المقالاتتوما حميد

منصور حكمت والنزعة القومية!

توما حميد

 الجزء الثاني/  2

“الأمة” من وجه نظر منصور حكمت!

وبقدر تعلق الامر بالرأسمالية، فأن الاقتصاد المشترك والسوق الداخلية لايمكن الحديث عنهما قط بمعزل عن مقولة الدولة الموحدة. لو ان مثل هذه الدولة موجودة، لو أن الجماهير قد تمكنت فعلا من اقامة دولتها ضمن رابطة اقتصادية رأسمالية، عندها، وطبقا لذلك، يغدو فورا كونهم أمة أمرا لا جدل فيه، وعندها لا يتمتع ارجاع ذلك (أي مدى كون مجموعة ما أمة) الى عامل اَخر بأي ضرورة أساسا. ان معيار الاقتصاد المشترك، استنادا الى ذلك، معيارا زائدا، ومن الناحية النظرية، مخادعا ومضللا ويبعد عمليا مجمل موضوعة الأمة عن التعريف.

وفيما يتعلق بعامل “الثقافة المشتركة” يقول ان الإقرار السمة والخصائص النفسية المشتركة (الثقافة المشتركة) بـ”ثقافة قومية” ما فوق الطبقات تميز الذهنية والمكانة النفسية للبشر المنتمين الى أمة واحدة اجمالا عن الآخرين لهو اقرار غير ماركسي وغير واقعي وخيالي الى أبعد الحدود.

ليست الامة فحسب، بل ان لائحة العوامل التي تعرف الامة هي في الواقع جمع من عناصر وخصائص قومية طرحتها تيارات اجتماعية مختلفة في مراحل مختلفة من التأريخ، وفي اغلب الاحيان، بصورة متضادة ومتجابهة لبعضها البعض. ان تلك التيارات الاجتماعية التي عرفت الامة تاريخيا ارتباطا باللغة المشتركة وتدعوا الى اقامة الامم من أناس ذو لغة مشتركة، تجد نفسها بمجابهة المدافعين عن نظرية الأمة استنادا الى الارض او على الخصوص الأمة بوصفها كيانا اقتصاديا. انها رايات حركات قومية مختلفة واقسام مختلفة لشتى المجتمعات وشكلت وصانت أمم طي صيرورة تاريخية واقعية عبر ممارساتها. لم تنتهِ هذه الصيرورة وهذه الممارسة، ولن تنتهي. ان لهذه الممارسة تتمة، يعاد أنتاج أمم قديمة مرة اخرى، ويسعى من اجل خلق أمم جديدة، تجابه التفسيرات المختلفة لمعايير الاصالة والتفوق والحقوق القومية الواحدة بالأخرى، وتعاد أثارتها وتحريكها في اذهان الجماهير.

يقول، تلك المعايير هي راية حركات قومية مختلفة وصراعات اجتماعية وسياسية مختلفة. على سبيل المثال، ان الثورة الفرنسية، ولأجل تعريفها للإنسان الفرنسي،”عضو الأمة الفرنسية”، لم تتخذ قط معايير مثل القومية والسمة القومية وحتى اللغة الفرنسية أساسا لها. لقد كان قبول مهام وحقوق المواطنة الفرنسية المعيار الوحيد بهذا الصدد. ان ربط الأمة باللغة والاثنية ولاحقا بالأصل والنسب يقف امام نشوء الأمم من نوع الثورة الفرنسية.

ان تعريف الأمة الالمانية استنادا الى الارض واللغة، يعرف فروعا مختلفة من النزعة الالمانية، ويقر بمجاميع مختلفة أخرى على انها أمة المانيا. ان التأكيد على العامل الاقتصادي لتعريف أمة ما كان أساسا راية الحركة القومية – الليبرالية التي اعترفت بالأمم بمنح أقل ما يمكن من مكانة ودور للعنصر القومي واللغوي والعرقي بحيث تصبح قادرة على ان تكون اساس اقتصاد قومي برجوازي ومحمل لإقامة دولة موحدة وتطور الرأسمالية. لاتتمتع اللغة المشتركة والعرق المشترك والتأريخ والهوية القومية بأي دور كبير بهذا الصدد لدى هذا المدرسة (اي القومية ــ الليبرالية ــ م) التي كان تمثل، عمليا، اكثر التيارات القومية نفوذا من متنصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين. تمثل هذه الاخيرة بدمج الجماهير من أقوام وأعراق ولغات مختلفة في مجاميع قومية وقطرية كبيرة الى حد كاف لتكون اطار سياسي أداري يصب في خدمة تطور الرأسمالية وتراكم الرأسمال. على النقيض من القومية العرقية، أي قومية تؤكد على اللغة المشتركة، كانت القومية الليبرالية موحدة وعامل ادغام الأقوام المختلفة

ويقول الأمة، على عكس الجنس، ليست من خلق الطبيعة، بل انها من خلق المجتمع والتأريخ البشري. الأمة، من هذه الزاوية، تشبه الدين، الا انها عكس الانتماء الديني، حيث إن الانتماء القومي لايمكن اختياره حتى شكليا. بالنسبة لفرد معين لا يمكن الالتحاق بأمة ما أو الانقطاع عنها. ان هذه الخصوصية تعطي الأمة والانتماء القومي قدرة وكفاءة سياسية عجيبة. انها طوق في اعناق جماهير واسعة. لا يعلم أحد اصلها ولا يمكنه تعقبها، ورغم ذلك، فهي تبدو طبيعية وبديهية لدرجة يتخيلها الجميع وكأنها جزء من كيانهم ووجودهم. الا ان جيلنا الحالي محظوظ حيث يرى في زمانه يوميا نشوء أمم جديدة وبطلان المقولات القومية السابقة، لذا لا يمكنه لمس الهوية القومية باعتبارها نتاج الاقتصاد السياسي فحسب، بل ونقدها أيضا. إن الانتماء القومي هو اطار لتصنيف وترتيب الناس في علاقاتهم بالإنتاج والتنظيم السياسي للمجتمع. فالأمة لا تعني جمع افراد ينتمون الى أمة واحدة، بل العكس، الانتماء القومي للفرد هو حصيلة تجسد الهوية القومية الجماعية فيه. ليست الأمم هي التي تنفصل أو تلتحق ببعضها، بل ان الالحاقات والانفصالات المفروضة على الجماعات البشرية هي التي تكون الأمم. وليست الحركة القومية هي الحصيلة السياسية والايديولوجية للأمم، بل على العكس من ذلك ان الأمم هي حصيلة الحركة القومية.

ان الأمة، وبأي شكل نشأت به تاريخيا، ينبغي ان يعاد انتاجها من جديد في الحياة المعاصرة للمجتمعات. ينبغي ابقائها. ما هي تلك الآلية التي تصون الشعور القومي والرؤية المشتركة لتأريخها واللغة المشتركة والارض المشتركة والاقتصاد المشترك والسمة الاخرى للأمة وتعيد انتاجها؟ وفقا للتفسير الميكانيكي للامة، لايشار الى هذه العملية. على سبيل المثال، الطبقة مقولة محورية في تفسير المجتمع عند الماركسية. ان الطبقة العاملة والطبقة البرجوازية نتاج التأريخ كذلك. ولكن التاريخ لن ينتهي عندهما. ان جوهر المجتمع الرأسمالي يكمن في اعادة انتاج واعادة خلق العامل والرأسمالي بوصفهما عامل ورأسمالي في خضم العلاقات الاجتماعية والمسرى اليومي للتأريخ. ان الأمة، وبصورة اولى، كذلك. ان شروط أمة واطلاق تسمية أمة على مختلف جموع الجماهير يعاد انتاجه يوميا في خضم التاريخ المعاصر وليس السابق. ان عملية” تعريف الأمة” عملية ليست علمية ،بل حدث مادي يحدث كل يوم من جديد في ميادين الاقتصاد والسياسة والايدلوجيا. وللسبب ذاته، على الوجه الدقة، للأمة بداية ونهاية..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى