لينين

أسطورة الثورة بلا عنف

ريبوار أحمد

ثورات الجماهير وحضورها الميدان لإزاحة الأنظمة والحكومات الظالمة والقمعية في التاريخ قدمت ضحايا ودماء بحيث أن مئات الضحايا وآلاف الجرحى في ثورات تونس ومصر، كانت بالمقارنة بالثورات السابقة، كالثورة الإيرانية عام 1979 على سبيل المثال، مبعث امتنان واستغراب بسبب “قلة” الضحايا. وليس هذا فحسب، بل وأنها بصدد ايجاد تصور قائل بأن من الممكن أن تتقدم الثورة وتنتصر من دون عنف. وفي هذه الأيام يجري الحديث عن “الثورة السلمية” على صعيد واسع النطاق الى الدرجة التي يبدو فيها مقرراً من البدء شجب واستنكار أي لجوء من قبل الثورات المقبلة للعنف والسلاح. بل ويبدو، من خلال هذه الضجة المفتعلة، الاستنتاج غير المباشر في شجب واستنكار ثورات الماضي لأنها لم تقم بشكل سلمي. حتى أن مديح الثورات السلمية على وشك أن يتحول الى نظرية لرفض كل تلك النظريات التي تقف خلف لجوء الثورة اضطراراً الى السلاح والعنف.

ولم يبقَ هذا التصور قاصراً فقط على وسائل الإعلام الرسمية البرجوازية التي تبرزه بشكل مقصود ومتعمد، بل وأنه شائع بشكل عريض النطاق بين أوساط اليسار وحتى الحركة العمالية والشيوعية. حيث لم ينتشر هذا التصور خلال السنة الماضية فقط على صعيد العالم العربي، بل وأنه انتشر على صعيد العالم كله. خصوصاً أن هذا التصور كان سائداً أثناء تنامي الحركة الثورية والاحتجاجية الجماهيرية في كردستان لدرجة أن أي توجه الى اللجوء للعنف كان مستنكراً ومداناً حتى ولو كان بقصد الدفاع مقابل عنف وقمع السلطة المنقطع النظير. وعلى صعيد الحركة الاحتجاجية الجماهيرية في العراق تحول “النضال السلمي” الى شعار يرفعه حتى الشيوعيون أيضاً. وكان يمكن رؤية القسم بأغلظ الإيمان بأن “نضالنا وثورتنا سلميان” وحتى الحديث بأننا ” عبر النضال السلمي فقط سبيل نحقق أهدافنا ” في أدبيات تلك الحركة الجماهيرية. أما على صعيد العالم العربي فإن “الثورة السلمية” بصدد أن تتحول الى إطار وقالب مقدس بحيث ان الخروج عليه هو أمر محرم. حتى أن بعض التفسيرات يرى أن أحد أسباب تحول الحركة الثورية لجماهير ليبيا الى مأساة هو بسبب لجوء الجماهير الى العنف.

شيوع هذا التصور استلزم الكشف عن الأسطورة الكامنة خلف هذا التصور والتحليل. وقد كان مبعث قلق بالنسبة لي إثارة بحث أسطورة “الثورة السلمية” خصوصاً أثناء تنامي الحركة الجماهيرية في كردستان والعراق لأنه كان سيكون محرضاً على دفع الحركة باتجاه الصدام ومهاجمة أجهزة السلطة، حيث أنه لم يكن أبداً في ذلك الوقت في صالح الحركة وتقدمها، وليس هذا فحسب بل وكان سينتهي بضررها. في تلك المرحلة كان التكتيك الضروري هو أن تبتعد الحركة الجماهيرية عن أي فعل وممارسة تتحول الى سبب للصدام المبكر وإطلاق يد السلطة في القمع. حيث كانت هذه واحدة من القضايا الحساسة جداً لتلك الحركة الثورية والجماهيرية. لأن تلك الحركة بحاجة حياتية للتقدم خطوة خطوة في عملية بحيث تحقق مكاسب ملموسة وترتقي من كافة الجوانب السياسية والتنظيمية والاتساع على الصعيد الاجتماعي والصف المستقل للدرجة التي تقف بوجه هجمات وقمع السلطة والدفاع عن نفسها وحتى الانتصار على السلطة في المعركة الأخيرة. ولهذا لم يكن في ذلك الوقت وقت إثارة هذا البحث واحتمالية حرف الحركة عن مسار هذا التكتيك. على الرغم أن من المؤسف أنه تم حرفها عن الاتجاه الذي كان من الممكن أن تحقق النصر فيه، وهذا ليس موضع بحثنا الآن.

ولكن فيما يتعلق بـ”الثورة السلمية” أجد من الضروري القول ياحبذا لو جرت الثورة وجميع التغيرات الثورية بدون أي عنف وبدون إراقة قطرة دم واحدة. ولكن من المؤسف أنه ليس سوى مجرد أسطورة لا غير. رواج هذه الأسطورة ليس سوى إيهام للطبقة العاملة والجماهير المضطهدة والوقوع في كمائن البرجوازية والسلطات القمعية. هنا من الضروري أن أوكد أن نضال الحركة الجماهيرية والثورية للطبقة العاملة والجماهير المضطهدة بوسعه ويمكنه وينبغي عليه أن يخطو ويعبر بعض المراحل بشكل بعيد عن العنف أو أقل عنفاً. وليس هناك أي شك أن من الضروري والحياتي جداً أن يتخذ النضال والثورة تكتيكاً بحيث يتقدمان في الأوقات اللازمة والممكن التقدم فيها بعيداً عن أي صدام مبكر قدر الإمكان. هذا الأمر ضروري ليس فقط للتصدي للعنف وإراقة الدماء، بل وأنه في نفس الوقت أمر حياتي لتقدم ونجاح النضال والثورة، لأن واحداً من الأسباب الرئيسية لفشل وهزيمة الكثير من الثورات هو الانتفاضة المبكرة في غير وقتها.

ولكن فيما يتعلق بأسطورة “الثورة السلمية” من المناسب أن نبدأ بالسؤال هل أن ثورات مصر وتونس كانت في الحقيقة سلمية بحيث نطلق عليها تسمية ثورات سلمية؟! صحيح أن الثورة في مصر سعت قدر الإمكان للابتعاد عن اللجوء للعنف، ولكن هل صحيح أن السلطات تجنبت القمع والدماء حين كانت قادرة على القمع وإراقة الدم؟ في تلك الثورة التي يقال عنها سلمية قتل حوالي ألف شخص وجرح الآلاف سواء برصاص الشرطة أو بحراب وسكاكين بلطجية مبارك. وإذن وقوف العمال والجماهير المنتفضة إذا كان ذلك ممكناً لهم في مقاومة الهجمات العنيفة للسلطة دفاعاً عن أنفسهم ورفع أيديهم مبكراً مقابل أولئك الأشخاص القادمين لقتلهم هو عمل سيء ومحرم؟! هل أن الوقوف بلا حراك مقابل الهجوم الوحشي للسلطة يمكن تعريفه ومدحه وتقديسه كثورة سلمية؟ هل يمكن أن يكون ذلك نظرية للثورة ويمنح إمكانية النجاح للثورة لو أنها قدمت خدها الأخر للعدو كي يصفعه فيما لو صفعها على خدها الأول بدلاً من القيام بعمل مقاوم أو عمل هجومي في الأوقات التي تتطلب ذلك؟! إن هذا يمكن أن يطلق عليه نظرية فشل الثورة.

إذا بدا للأنظار أن عنف وضحايا ثورات تونس ومصر أقل مقارنة بثورات الماضي فإن ذلك ليس بسبب أن نظرية أو شكلاً جديداً تم اكتشافه بحيث يمكن القيام به ب”ثورة سلمية”. بل أن السبب هو لأنها كانت ثورات غير كاملة، وغيرت شكل الأنظمة فقط وأبقت على جوهرها دون تغيير. على سبيل المثال استطاعت في مصر إزاحة حسني مبارك من السلطة، غير أن السلطة بقيت بيد البرجوازية وتم تسليمها لجنرالات الجيش. ولكن تخيلوا لو أن الثورة ارادت أن تتجاوز الجيش وتزيحه، حينها أي عنف وإراقة للدماء سيحدث؟ في الوقت الذي كانت فيه الثورة بحاجة حياتية لتجاوز الجيش وإزاحته من السلطة واقتلاع ذلك النظام المسعور والقمعي والظالم من جذوره كي تنجح في تحقيق كل أهدافها. لقد قصرت الثورة حتى الآن في وظيفتها هذه، وفي المقابل تقدمت السلطة في قمع الثورة الى الحد الممكن والضروري. وبالطبع أن هناك أسباب أخرى كان لها دور في تقليل مستوى العنف، ومن ضمنها اتخاذ تكتيك مناسب من قبل جبهة الثورة، تركيبة نسيج المراتب الدنيا في الجيش وتعاطف تلك المراتب مع الجماهير الثورية، والدور البارز للطبقة العاملة في الثورة حيث استطاعت شل عصب الاقتصاد بإيقافها للعمل.

ولكن المسألة الأهم هي أن ثورات تونس ومصر لا يمكنها أن تكون نموذجاً لثورة من أجل التغيير الجذري الذي يتطلبه العالم المعاصر. إنهاء الظلم والاضطهاد والحرمان الشامل لأغلبية سكان الكرة الأرضية، يتطلب ثورة تمد أيديها للجذور الرئيسية لذلك الظلم والاضطهاد، يتطلب ثورة تحقق تغييراً جذرياً وثورياً في كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يتطلب اسقاط النظام الرأسمالي، نظام العمل المأجور والملكية الخاصة وإقامة النظام الاشتراكي بدلاً عنه. هذه الثورة هي ثورة عمالية وفي الخطوة الأولى تتطلب إخراج السلطة من يد البرجوازية وتحطيم كل جهاز الدولة البرجوازية وإقامة سلطة الطبقة العاملة بدلاً عنها. بدون ذلك فإن أي حديث عن الحرية وانهاء اضطهاد البشر والحرمان الحالي هو محض خيال لا غير.

وإذن علينا السؤال هل هناك إمكانية للثورة العمالية بدون عنف؟! لقد أجاب التاريخ بوضوح على هذا السؤال. البرجوازية لن تتخلى بالكلام الناعم وبأي شكل سلمي عن السلطة والظلم والاضطهاد، بل أنها على استعداد لإراقة الدماء والقتل في سبيل الحفاظ على سلطتها واستمرارها طالما كان ذلك ممكناً بالنسبة لها. وأي توهم وشك وغموض بهذا الخصوص سيصيب الثورة العمالية بالفشل المحتوم. ولهذا فإن الثورة العمالية لا يمكنها مضطرة ان لاتكون عنيفة. فالبرجوازية وسلطتها مدججة بالسلاح، أسست العديد من الأجهزة القمعية المسلحة العريضة النطاق، وتستخدم كل تلك الأجهزة المسلحة ضد حضور الميدان والثورة العمالية ولن يكون بوسع الطبقة العاملة والجماهير المضطهدة النجاح والنصر إذا لم تحصل على إمكانية هزيمة تلك الأجهزة. لذا فإن الثورة العمالية في خاتمة المطاف مضطرة أن تكون، على الأقل خطوتها الأخيرة، لتحطيم السلطة البرجوازية من خلال اللجوء للسلاح والتسلح والانتفاضة المسلحة. وهذا ليس دليل ميل الشيوعيين وميل الطبقة العاملة للعنف، بل أن سببه هو إصرار البرجوازية على القتل وإراقة الدماء والوحشية مقابل أي مسعى يهدد سلطة هذه الطبقة ويهدد أرباح الرأسمال.

ليست فقط الثورة العمالية، بل أن أية ثورة واقعية في العالم المعاصر من قبل مضطهدي ومظلومي المجتمع لإجراء تغيير على حياة ومعيشة الجماهير المضطهدة، أية ثورة حتى لو كان مضمونها ديمقراطي وتحرري وعلى الأقل تجعل إزاحة قسم من مظالم العالم المعاصر هدفاً لها، ستواجه هجوم الدولة البرجوازية المسلح ولن يبقى أمامها أي سبيل آخر لتجاوز العنف واللجوء للسلاح، إلا إذا كان سبيل الفشل والهزيمة ورفع الراية البيضاء مقابل السلطة البرجوازية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى