المقالاتنادية محمود

من أين تبدأ عملية التغيير؟

نادية محمود

لماذا تسعى الحملات التي تدافع عن قضايا النساء للجوء في أكثر نشاطاتها الى ما يسمى بالضغط على البرلمانيين والبرلمانيات وعدم الالتفات الى تنظيم  وزج النساء صاحبات المصلحة الاولى والحقيقية، وعلى مستوى قاعدي في الضغط على الدولة من أجل مطالبهنّ النسوية؟

يعود  سبب هذا التحرك للضغط من الأعلى وعدم التحرك من القاعدة، إلى وجود قصور حقيقي في فهم آلية التغيير في المجتمعات، ومنها العراق ( محاصصاتي، غياب الدولة، فساد، وميليشيات وإرهاب).

لانتزاع تغيير معيّن، يجب زج قوى عظيمة، جادة ومنظمة، باستراتيجيات عمل طويلة، وبقيادة لها رؤية واضحة تعرف ما تريد، بدونها… لا يمكن تحقيق المطالب.

أسفرت انتفاضة تشرين، الانتفاضة التي لم يشهد مثيل لها في العراق من قبل، عن حصول 200 الف محاضر/ة من شباب العراق العاطل عن العمل على راتب وعمل مؤقت بأجور تعادل 150 دولار شهريا ، وبعد ان قدم 800 شاب/ة حياتهم فيها، واصيب وجرح فيها 25 الف شخص، واختطف من اختطف، واغتيل من اغتيل. وهذا هو المطلب الوحيد الذي تحقق من مجموع عشرات المطالب التي رفعت من مختلف المشارب والطبقات.

من اجل تحقيق اي هدف، وانتزاع اي حق من الحكومة، يجب تنظيم اصحاب القضية من اسفل، وبأشكال مختلفة، وبأساليب مختلفة، وبأعمال مختلفة. والاستفادة من بين امور اخرى، تعبئة أعضاء من البرلمان، ولكن ليس برمانيي العراق، برمانيي النهب والسلب وانتزاع اكثر ما يمكن من كعكعة المنصب!!

اما اللجوء والتركيز وجعل كل القضية الضغط على اعضاء البرلمان، وعدم الالتفات إلى اصحاب القضية الاصليين، الاساسيين، المتضررين من الظلم الواقع عليهم، انما يعني، ترك المطاليب لمهب الريح. 

لقد كان لدينا لقاءين مع ناشطتين من حملتين: الاولى من الحملة ضد تغيير المادة 57 الخاصة بحضانة الطفل، والاخرى مع ناشطة من رابطة الخريجين القدامى (من اجل فرص عمل او الاعانات الاجتماعية). ورد في حديث الناشطتين (مع كل التقدير لجهودهن في الحركة) بان معظم نشاطهن كان منصبا على “تعبئة” اعضاء البرلمان لضمان تأييدهم! ولكن من هم هؤلاء اعضاء البرلمان؟ هم أنفسهم من يقف بالضد من مطالب الحركة النسوية، هم من يقف ضد تشريع قانون يجرم العنف المنزلي، هم الذي يسعون بين فترة واخرى الى طرح مسودات قوانين إسلامية لنسف قانون 188 الخاص بالأحوال الشخصية. لكن؛ استغلالا لفترة الانتخابات، بدأوا بتقديم الوعود تلي الوعود وبيّنوا عن وجههم المرائي والكاذب .

تؤكد هاتان الناشطتان على إن السبب وراء عدم قيامهن بتعبئة النساء صاحبات المصلحة الحقيقية في المطلبين، عدم قدرة النساء على المشاركة في اي تحرك، عدم قدرتهن على مغادرة بيوتهن، عدم سماح ازواجهن او اباءهن او اخوانهن لهن بمغادرة المنزل للمشاركة في الاحتجاج، عدم قدرتهن على دفع نفقات المواصلات لوصولهن لمكان الاحتجاج، او الى التجمعات او اماكن الاعتصامات. ان هذه تحديات كبيرة وجادة. الا ان السبب الحقيقي برأيي هو رؤية هؤلاء الناشطات لعملية التغيير. هل التغيير يأتي من اعلى، من فوق؟  اي استجداء البرلمانيين، على التضامن مع قضيتنا؟

 ان نقطة شروع التغيير تبدأ من مكان اخر تماما. وهي النضال القاعدي، الضغط من الاسفل، هذا ما علمتنا اياه كل تجارب البشرية الساعية لتحقيق اهدافها. إذ حققتها وعلى امتداد التاريخ عبر النضال “غير البرلماني” بل النضال الواقعي والقاعدي. بالتأكيد ان هذه مهمة ليست سهلة، حيث ان النساء محجورات خلف ابواب بيوتهن، ممنوعات من الخروج من المنزل الا بموافقة الذكور في الاسرة. ولكن لا سبيل اخر غيرها. لا سبيل غير زج النساء انفسهن بهذا النضال من اجل حقوقهن. لا يمكن ان نحارب بالنيابة عن النساء، بل يجب زج النساء انفسهن بهذه الحرب من اجل القضاء على فقرهن ومن اجل حماية اطفالهن.

لذا، من اجل ان نقوم بحملات نسوية حقيقية يجب ان نجيب على سؤال اكثر الحاحا وفورية وهو: كيف يمكن تحطيم جدار الابوية الذي ما فتأ يرتفع بوجه النساء؟ كيف نكسر الابواب لتتمكن للنساء الخروج للدفاع عن حقوقهن؟ ان حجر النساء في البيوت استراتيجية ناجحة من اجل قمع نصف المجتمع.  ويحتاج الى جهود جبارة، ودعوة للمشاركة فيها الرجال مع النساء، من اجل انهاء سياسة الحجر الاجتماعي على النساء. سياسة اقصاءهن، وابعادهن عن المشاركة في ان يكون لهن دورا في تغيير حياتهن ومصيرهن.

نحتاج الى عمل هائل من اجل ان يكون للمرأة حق الخروج من المنزل والدفاع عن حقوقها. ان هذا ضروري وملح بقدر اهمية نضال النساء من اجل حق التعليم في اوائل القرن المنصرم.

بدون اشراك واشتراك المطلقات والمهددات بسحب اطفالهن من احضانهن، القابعات في البيوت، غير القادرات الان على مغادرة منزلهن، لان المطلقة لا يحق لها مغادرة المنزل، وفق الاوامر الابوية (المُطَلقة خطر على المجتمع!). بدون اشراك الخريجات القديمات والجديدات، الخريجات وغير الخريجات، المتعلمات والاميات، لا يمكن لنا ان نحصل على حقوقنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى