المقالاتسمير عادل

يسارياً شعبوياً ام يسارياً طائفياً؟

سمير عادل

( الجزء الأول)

رغد أبنة أكبر جزار بالشيوعيين، أي رغد صدام حسين تنعى رحيل الشاعر مظفر النواب، مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء الذي عرف بتنصله من وعده في تقديم قتلة متظاهري أكتوبر للعدالة ينظم ويتقدم موكب تشيعه، نوري المالكي الأمين العام لحزب الدعوة وأحد ألد أعداء الشيوعيين يحاول منافسة الكاظمي والمزايدة لحضور الموكب، إلا إن المفاجأة إن سمعته قد سبقته، فطٌرد بوابل من الشتائم واشياء اخرى اضافة الى حضور شخصيات أخرى من هنا وهناك ليصطف الجميع ويطلقوا برقيات النعي والأسف على رحيل مظفر النواب.

 في بلد حكمه البعث، تلطخت اياديه بدماء أكثر تيارات المعارضة السياسية وهم الشيوعيين، وفي بلد تحكمه سلطة مليشيات اسلامية ترتعد فرائصها اذا ارتفع صوت اديب معارض، او صدح صوت فنان، او طفى على السطح من تغنى بالحياة، في بلدٍ لا قدر ولا تقدير لكل ما هو ابداع انساني، تصطف كل رموز القمع والاستبداد وكره الحياة ولطم الخدود لتنعي شاعرا مثل مظفر النواب، الا يستحق هذا المشهد اقل ما يوصف بالدرامي، الحيرة ويرسم علامات استفهام!!!

جيل النواب…جيل نكبة اليسار المعادي للامبريالية الغربية:

 رحل الشاعر مظفر النواب قبل أيام عن عمر ناهز الثمانية والثمانين عام، ويمكن القول إن النواب  آخر منْ تبقى من أطلال جيل عاش نكبة اليسار ومجازره بشقيه العالمي والإقليمي؛ حيث تدرجت عليه الانقلابات الدموية بدعم وتخطيط المخابرات المركزية الامريكية للإطاحة بالأنظمة القومية التي خرجت من تحت عباءة الاستعمار والهيمنة الامبريالية في العراق ١٩٦٣ واندونيسيا ١٩٦٥ وتشيلي ١٩٧١، وكانت تقصف فيتنام بكل وحشية و بقنابل النابالم المحرمة الدولية من قبل الاحتلال الأمريكية الذي قتل اكثر من ٢ مليون انسان بدم بارد، وقبلها تم تصفية تشي غيفارا رمز التمرد الثوري ضد الهيمنة الامبريالية الامريكية. اما الوضع المحلي والإقليمي فكان أكثر قتامة، فانه اضافة الى مرارة السجن الذي عانى منه النواب ووجع التعذيب والخوف ممن ينتظرون سرقت روحه ومعاناة سنوات الهروب بعد الانقلاب الدموي للبعث والقوميين العرب، فكان في ثنايا النكبة، الهزيمة العسكرية في حزيران ١٩٦٧ والهجوم العسكري الذي قاده الملك حسين في أيلول عام ١٩٧٠ على منظمة التحرير الفلسطينية وإخراجها من الأردن والذي سمي (أيلول الأسود)  وهزيمة حركة ظفار ١٩٧٥ امام سلطان قابوس في سلطنة عمان المدعوم من نظام شاه إيران شرطي امريكا في المنطقة، وكانت تلك الحركة المدعومة حينذاك من قبل عبد الناصر واشتعال الحرب الأهلية اللبنانية عام ١٩٧٥.

لقد فُطم ذلك الجيل على تفوّق إسرائيل وتمدد الامبريالية الامريكية في العالم، وترسيخ الانظمة القومية العربية الجديدة جذورها. إن مظفر النواب أبن تلك المرحلة وابن جيل،  شهد انكسار المشروع القومي العربي، وهزيمة استراتيجية ذلك الجناح الذي رفع  لواء مقاومة الاستعمار والامبريالية والصهيونية، بينما ظل حائرا هل استراتيجيته تحرير فلسطين طريق لتحرير الأمة العربية أم تحرير الامة العربية طريق لتحرير فلسطين، انه جناح البرجوازية الوطنية الصاعدة التي مثلها العسكر عبر تلك الانقلابات العسكرية في مصر والعراق وسورية وليبيا…الخ.

كان مظفر النواب أحد ممثلي المتمردين لذلك الجيل في العراق إذا لم يكن أبرعهم، ومنيت أحلامه القومية بهزيمة نكراء، ليعبر عن سخطه و امتعاضه ورفضه للواقع الجديد. أي بلغة اخرى كان النواب تعبير عن متنفس المهزومين “الثوريين”. وقد جسده النواب في قصائده (وتريات ليلية) و (القدس عروس عروبتكم) (وطني علمني كل الأشياء) و(رحيل)..الخ.

كان النواب تعبير عن صرخة ضد الظلم السياسي و ثائرا ضد الاستبداد لجيل فشلت أحلامه بتحرير فلسطين وإلحاق الهزيمة بإسرائيل وأمريكا والانظمة السياسية التي كانت تقبع في خندقها.

وبقدر وجع الهزيمة التي مُني به المشروع القومي العربي بنفس القدر تم ترسيخ تلك الأنظمة القومية سلطتها السياسية والاقتصادية. واستطاعت الحركة القومية العربية بجميع أجنحتها اليمينية واليسارية صاحبة المشروع القومي بدهاء  غير متناهٍ اكتشاف القضية الفلسطينية وتبنيها والتي كانت بمستوى قيمة الفوز ببطاقة يانصيب (لوتو) لها.  فعن طريقها حلت تناقضاتها الأيديولوجية والسياسية وخلقت انسجام في صفوفها ومحورتها حول هوية واحدة وهي الهوية الفلسطينية او القضية الفلسطينية. ذلك الاكتشاف كان حاجة ضرورية للدفع بالمشروع القومي في بناء اقتصاد بعيد عن أطماع ونفوذ الغرب وبنية تحتية اقتصادية قادرة على انتزاع حصتها من الامبريالية ولعب دورها السياسي والاقتصادي في النظام الرأسمالي العالمي، وسلطة استبدادية مطلقة، ولا حديث ولا صوت يطالب برغيف خبز وحرية وكرامة غير صوت تحرير فلسطين.

  لنعود الى مظفر النواب فهناك مستويان يمكن الحديث عنهما. المستوى الأول هو الشاعر والمناضل السياسي الذي لا يمكن الفصل بينهما، فوظيفة النواب السياسية او المناضل السياسي هي امتهان الشعر واستخدامه كأداة تحريضية ودعائية لاستلهام “الامة العربية” المنهزمة والنهوض بها وتعرية الواقع السياسي وما آلت اليها، عبر نقد حكامها المستبدين و الأنظمة الخانعة والتابعة للإمبريالية، والذي هو في حقيقته نقد الجناح الآخر في الحركة القومية العربية الذي يعبر عن مشروعه الاقتصادي والسياسي بالمصالحة مع الغرب والرضى على ما ترميه من قسمة وإعطاء مكانة لها في مناطق النفوذ بين الأقطاب الامبريالية العالمية.  اما الاخر هو المستوى الشخصي، وهو ما لاقاه من قمع واضطهاد سياسي بكل اشكاله اسوة بآلاف من المعارضين السياسيين في العراق وفي أراضي (الامة العربية) من المحيط الى الخليج.  وقد نجح النواب في ان يلمس قلوب جماهير عريضة عبر أمسياته الشعرية وتوزيعها في تسجيلات (كاسيت ) آنذاك لتدخل بيوت أكبر عدد من المعارضين السياسيين سواء في العراق أو في المنطقة. ولعب أدائه بإلقاء الشعر في الأمسيات الى حد وصفه من قبل العديد من النقاد والمتابعين بمسرحيات ملحمية. وهذا الأداء الشعري والمحتوى السياسي جعل من النواب ممثلا عن زفرات وآهات جيل طبَعَ في أذهان المجتمع برمته أحلامه القومية من مشاريع اقتصادية وسياسية، وامتزج في وجدانهم مظفر النواب الذي عانى من التعذيب والسجن ليختلط المستوى الأول والثاني، دون التوقف للحظة وطرح سؤال ماذا كان يمثل النواب، ولماذا اليوم يقف ألد اعداء الحرية صفا واحدا بالتبضع سياسيا سواء في موكب تشيعه او في نعيه.

رغد صدام حسين والنفس القومي:

 بالنسبة لرغد صدام حسين، لا نأخذها بجريرة ابيها المجرم صدام حسين الذي كان يعذب الشيوعيين  بيديه في قصر النهائية وهو من يضع نهاية لحياتهم، وكان مظفر النواب واحد من اولئك التي تكتب رغد النعي لرحيله. ان رغد وفي الأجزاء الستة لمقابلتها مع (القناة العربية) قبل عامين اعادت نفس صورة النظام البعثي ودافعت بل صلافة عن جرائمه واكثر من ذلك قالت (ان الشعب العراقي اخطأ ولا تريد محاسبته) فهل هناك صلافة ما بعدها صلافة ووقاحة. لكنها تنعي مظفر النواب، لان شعر نواب انتقد الحكام العرب وانظمتهم السياسية الذين يدورون في فلك الامبريالية الامريكية، وجه النواب سياط نقده ضد ذلك الجناح المتخندق مع الامبريالية كما اشرنا. ان شعر النواب يطفأ النيران المشتعلة في قلب رغد عندما اصطف ذلك الجناح لإسقاط النظام البعثي عبر الغزو والاحتلال. أنها تستحضر روح الامة العربية التي كان ينعيها النواب وتسقط ارهاصاته على الواقع الذي اسقط خلاله نظام صدام حسين. بيد ان رغد لا تريد ارهاق نفسها كي تبحث في تاريخ النظام الذي مثله صدام حسين، وهو نفس التاريخ الذي يسطع فيه نجم النواب، بقتل الشيوعيين عبر تدبير حوادث الدهس بالسيارات واحواض الاسيد داخل العراق والاغتيالات في خارج العراق والموت بالتعذيب في غرف قصر النهاية، وطلب من الباقين لمن وصلت دعوات امهاتهم الى السماء بعد اجتيازها كل السيطرات الامنية و حالفهم الحظ من كتابة (البراءة) من الحزب الشيوعي وهي عنوان القصيدة التي حكم بسببها  النواب ثلاث سنوات بالسجن. ان رغد صدام حسين تريد التشفي بما قاله النواب عن الحكام العرب المتآمرين على الامة العربية وقضية فلسطين. ( من ركب اقنعة لوجوه الناس..والسنة ايرانية!!!…من هرب ذاك النهر المتجوسق بالنخل على الأهواز..اجيبوا فالنخلة ارض عربية..حمدانيون!بويهيون!سلاجقة!ومماليك..اجيبوا فالنخلة ارض عربية.) وفي مكان آخر يقول (يا بلدا يتناهشها الفرس، ويجلس فوق تنفسها الوالي العثماني وغلمان الروم..وتحتلم “الجيتات”الصهيونية بالعقد التوراتية فيها.زبل يخرج حتى ملك الأحباش الجائف عورته في وجهك) وايضا (لن تتلقح تلك الأرض بغير اللغة العربية ..يا امراء الغزو فموتوا..سيكون خرابا..سيكون خرابا ..هذه الأمة ..هذه الامة لابد لها أن تأخذ درسا في التخريب)- وتريات ليلية-.  إنه النفس القومي الذي ينفثه النواب  وتحاول رغد صدام حسين تنشقه وإطلاق زفيره كي تتنفس الصعداء. هذه الجمل الشعرية للنواب تجعل من رغد تحلق عاليا في سماء العراق وتجد وصف النواب الواقع  الحالي الذي تتصارع القوى الدولية والاقليمية؛ الامريكية الايرانية والتركية والإسرائيلية في المنطقة وخاصة على جغرافية العراق. وعلى العراقيين أن يأخذوا درسا بالتخريب كما جاءت ضمنا في مقابلتها المذكورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى