منصور حكمت

ماذا يقول العمال الشيوعيون

من هم الشيوعيون، وماذا يقولون؟ يشير الكثيرون في ردهم على هذا السؤال الى احزاب وجماعات سياسية تطلق على
نفسها رسمياً اسم شيوعي، وتقوم بنشاطها تحت هذا الاسم.
من المثير انه اذا وجهت هذا السؤال كذلك لهذه الاحزاب نفسها، ستعطيك الرد ذاته. ان الشيوعية، بتصورها، هي فئة
ايديولوجية وسياسية تضم جماعات مختلفة، وان الشيوعيون هم اعضاء هذه الفئة وهذه الجماعة. ويعمق الراسماليون
وحكوماتهم ايضاً هذا التصور الفئوي للشيوعية. ان المعنى العملي لكل هذا هو ان الشيوعية ظاهرة هامشية في المجتمع.
ليس بوسع الانسان العادي ان يكون شيوعياً. ان الشيوعية ليست تيار موجود في رحم المجتمع، بل مكتب وحركة حزبية
لاناس يسعون لزرق المجتمع الان بعقائد وسبيل وتقاليد خاصة.
ان المصلحة التي تتعقبها الطبقات الحاكمة من تعميق هذا التصور جلية جداً. ان تصوير الشيوعية كفئة هي الخطوة االولى
لقمعها. ولكن، نظراً لكون الشيوعية ليست فئة، بل حركة اجتماعية عظيمة تستمد وجودها من رحم المجتمع الراسمالي،
فان المساعي الهائلة للحكومات الرجوازية المسلحة حتى قمة راسها لم تتمكن على امتداد عقود من قمع هذا الذي يعّدوه
“فئة” حتى االن، والزالت مجابهة الشيوعية ايضاً هي المعضلة االساسية للراسمال والمجتمع الراسمالي. انه امراً الينبع
من فراغ ان يضع اي من حملة السكاكين وحاملي السياط لهذه الطبقة على عاتقه مسؤولية تنظيم الحكومة البرجوازية،
وبغض النظر عما كان يعتمر عمامة او ربط عنق، يظهر فوراً كمتخصص في النضال ضد الشيوعية.
الشيوعية ميل اجتماعي، مثل القومية والليبرالية وغيرها بالضبط، تتشكل في المجتمع نفسه ويعاد انتاجها دوماً. ان اساس
ومركز وجود وتنامي الشيوعية هو الطبقة العاملة والنضال الدائم والمستمر لهذه الطبقة ضد الراسمالية واالوضاع المليئة
بالمشقات التي يفرضها هذا النظام على الكادحين الذين يمثلون االغلبية الساحقة للمجتمع. ان الشيوعية ليست مكتب
ابتدعه ماركس وانجلز. من الزاوية التاريخية، الشيوعية تيار احتجاجي، تشكلت وظهرت قبل ماركس في اوربا اواخر
القرن الثامن عشر واوائل القرن التاسع عشر. كان اساس هذه الشيوعية العمالية، التي مايزت نفسها عن مجمل المكاتب
والتيارات شبه االشتراكية للطبقات المالكة ، هويتها العمالية واحتجاجها على الملكية البرجوازية لوسائل االنتاج بوصفها
علة علل مصائب الجماهير العمالية. حين تم نشر البيان الشيوعي لماركس وانجلز في عام ١٨٤٨ ،كانت الشيوعية
العمالية موجودة كتيار نضالي واحتجاجي حي. اذ استمد البيان الشيوعي اسمه من هذه الحركة الشيوعية العمالية على
وجه الدقة. لقد سلحت الماركسية هذه الحركة االحتجاجية بنقد عميق للمجتمع الراسمالي وبفهم وادراك واضحين الفق
الثورة العمالية. تحولت الماركسية، وبسرعة، الى نظرية ورؤية هذا الصف االجتماعي والى راية الشيوعية العمالية. تحت
راية الماركسية، تحولت الشيوعية العمالية الى قوة عظيمة في الساحة السياسية والتي كانت فعالياتها العمالية االممية
والثورة العمالية لروسيا في ١٩١٧ تجليات لها.
تحولت الشيوعية العمالية الى جزء اليتجزأ من الحركة العمالية في كل البلدان الراسمالية. واينما يجري احتجاج عمالي،
تزيد البرجوازية من حدة شمها فوراً بحثاً عن الشيوعيين. وانى ياتي اسم الماركسية، حتى لوكانت هذه الماركسية شبة
ماركسية لمثقفي الطبقة الحاكمة نفسها، تقوم البرجوازية بمحاصرة امنية لمعامل العمال وتضغط باياديها على اذان العمال
كي اليسمعوا. رغم هذا نشهد ما ان يتصاعد االحتجاج العمالي، فان همهمة الموت للراسمالية وعاشت الحكومة العمالية
تتصاعد بين العمال. ان اي عامل يفكر بتغيير وضعه ووضع طبقته، يتعقب فوراً كتب وكراريس ماركس ولينين. ان
البرجوازية تعد هذا “مؤامرة وتحريك الشيوعيين”. ولكن في الحقيقة ليس هناك اي ربط بموضوعة المؤامرة. الشيوعية
تقليد نضالي داخل الطبقة العامل، طيف ملحوظ من العمال. ان اؤلئك الذين يستلمون االجور، ويعملون وتصب نتيجة عملهم
في اتساع جيب الراسماليين، هم انفسهم الشيوعيين.على الصعيد العام، الشيوعية هي ذلك الميل في الحركة العمالية الذي يتعقب اتحاد العمال في اي وضع كان. يفضح ويعري
اساس حرمانات ومشقات الطبقة العاملة، اي النظام الراسمالي والملكية البرجوازية. ان نضال الطبقة العاملة موجود في كل
لحظة، ويطرح في الوقت ذاته االفق العمومي للثورة العمالية امام العمال. انه نشط وفعال في نضال اي قسم من الطبقة وفي
الوقت ذاته يضع نصب عينيه مصلحة الطبقة برمتها. انه ذلك التيار الذي ينشد اجتثاث كل العبودية المأجورة ومجمل قدرة
الرأسمال، ويعد العمال للعب هذا الدور. اذا ْت
َخف البرجوازية انيابها ليوم واحد من اعناق العمال، سيرى الجميع كيف ان َّ
االف واالف من العمال سيقولون ذلك بصراحة ووضوح مابعده وضوح جريئين. بيد ان رؤية عمق وسعة هذه الشيوعية
الحية للعمال اليستلزم حلول ذلك اليوم. ان االشتراكية التي ضربت جذورها بعمق في الطبقة العاملة تنعكس بوضوح في
يومنا هذا في نمط ولسان الجماهير العمالية وقادتها اللتان تستخدمان في اكثر احتجاجاتهم جزئية.
الشيوعية ميل عمالي حي وعظيم النفوذ، لديه قسم واسع من القادة العمليين وقادة الحركة االحتجاجية معه حتى دون ان
يكون هؤالء اعضاء منظمات شيوعية بالضرورة. بيد انه ليس الميل الوحيد داخل الطبقة العاملة. ان الطبقة العاملة
والحركة العمالية هما مركز ميول سياسية ونضالية متعددة. ان االوضاع والمسائل االقتصادية للطبقة العاملة، االوضاع
السياسية للمجتمع، صراع االحزاب السياسية ومجمل التاريخ المعاصر للمجتمع تصيغ ميول وتيارات سياسية مختلفة داخل
الطبقة العاملة. الفوضوية، االصالحية، النقابية، القومية وغيرها تؤثر جميعاً على الطبقة العاملة وتخلق استقطابات داخل
الطبقة العاملة. وعليه، لرسم المالمح السياسية والنضالية للعمال الشيوعيين والشيوعية العمالية من الضروري جداً تحديد
اختالفات الميل الشيوعي والراديكالي عن سائر الميول ايضاً. وهنا تجد االختالفات ال على صعيد االمال واالفاق معناها، بل
على صعيد الفعالية والنضال اليوميين، الشعارات والتكتيكات النضالية، المطاليب السياسية واالقتصادية، االساليب النضالية
وفيما يخص المواقف المتعلقة بالمسائل االساسية للحركة العمالية وغيرها.
على امتداد السنوات االخيرة، وباالخص فيما يتعلق بالسياسة التنظيمية للحزب داخل الطبقة العاملة، تحدثنا ولمرات عن
الميل الراديكالي-االشتراكي في الحركة العمالية. لقد اكدنا على ان صياغة حزب شيوعي عمالي ومقتدر مرهون بتنظيم
وتوحيد وتقوية هذا الميل داخل الطبقة العاملة. ان جزء من هذا النضال، مثلما ذكرنا سابقاً كذلك، هو السعي لتوعية هذا
الطيف من العمال وتحويله الى تيار نضالي حي يعرف جيداً اختالفاته مع سائر التيارات داخل الطبقة العاملة ويحدد بوضوح
شعاراته وتكتيكاته في الحركة العمالية.
سُت اسبوعياً من االن فالحقاً تحت عنوان عام “ماذا يقول العمال الشيوعيون” تتعقب الهدف َب ْث ان سلسلة البرامج التي
ذاته. سنسعى في هذه البرامج التي ستشمل احاديث، مقابالت، بث اشرطة ندوات حزبية وغيرها الى رسم المالمح
السياسية والنضالية للشيوعية العمالية وطيف العمال االشتراكيين والراديكاليين في الميادين المختلفة. ستشمل طيف واسع
من القضايا: من االسس الفكرية لهذا التيار الى تكتيكاته في الحركة العمالية تمايزاً ومقارنة بسائر الميول واالحزاب الفعالة
في الحركة العمالية. ماذ يقول العمال الشيوعيون عن الثورة والحكومة العمالية، ماهو موقفهم من الجمهورية االسالمية،
واي نوع من الحكومة يجب ان تكون، ماذا نقول حول النضال االقتصادي، النضال من اجل االصالحات والتحسين الفوري
الوضاع العمال، ماهو راينا بالمنظمات الجماهيرية للعمال، المجالس، النقابات، التجمع العام والصناديق العمالية وغيرها.
ماهو مكانة النضال القانوني والعلني لدى الشيوعية العمالية. ماذا نقوم به عند النضال من اجل قانون العمل. ماذا يجب ان
نقوم به تجاه المجالس االسالمية، ماذا نقول بصدد ضمان البطالة. ماهي مكانة التنظيم الحزبي بالنسبة للعمال الشيوعيين،
وباية اشكال يتم تنظيم النشاط الحزبي، ماهي ضوابط اتحاد العمل مع سائر الميول. هذه ومسائل متعددة اخرى على هذه
الشاكلة هي مواضيع بحث هذه السلسلة من البرامج.
سيتناول كل برنامج موضوع مستقل ويمكن االستفاده منه بصورة مستقلة. ان كل من هذه البرامج سيتم نشرها بصورة
منفصلة على شكل مقاالت وكراريس في جرائد الحزب. وينبغي ان توضع بابتكار رفاق الحزب في جدول اعمال بحث
ومطالعة حلقات العمال المناضلين.منصور حكمت

  • ان هذه المقال تم بثه الول مرة تحت عنوان “تعريف باحد برامج اذاعة صوت الحزب الشيوعي االيراني، وتم نشرها
    الحقا في جريدة كومونيست، لسان حال الحزب الشيوعي االيراني، السنة السادسة، العدد ٥٣ ،ايلول-سبتمبر ١٩٨٩.
    ترجمة: فارس محمود
    hekmat.public-archive.net #3090ar.html

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى