الى انتخابات شكلية، وأحيانا الى التعددية واللجوء الى الاستبداد الطبقي والتضليل والتحميق مرتبط بحاجة طبقية. تسيطر حفنة صغيرة في المجتمع على فائض القيمة والارباح التي يشارك كل المجتمع في انتاجها، وتقوم هذه الأقلية من اجل حماية مصالحها في استخدام أموالها من اجل شراء النظام السياسي وجعله يعتمد على أموالهم أكثر من اعتماده على أصوات الناخبين. اذ يُعتبر الرأسماليون في كل الدول الديمقراطية، بما فيها الغربية، احرار في استخدام أموالهم للتأثير على النظام السياسي، ويقومون بالفعل باستخدام أموالهم بألف طريقة وطريقة من اجل ضمان ان تقوم الدولة بحماية والدفع بمصالح هذه القلة بغض النظر عما تريده الأغلبية. لذا تجد الكثير من المقترحات تصبح قوانين رغم المعارضة الشعبية الواسعة، وبالعكس. فمثلا تؤيد الغالبية في أمريكا الرعاية الصحية المجانية للجميع، التعليم المجاني بما فيه التعليم الجامعي، انهاء ظاهرة التشرد والكثير من الأمور الأخرى الا ان الدولة لا تقوم بتبني هذه السياسات.

تعتمد الأحزاب السياسية في الكثير من الدول الديمقراطية على تبرعات الأغنياء الذين يقومون بتمويل الحملات الانتخابية ويسيطرون على الاعلام وجيش من الإعلاميين وصانعي الوعي المزيف الذين توكل لهم وظيفه يومية هي التضليل وقولبة الرأي العام. كما يقوم الأغنياء والشركات الاحتكارية بتخصيص لوبيات وجماعات ضغط لدعم والعمل مع المرشحين والمندوبين المنتخبين من خلال دعم حملاتهم الانتخابية وكتابة القوانين والقرارات لهم والأبحاث التي تكون أساس للقوانين التي يتم اقتراحها، واغرائهم من خلال تقديم وظائف باجور عالية للسياسيين بعد ترك الحياة السياسية وارشائهم بطرق قانونية مثل دفع مبالغ هائلة مقابل القاء كلمات الخ. يقوم السياسيون بالمقابل باستخدام الأموال التي يحصلون عليها من المتبرعين للتلاعب بالناخبين، واللعب على مخاوفهم وهمومهم. وهكذا يقوم الاغنياء بألف طريقة وطريقة بإفساد النظام السياسي بحيث لا يستجيب لمصالح الأغلبية. في النهاية، كما يقول منصور حكمت، تضمن الانتخابات للبرجوازية حصولها على ختم التأييد كل عدة سنوات من قبل الشعب، وتذهب بعدها لممارسة اعمالها، وليس للناخب أي رأي خلال فترتين انتخابيتين، وتصبح مسالة كون الحكومة التي تنتجها الانتخابات في الديمقراطيات البرجوازية سلطة منبثقة من الشعب مسالة في غاية الشكلية. تصبح الانتخابات والتمثيل البرلماني وسيلة لإضفاء الشرعية على نظام طبقي دكتاتوري واخضاع إرادة الجماهير من خلال وسائل غير عنيفة.

 ان 95% من جماعات الضغط واللوبيات في أمريكا مثلا يمثلون مصالح الشركات والاغنياء. تعتبر مشكلة المخدرات التي تقتل اكثر من 70 الف امريكي سنويا مثالا حيا على شكلية الديمقراطية الليبرالية و على مدى نفوذ اللوبيات على الطبقة السياسية والتناقض بين مصالح الشركات والاغنياء ومصالح السكان.  فرغم الكارثة التي تتسبب بها الادوية المسكنة للإلام التي تسبب الإدمان في المجتمع الأمريكي، ورغم التحذيرات المتكررة من المختصين، قامت الطبقة السياسية بغض النظر عن حملات شركات الادوية في تسهيل استخدام هذه الادوية وجعل اكبر عدد ممكن من السكان مدمنة عليها، الى ان أصبحت بحق مرض اجتماعي مستعصي في المجتمع الامريكي.

لقد أدت بروز الفجوة بين الطبقة السياسية والطبقة العاملة وغالبية السكان الى ظاهرة وهي ظهور القادة “الشعبويين” بمعنى السياسيين الذين يلعبون على وتر مظالم الناس وتضخيم الاختلافات بين البشر وخلق اكباش الفداء لتحميلهم مشاكل النظام، وهي مسالة قد تؤدي الى صعود الفاشية. وقد استخدمت قضية الهجرة بالذات من اجل صعود القومية وبروز شخصيات يمينية شعبوية.

لقد مكنت العولمة الشركات الاحتكارية والاغنياء من نقل الإنتاج الى الدول التي تتمتع بقوة عمل رخيصة. وقد خلق هذا الواقع منافسة بين اقسام الطبقة العاملة العالمية، أي يكون على العامل في الدول الغربية الذي يتمتع بقدر من الحقوق والرفاهية المنافسة مع العامل في دولة مثل الصين او اندونيسيا او فيتنام او تايلند الذي يعمل باجور زهيدة والمحروم من ادنى حقوق. ان هذه العملية تضع ضغط على الأجور وشروط العمل والمستوى المعيشي نحو الأسفل، أي تؤدي الى تقليل الأجور وخفض المستوى المعيشي للعامل في الدول المتقدمة بوتيرة أكبر من ارتفاع الأجور وتحسن الوضع المعيشي للعامل في الدول التي تتمتع بقوة عاملة رخيصة. ان اختلال توازن القوى بين البرجوازية وبين الطبقة العاملة لصالح الأولى، وأزمة الدولة في الدول المتقدمة قد أدى الى شن هجمة على دولة الرفاه، وهو الامر الذي يؤدي الى تقويض أسس الديمقراطية البرجوازية أيضا. لا يمكن للديمقراطية الليبرالية ان تزدهر بدون دولة الرفاه. ان زوال دولة الرفاه يعني بان الدولة ومؤسساتها وكل خيرات المجتمع تسخر لصالح أقلية غنية، وهذا يتطلب تقويض الديمقراطية البرجوازية. 

لقد كان منصور حكمت اول من كشف بعدم وجود القاعدة الموضوعية لقيام ديمقراطية ليبرالية في دول مثل إيران او العراق، وبان شروط الإنتاج في الدول المتخلفة اقتصاديا وتكنولوجيا لا تتماشى مع الديمقراطية الليبرالية. لقد بين بان تراكم الرأسمال في الاقتصاد الذي يعتمد على الايدي العاملة الكثيفة بدلا من الرأسمال الكثيف، أي يعاني من الضعف القاعدة التكنولوجية ومعدل الإنتاجية يحتاج الى تشديد الاستغلال وتخفيض المستوى المعاشي للعمال وتخفيض حصتهم من الإنتاج الاجتماعي من اجل المنافسة مع الرأسمال العالمي، وهذا يتطلب عامل مقموع من خلال القمع السافر الذي يعني التضييق على الحركات والمنظمات العمالية والتضييق على حرية التعبير، النشاط السياسي، التنظيم، والاحتجاج ووجود الأجهزة القمعية وانعدام الحقوق السياسية والمدنية والفردية، وممارسة التعذيب واحكام الاعدام. وبهذا، لا يمكن فصل الاستبداد عن سلطة رأس المال في الدول المتخلفة. لقد بين عدم إمكانية قيام نظام سياسي غير مستبد او ديمقراطي بشكل عام دون القضاء النهائي على الرأسمالية في هذه البلدان.

لقد بين بان الديمقراطية الليبرالية لن تكون بناءا فوقيا راسخا ومتجددا للمجتمع في الدول المتخلفة. حتى إذا أقيم نظاما برلماني ليبرالي في ظروف معينة ونتيجة عوامل معينة، الا انه لن يكون قابلا للإدامة، لان جذور هذا النظام ليست راسخة في الاقتصاد السياسي للمجتمع واشكال المواجهة السياسية بين الطبقة الحاكمة والطبقة العاملة وأسلوب النضال السياسي للبرجوازية .

يتحدث منصور حكمت عن إن حرمان الشعب من الحقوق السياسية ووحشية الدولة واستبدادها في هذه الدول ليس نتيجة لمؤامرة اجنبية، او بسبب كون البرجوازية الحاكمة متخلفة او “غير وطنية” او موالية للغرب او كونها إسلامية او قومية او عشائرية او نتيجة التخلف الثقافي للشعب، او بسبب قلة المعامل وقلة الرأسمال الوطني. ان جذور هذا القمع والاستبداد تنحصر في كونها من مستلزمات كل الرأسمالية في هذه البلدان. أن وجود تلك الحريات المدنية التي تسمى بالديمقراطية، كحرية التعبير والتنظيم والاضراب حتى في طرازها الغربي، يتناقض مع وجود العامل الرخيص والعامل الصامت والذي هو من المستلزمات الاساسية للرأسمالية في الدول التي تسمى بالدول النامية.

لقد وضح منصور حكمت بان الديمقراطية فيما يتعلق الامر بالكتلة الشرقية هي لقب للسوق والمنافسة وتعدد الرساميل وتراكمها وتطور الرأسمالية الخاصة. ففي هذه الدول رافق ضعف توتاليتارية رأسمالية الدولة تبني اقتصاد السوق والسياسات النيوليبرالية التي سلبت المواطن الكثير من المكتسبات الاقتصادية التي تمتع بها. ان انتصار الديمقراطية على الانظمة المستبدة في اوروبا الشرقية وإقامة انتخابات عامة في بعض دول اوروبا الشرقية لم تؤد الى مشاركة الافراد في تحديد السلطة. ومن المهم التأكيد بان الشكل الذي تتخذه “الديقراطية” في الدول المتخلفة او اوروبا الشرقية هو امر مقبول ليس من قبل البرجوازيات الحاكمة في تلك البلدان، بل البرجوازية العالمية. ولذلك تأخذ مقولة الديمقراطية معاني ليست لها أي ربط بتوسيع الحريات والحقوق او حتى النظام البرلماني، بل تصبح اسم للقوى التي هي محل ثقة واعتماد الغرب والمستعدة لتبني السياسيات النيوليبرالية من الخصخصة ورفع الدعم الحكومي عن السلع الأساسية وتخفيض مستوى معيشة الشعب وإخضاع الطبقة العاملة وكل الممارسات التي تتماشى مع المكانة الاقتصادية لبرجوازيات تلك البلدان بما فيه القمع الوحشي.

اود هنا الإشارة بشكل سريع الى جملة من الأفكار المهمة الاخرى التي وردت في بحث منصور حكمت.

الأنظمة العسكرية ليست الشكل الوحيد او السائد للقمع السياسي!!

لقد شهدت انتهاء الحرب الباردة اختفاء بعض الأنظمة العسكرية في امريكا اللاتينية وحلت محلها أنظمة مدنية. ولكن وضح منصور حكمت بان زوال الأنظمة العسكرية لا يعني تخفيف القمع والاستبداد في تلك البلدان. فلم تكن تلك الأنظمة العسكرية الشكل الوحيد أو السائد للقمع السياسي البرجوازي، فالدكتاتورية المدنية هي ليست اقل قمعا وان هذا التغير لا يعني بالضرورة تغير يذكر في سلوك تلك الحكومات. فالدكتاتورية والاستبداد على شكل استبداد العسكر ذهب، ولكن الاستبداد الطبقي بقي في مكانه واتخذ اشكال اخرى.

لقد بين ان احلال الأنظمة غير العسكرية محل الأنظمة العسكرية في بعض الدول كان نتيجة لعوامل اقتصادية في هذه البلدان ومن اجل الجواب على المعضلة التاريخية لهذه البلدان، أي النمو والتطور الاقتصادي. ان فشل الأنظمة العسكرية في توحيد صفوف البرجوازية وفرض الاستقرار السياسي وزيادة أرباح رأس المال ورفع التنمية الاقتصادية والتطور الاقتصادي، اجبر الطبقة الحاكمة الى تبني أنظمة مدنية تتبنى الية السوق وحرية حركة راس المال.

توسع الحريات والحقوق، بما فيها الديمقراطية، ليست نتاج الأفكار والصراع بين المدارس الفكرية!

أحد اهم الأسس الذي انطلق منها منصور حكمت في تقيمه لوضع الحريات في اعقاب انهيار القطب الشرقي هي حقيقة ان توسع الحريات والحقوق لم ولن تكون نتاج أفكار والصراع بين المدارس الفكرية، بل ان الحريات هي نتاج الحركات الاجتماعية والصراع بين تلك الحركات. اي ان الحركات الاجتماعية هي التي تفرض الحريات والحقوق وليس المقولات حول الديمقراطية والمدارس الفكرية وصراع بين تلك المدارس.

الكثير من الحقوق والحريات الديمقراطية كانت نتيجة لنضال حركات أخرى!

ان المعايير والقيم والحريات والحقوق والعدالة الاجتماعية والمطاليب التي الحقت بالديمقراطية مثل سيادة القانون وحقوق الانسان والحريات المدنية والفردية والسياسية هي ليست نتيجة العملية الديمقراطية نفسها، بل نتيجة نضال الطبقات والفئات والحركات والقوى الاجتماعية الاخرى مثل الحركة الاشتراكية وحركة مساواة المرأة والحركة المعادية للعنصرية والحركة الليبرالية وتحت الراية الفكرية والسياسية لهذه الحركات والتي تمكنت من تحويل جزء من أهدافها الى قوانين وعرف في الكثير من الأحيان خارج العملية الديمقراطية. بالمقابل فان العملية الديمقراطية قد تؤدي الى بروز القوى الفاشية والعنصرية والرجعية المعادية للإنسانية وللطبقة العاملة بشكل خاص.

هناك فرق بين وجود حق وإمكانية الاستفادة من الحق!

لقد وضح منصور حكمت بشكل بارع بان هناك فرق بين الحق وإمكانية او قدرة الاستفادة من الحق. ففي الكثير من الأحيان يكون الحق مضمون للجميع من الناحية القانونية، ولكن لا يمكن للغالبية العظمى التمتع به.  فمثلا من حق المواطن الترشيح لمنصب ما. ولكن، في الواقع، من اجل الترشيح للمنصب تحتاج الى أموال لا يملكها الا قلة، كما تحتاج الى جهود ووقت هائل، وهي أشياء لا يمكن للفقراء توفيرها. هذا عدا عن ان الغالبية محرومة من مقومات الفوز مثل الحصول على مستوى معين من التعليم، وان يكون لها جذور عائلية معروفة، وان تحظى بدعم حزب برجوازي. تنطبق قدرة الاستفادة من الحق على معظم المسائل الأخرى، فمثلا للمواطن حق قضاء وقت في أرقي المنتجعات، اقتناء افضل السيارات والخ، ولكن اغلب المواطنين لا يمكنهم الاستفادة من تلك الحقوق.

وتقوم الديمقراطية الليبرالية بتفريق صفوف الطبقة العاملة بوجه الرأسمال اذ تجد مبادئ الليبرالية بان تأسيس النقابات والمنظمات العمالية تجاوز على الحريات الفردية. ففي الوقت التي تكون فيه البرجوازية منظمة من كل النواحي وتواجه الطبقة العامل بصف منظم من خلال تحكمها بالدولة والقانون، يُطلب من العمال في افضل الأحوال الدخول في صراع مع البرجوازية كأفراد، اي يحرموهم من نقطة قدرتهم الواقعية النابعة من وجودهم الجماعي الحياتي.

ان هذا الحديث عن هذا البحث، وتسليط الضوء على بعض جوانبه، لا يعني انه يمكن الاستناد اليه بدل من قراءة النص نفسه. ولهذا اوصي المهتمين، وفي مقدمتهم الاشتراكيين والتحررين ان يقرأوا البحث “الديمقراطية بين الادعاءات والوقائع” نفسه.  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى