الأخبارالمقابلاتتقاريرتوما حميد

هل يجب أن يكون التطعيم ضد كوفيد-19 إلزاميا؟

الجزء الأول:

توما حميد

لقد أصبح موضوع إلزامية التلقيح والإجراءات الأخرى التي تستخدمها الحكومات لمكافحة كوفيد-19 وخاصة مع بروز حركة قافلة سائقي الشاحنات ” قافلة الحرية” في كندا التي تنتشر الى الدول الأخرى مهم جدا، لذا ارتأينا اجراء هذا اللقاء مع توما حميد، عضو الجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي العراقي.

الى الامام: ما هو موقفك من الذين يرفضون اخذ اللقاح ضد كوفيد-19؟

توما حميد: ان موضوع إلزامية التلقيح والاغلاق والتدابير والإجراءات الاخرى لمكافحة كورونا هو موضوع مهم جدا ويتطلب من الشيوعيين إبداء رأي واضح تجاهه.

بنظري يجب التفريق بين الفرد الذي يرفض التلقيح لأن له مخاوف او توهم وبين الجماعات والشخصيات اليمينية التي تعادي التلقيح لأسباب سياسية وايدولوجية والتي تشن حملة تضليلية ضد اللقاحات. ان معظم الافراد الذين يمتنعون عن اخذ اللقاح لا يقومون بذلك لأسباب سياسة او أيدولوجية. الكثير منهم هم ليسوا ضد اللقاحات بشكل عام. ان وضع الجميع في سلة المعادين للقاح او في معسكر ترامب او من المؤمنين بنظريات المؤامرة الخ هو امر سيئ.

وبنظري يجب على الشيوعيين عدم المشاركة في الحملة التي تقوم بها البرجوازية في تقسيم الطبقة العاملة الى ملقحين وغير ملحقين. البرجوازية هي خبيرة في تقسيم البشر وخلق عداوات بينهم على أساس العرق ومكان الولادة ولون البشر والجنس والديانة وعشرات الهويات الأخرى. لقد أصبح موضوع التطعيم سبب اخر لشق صف العمال في أماكن كثيرة. في الحقيقة يجب ان نحارب اي محاولة تؤدي الى خلق توترات وانقسامات وعداءات على أساس اللقاح. 

يجب ان نتعامل مع الافراد الذي يرفضون اللقاح لان لهم مخاوف او توهمات حقيقية من خلال التوعية والتشجيع والتحفيز المستمر. اما الجماعات والشخصيات اليمينية التي تعادي اللقاحات على أساس أيديولوجي وسياسي فيجب التصدي لها وفضحها بكل قوة لانهم يشكلون خطر على البشرية، فهم نفس الجماعات التي تعادي الشيوعية والاشتراكية والمساواة بين البشر و حقوق العمال وحقوق المرأة ويعادون المهاجرين ويؤيدون حق حمل السلاح وتشكيل الميليشيات ويدفعون بالنزعات الشوفينية والعنصرية. 

إلى الامام: دعنا نتحدث الآن عن الحركات المعادية للقاح على أسس ايدولوجية وسياسية، هل بالإمكان التطرق بشكل مختصر الى تاريخ هذه الحركات والأسباب التي تقدمها.

توما حميد:

ان أقدم أسباب معاداة اللقاح هي دينية باعتبار ان المرض هو مشيئة الله وان اخذ اللقاح هو القيام بعمل ضد مشيئته او ان الله سوق يقي البشر من المرض واخذ اللقاح هو دليل على ضعف الايمان، او لأنه يتم استخدام خلايا لأجنة يتم أسقاطها لأي سبب في تطوير اللقاح او ان اللقاحات تحتوي على منتجات حيوانية معينة.  وبعدها قدمت أسباب صحية لرفض اللقاحات مثل ربطها بأمراض معينة او انها تحتوي على كميات خطرة من املاح الالمنيوم، والفورماكديهايد، ومادة ثيمروسال الذي يتم تكسيره في الجسم الى مادة ايثايل الزئبق والتي هي دعايات عديمة الصحة او ان اللقاح يضعف جهاز المناعة، او ان مخاطر اللقاحات كبيرة او ان للإنسان الصحي وخاصة الأطفال جهاز مناعة يمكنه التعامل مع الفيروسات والبكتريا دون اللجوء الى اللقاح. 

مؤخرا تطورت وتعددت الأسباب التي تُقدم لمعادات اللقاح ومنها  ان شركات الادوية تحقق أرباح ضخمة وهو الامر الذي ينطبق على صناعة الغذاء والمسكن والملابس وكل شيء اخر. او معاداة اللقاح من منطلق يميني نيوليبرالي باعتبار ان الحكومة يجب ان تكون صغيرة وان لا تتدخل في الاقتصاد وفي حياة الناس بحيث يعادون الارشادات الطبية باعتبارها تأتي من الدولة وهي بمثابة سيطرة الدولة على حياة الافراد وفي خيارات وحقوق الفرد. او باعتبار ان اللقاح خاصة الالزامي هو ضد الحرية الفردية وصولا الى الأسباب الاخرى التي ترتقي الى نظريات المؤامرة التي تنكر وجود الفيروس، او خطورته.

الحركات المعادية للقاح برزت منذ بروز اول لقاح ضد مرض الجدري. ولكن كان هناك اربعة فترات شهدت نمو المعارضة ضد اللقاح اكثر من الفترات التي تخللتها، أذ ظهرت موجة في أواسط القرن التاسع عشر ضد لقاح الجدري وهو المرض الذي كان يقتل 40% من المصابين، وظهرت موجة  في أواسط السبعينيات عندما ربط اللقاح الثلاثي بمجموعة من امراض الجملة العصبية والتي تبين لاحقا بانها كانت غير صحيحة وموجة ظهرت في أواخر التسعينيات عندما قام طبيب يسمى اندرو ويكفيلد بدراسة تربط بين لقاح أم أم أر وبين التوحد. وتبين لاحقا بان هذا الطبيب كان يستلم أموال من شركة للمحاماة كانت تمثل 12 عائلة لديها أطفال يعانون من التوحد، كانت بصدد مقاضاة السلطات. وتبين لاحقا بانه تلاعب بالمعطيات وسحبت الدراسة وفقط هذا الطبيب اجازته  فيما بعد.

الى الامام:  انت من المؤيدين لأخذ اللقاح، لماذا نؤيد اخذ اللقاح ضد كوفيد-19؟

ليس هناك شك بان منع إصابة عدد كبير من السكان بهذا الفيروس او على الأقل الحد من الإصابات الخطيرة وخاصة في وقت قصير هو امر مهم للغاية. لقد كان للتلقيح ضد كورونا وتحقيق مستويات عالية من التلقيح أي مناعة القطيع بين السكان مثل إجراءات وقيود الوقاية الاخرى دور مهم في وقاية الافراد والمجتمع من العواقب الخطيرة لهذا الوباء. لم يعد هذا الامر مسالة نظرية. يمكن المقارنة بين دول بغض النظر عن طبيعة انظمتها اتخذت مسارات مختلفة في ميدان مواجهة كورونا فخرجت بنتائج تثبت أهمية التلقيح والإجراءات والقيود الأخرى. فمثلا سكان الصين هي أربعة اضعاف سكان أمريكا، ولكن عدد وفيات كورونا في هذا البلد هي اقل من 1% من وفيات أمريكا التي تقترب من المليون بسرعة. كما حققت دولة مثل نيوزيلندا التي هي قريبة في نظام حكمها من الدول الغربية الأخرى نتائج مذهلة في مواجهة كورونا.

الدراسات تقول ان حتى بالنسبة لسلالة اوميكرون لاتزال اللقاحات تقلل نسبة الإصابة بمقدار 30-40% ولكن الأهم هي ان جرعتين من اللقاح تقلل خطر الإصابة الشديدة واحتمال التعرض لمضاعفات خطيرة بمقدار 70%. وللأسف توكد الدراسات أيضا بان الوقاية ضد الإصابة الشديدة بسبب سلالة اوميكرون بعد جرعتين تنخفض الى 52% بعد ستة أشهر في حين انها ترتفع الى 88% بعد إعطاء الجرعة الثالثة.  كما ان اللقاح يقلل خطر الإصابة بالأعراض طويلة الأمد الناتجة عن كوفيد-19. ورغم ان سلالة اوميكرون هي اقل خطورة، ولكنها لاتزال خطرة بدرجة كافية بحيث تستوجب اللقاح. كما ان سرعة انتشار هذه السلالة تؤدي الى إصابة عدد كبير من المواطنين في وقت واحد وفي حال عدم التلقيح ينتهي الامر بالكثير منهم في قسم الطوارئ وردهات المستشفيات والعناية المركزة وحرمان الكثير من المرضى الاخرين من العناية وحتى انهيار النظام الصحي. ورغم ان المرض هو اقل خطورة عند الأطفال، ولكن لقد مات الالاف الأطفال حول العالم وخاصة ممن يعانون من مشاكل صحية مثل السكري، والربو والصرع وغيرها. تحمي هذه اللقاحات أرواح وصحة ملايين الأطفال حول العالم. من جهة أخرى بإمكان الأطفال نشر المرض. من اجل منع موت الالاف البشر يوميا حول العالم يجب ان يكون لنسبة عالية على الأقل 80% من السكان مناعة ضد الفيروس ومن المهم تحقيق هذا الهدف بأسرع وقت واللقاح هو أفضل وسيلة لتحقيق هذا الهدف. يجب ان نتذكر باننا لم نصل الى اوميكرون الذي يبدو انه اقل خطورة مباشرة بعد ظهور فيروس كورونا بل برزت سلالات أخرى اكثر خطورة أدت الى الملايين من الوفيات حول العالم. كما يعود سبب كون اوميكرون اقل خطورة على الاقل في جزء منه الى اللقاحات. كما ليس بإمكاننا التنبؤ فيما اذا كنا سنواجه سلالات اكثر خطورة مرة أخرى. ان احتمال كون الإصابة نتيجة اوميكرون شديدة وانتهاء المريض في المستشفى والعناية المركزة وحتى الموت هي اعلى بين غير الملقحين بأضعاف المرات.   

ان اللقاح يقلل من الحاجة الى الإجراءات الأخرى مثل فترات الحجر الصحي الطويلة. ويقلل من قلق الإصابة وخاصة في موقع العمل والمدارس.  ويساعد اللقاح الافراد في عدم التسبب في تعريض صحة وسلامة الاخرين للخطر. باختصار اللقاح هو أفضل شيء يمكننا القيام به لوقاية أنفسنا والأخرين من العدوى. 

من جهة ان المضاعفات الخطيرة للقاحات هي نادرة جدا. لهذه الأسباب أؤيد بقوة اخذ اللقاح.

الى الامام: انت تقول ان الجزء الأكبر من الناس الذين يرفضون اللقاح هي ليست لأسباب ايدولوجية او سياسية، ولكن لماذا يرفضون اللقاح إذا؟

توما حميد:

ان امتناع جزء ملموس من السكان في بعض البلدان من تلقي اللقاح هو دليل اخر على ازمة النظام الرأسمالي وتخبط الطبقة الحاكمة وفشل الحكومات. بشكل عام الناس منطقيون ويحبون مصلحتهم ومصلحة عوائلهم واحبائهم ومصلحة المجتمع بحيث يتقبلون على اخذ اللقاح دون اكراه ويكون بالإمكان تحقيق مناعة القطيع دون جعل اللقاح إلزاميا.  هناك قلة ممن يعادي اللقاح لأسباب ايدولوجية مثل تلك التي ذكرناها.

الا ان اغلب الأشخاص الذين امتنعوا عن اخذ اللقاح ضد كورونا هم ليسوا ضد اللقاح بشكل عام وليس لهم أي مشكلة مع تلقيح اطفالها بكل اللقاحات التي يوصي بها العلم.  ولكن في الأجواء الحالية تحول القوى والحكومات والشخصيات البرجوازية وخاصة اليمينية مسالة الفيروس واللقاح الى لعبة سياسية وبذلك تخلق تشوش هائل.  فمثلا، في امريكا المقاطعات التي تحكم من قبل الجمهورين لها مواقف مختلفة عن المقاطعات التي يحكمها الديمقراطيين.

صحيح ان الفيروس كان جديدا والكثير من الأمور توضحت مع مرور الوقت، الا ان هذا الامر لم يكن الا عامل ثانوي في خلق الفوضى والتخبط والتشوش لدى قطاعات هائلة من السكان في

.

الكثير من البلدان. فمعروف ان ما يحرك النظام الرأسمالي هو منطق الربح، لذا فرغم تحذير العلماء المتكرر بان انتشار وباء عالمي هي مسالة وقت، فان النظام الرأسمالي لم يقم بأي شيء للتحضير لمواجهة هذا الخطر. فتحضير وسائل الوقاية الشخصية وأجهزة التنفس الاصطناعي وتوفير اسرة الإنعاش من اجل مواجهة خطر لا نعرف متى يداهمنا هو امر غير مربح بتاتا. وعندما برز خطر الوباء في الصين وإيطاليا لم تقم حكومات مثل بريطانيا وامريكا وغيرها بالاستفادة من الوقت للتحضير لان بنظرهم الاقتصاد كان اهم. قامت بالاستخفاف بالعدوى. لقد اتخذت الكثير من الحكومات البرجوازية لأسباب اقتصادية وسياسية وايدولوجية مواقف متناقضة ومتخبطة، وكل هذا أدى الى خلق تشوش. نتذكر مثلا كيف قالوا في البداية بان الكمامات ليست مهمة وبعدها أصبحت حياتية.  وقد لعب الاعلام البرجوازي دور سلبي في نشر الفوضى والتشوش. وطبعا استغل اقصى اليمين الوباء للترويج لأيدولوجيته بما فيها نظريات المؤامرة والقاء اللوم على الاخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى