المقالات
أخر الأخبار

انهاء السلطة العائلية في كردستان هو الشرط الأساسي لإنهاء هذا الكابوس

ريبوار أحمد

كردستان وجماهيرها يُخنقان تحت وطأة القمع والاستبداد اللذين يمارسهما حكم العائلتين المفروضتين عليهما. وقد أنشأت هاتان العائلتان ميليشيات وعدداً من المؤسسات القمعية والفاسدة، واستولت، خارج أي قانون أو شرعية أو مبدأ مدني، على سلطة هذا المجتمع وثروته ودخله. لقد جعلا الجماهير تابعة ومطيعة وخاضعة وحارسة لمصالحهم الشخصية، وحوّلا جماهير مليونية إلى أسرى. لقد جعلا حياة ومصير الجماهير بأسرها رهينة لبناء حصن ثروتهم والأقلية الرأسمالية. لا تستطيع الملايين توفير حياة بسيطة لعائلاتها رغم عملها وكدحها وإرهاقها اللامحدود. لقد حوّلت سلطة هاتين العائلتين، التي أصبحت الآن تجسيداً لسلطة البرجوازية الكردية، كل ما يشكّل ضروريات الحياة، من الغذاء والملبس والوقود والمياه والكهرباء والتعليم والرعاية الصحية، إلى تجارة لهاتين العائلتين وشركائهما.

ويكسب جزء كبير من العمال، إن حالفهم الحظ، ما بين 300 و500 الف، بحد أقصى 600,000 دينار (400 دولار) ، مقابل عمل شاق من الصباح حتى المساء في المصانع ومواقع البناء والخدمات البيئية، وما إلى ذلك. أو بعد عقود من الخدمة والكدح، يحصلون على معاش تقاعدي قدره 500,000 دينار، ولا يكفي إجمالي أجورهم وراتبهم لتغطية تكاليف زيارتين للطبيب أو إقامة ليلة واحدة في مستشفى خاص. كيف يمكن بهذا الدخل تأمين الإيجار والغذاء والملبس وزيارات الطبيب والأدوية والوقود، والمياه والكهرباء والنقل، والتعليم… وما إلى ذلك لعائلة؟! كما أن هناك سيلاً من خريجي الجامعات.

كما أن الحصول على فرصة عمل ودخل كهذا أصبح أمنية بعيدة المنال بالنسبة لسيل خريجي الجامعات الشباب. والوضع مع العمال الآخرين والمعلمين والموظفين وأصحاب المهن الأخرى كذلك، حتى لو كان هناك فرق بسيط، لكنهم لا يستطيعون تحمّل الظروف القاسية التي يقعون في شركها. مع هذا الوضع، نسبة كبيرة من الناس عاطلون عن العمل وبلا دخل. لا توظيف، لا ترقية. والراتب الذي يبقى فقط بضع ساعات في يد وجيب العامل والموظف، بألف سبب وسبب دائماً يأتي متأخراً.

إن السلطة (الظالمة، الاستبدادية، التعسفية، غير القانونية، غير الشرعية، القمعية) عائلية وميليشياوية، قيّدت الجماهير بمائة غل وغل اقتصادي وسياسي، ومع ذلك فهي غير ملزمة بأي مسؤولية تجاه حياتهم. ما كان يُسمى سابقاً بالخدمات العامة والحكومية قد تم إفراغه وتدميره خطوة بخطوة وبشكل منهجي، ومع ذلك، فإن قائمة الضرائب والرسوم المختلفة المفروضة على الجماهير والكسبة والأسواق وكل معاملة لا تزال تطول وتطول. وفي النهاية، يقع عبء كل هذا على عاتق العمال والمعلمين والموظفين وأصحاب الأعمال، مما يضيق الخناق عليهم من خلال ارتفاع تكلفة الضروريات اليومية. وتذهب عائدات هذه الضرائب والرسوم مباشرة إلى خزائن لا تنضب لهاتين العائلتين وشركائهم. فهم يبيعون النفط، سواء كان قانونياً أم مهرباً، ويحتفظون بالعائدات لأنفسهم؛ ويحصلون على جميع أنواع الضرائب والرسوم الجمركية، ويحتفظون بالإيرادات لأنفسهم؛ ويبيعون ممتلكات الدولة والبلديات ويحتفظون بالأموال لأنفسهم، وقد أنشأوا مئات الشركات المختلفة واحتكروا كل شيء بدءاً من الغذاء والرعاية الصحية وصولاً إلى التعليم والمياه والكهرباء والإسكان والوقود وجميع قطاعات العمل والسوق والتجارة. وعلاوة على كل هذا، فإن هذه السلطة مديونة للناس بعشرات الرواتب. ولا تسدد الحكومة ديون الجماهير، ولكن إذا لم يسدد مواطن ما ديناً مفروضاً من الحكومة، تُقطع عنه المياه والكهرباء.

إن سلطة هاتين العائلتين الناهبتين، اللتين تفتقران إلى أدنى قدر من الحياء والكرامة، تعرض في إعلامها الوضع المأساوي والمؤلم لتلك العائلات التي تغرق في الفقر وتكافح من أجل البقاء. تشجعهم على الحديث عن حياتهم المأساوية بالبكاء والنحيب، يتوسلون إلى الأغنياء والرأسماليين ليتحرك ضميرهم ورحمتهم ويقدموا كصدقة تكاليف الخبز اليابس أو المأوى أو مرضاهم العاجزين. هاتان العائلتان اللتان تجلسان على قلعة ثروتهما اللامحدودة من النفط وسلب جيوب الناس وبيع كل ضرورات حياة الناس كتجارة، ومع ذلك يضعان الميكروفون أمام الناس ويُرشدانهم إلى كيفية التذلل والتسول للحصول على صدقاتهم. ان سلطة ضرائب ورسوم وجمارك ونهابّة غير مستعدة لإظهار أدنى مسؤولية حتى تجاه وضع أولئك المواطنين الذين على حافة الموت أو أصبحت الحياة لهم جحيماً وكارثة. فالسلطة التي تعيش على الضرائب والرسوم والجمارك والنهب ليست مستعدة لإظهار أدنى قدر من المسؤولية، حتى تجاه محنة أولئك المواطنين الذين أصبحت حياتهم كارثة جهنمية، أو الذين هم على شفا الموت.

إن مسعود بارزاني وأمراء وأبناء أمراء عائلته من جهة، وأبناء الطالباني وعائلتهم من جهة أخرى، كل واحد منهما جعل مدينة كاملة قصراً ملكياً بكل وسائل الحياة الفرعونية المذهلة. أبناء الأمراء الجدد الذين لم يضعوا أيديهم في الحار والبارد أبداً ولا يعرفون حتى ما معنى العمل، أصبحوا مليارديرات مباشرة على حساب هذه اللادولة. كل من هاتين العائلتين بقوة الميليشيات وأجهزة الحماية والاستخبارات والأمن ومكافحة الإرهاب وأنواع أجهزة القمع والإفقار، جعلوا أنفسهم ملوكاً لمنطقة. كل أولئك الذين يُسمون برلمان ومجلس وقضاء وبلدية وما يسمى بانتخابات، سوى كرتون وغطاء لسلطة العائلة القمعية، لا شيء آخر. فالسلطة مطلقة ومقصورة على يد هاتين العائلتين، أولئك الذين يُعرضون كأجهزة حكومية ومدنية وقانونية هم مجموعة من الأتباع والمطيعين والمنفذين لخدمة سلطة هؤلاء الملوك والأمراء. إن ما سُجِِّلَ في تاريخ ٣٥ سنة الماضية لهذا المجتمع هو أن البارزانيين والطالبانيين، وتحديداً مسعود بارزاني والطالباني الأب والابن، اللذين كان لديهم ٣٥ سنة وقتاً، ولكنهم جعلوا في القرن الحادي والعشرين، من خلال القوة الغاشمة ونموذج سلطة يعود لقرون وسطى، مجتمع كردستان العصري أسيراً ومبتلىً وعاجزاً.

لدعم نفسها، دعمت هذه السلطة العائلية الرجعية والظالمة والناهبة والقمعية، وروّجت لكل أنواع الرجعية الإسلامية والعشائرية والتقاليد البالية والمتخلفة. ليس لهذه السلطة المفروضة أي نوع من الشرعية السياسية والقانونية والاجتماعية وحتى الأخلاقية، ولا تصلح أبداً لجماهير كردستان المتحضرة والمجتمع الحديث. إنها لا تتوافق مع أبسط معايير العصر والحقوق والحريات الأساسية المعاصرة، ولديها تناقض معها لا يمكن حله. ليست هذه السلطة  ظالمة واستبدادية وحسب، وليست فقط رجعية ومتخلفة، ولا يقتصر دورها على النهب والسلب من جيوب الجماهير فحسب، بل دفعت مجتمع كردستان إلى حافة الدمار والانهيار. لذلك إن أي نوع من التغيير التقدمي وإخراج حياة الناس من هذه المأساة، مرهون، قبل كل شيء، بإنهاء هذه السلطة. إن هذ هي حالياً العقبة والحاجز الرئيسي أمام أي تقدم وتحسن وتغيير نحو حياة إنسانية جديرة بالإنسان المعاصر. إن  إنهاء هذه السلطة هو الخطوة الأولى وبداية استعادة المجتمع على مسار واتجاه يمكن أن يصل إلى إقامة سلطة تقدمية تعتمد على إرادة الجماهير، سلطة يكون برنامجها الأساسي توفير الحرية وإنهاء جميع المظالم التي تسببت فيها 35 عاماً من حكم عائلتي طالباني وبارزاني.

لا شك أن إسقاط هذا النظام المسلح والثري والقمعي وإزاحته عن الحكم ليس بالمهمة السهلة، لكنه ليس مستحيلاً. إذا نظّمت تلك الملايين من نساء ورجال الطبقة العاملة، المعلمون والموظفون والفقراء العاملون والشباب والعاطلون عن العمل وأصحاب الأعمال الصغيرة، الذين عانوا من ارتفاع تكاليف المعيشة والفساد والقمع، نفسها وإذا توحدت حول أفق سياسي ثوري للإطاحة بهذه الدولة الكابوسية، فسيكون بإمكانها شلّ سلطتهم وأسلحتهم وأموالهم وجعلها عديمة الفعالية. يمكنهم إنهاء الحكم الاستبدادي لهاتين العائلتين الاستبداديتين وتقديم كل ناهب ومجرم وقامع إلى محكمة الجماهير الثورية. وقد تركز الموضوع الرئيسي للمناقشات في الاجتماع الموسع الثالث والثلاثين للجنة المركزية على هذه القضية وعلى ضرورة وطريقة التحضير لهذا التحول، وعلى هذا الأساس ولهذا الغرض، تم تحديد المهام الرئيسية والمهام الفورية للحزب الشيوعي العمالي.

ومما لا شك فيه أن هذا التغيير في السلطة وفي ظروف الحياة هو في نهاية المطاف مهمة يجب أن ينجزها العمال والجماهير المضطهدة المنظمة والمتحدة حول هذا الأفق. تلعب المنظمات والجمعيات والشبكات التي تضم العمال والنساء والشباب والمعلمين والموظفين دورًا بالغ الأهمية في هذا النضال والتغيير. يجب تعزيز وتطوير المنظمات القائمة؛ وحيثما لم تكن موجودة، يجب إنشاؤها، وتنظيم الجماهير وتوحيدها حولها. الوحدة والتنظيم هما الشرطان الأساسيان لنجاح هذا النضال من أجل إخراج المجتمع من هذا الجحيم وهذه الكارثة. وأي توقعات من هذا النظام، حتى فيما يتعلق بحل أبسط مشاكل الجماهير، هي أوهام غير صحيحة وغير معقولة، ولن تؤدي إلا إلى تفاقم وتراكم المزيد من البؤس والفقر المدقع. منذ البداية، لم يكن حل أبسط مشاكل الجماهير جزءًا بأي شكل من الأشكال من سياسات هذا النظام أو أجندته. فهم ما زالوا يفكرون ويخططون لكيفية استنزاف المزيد والمزيد من دماء الجماهير، إلى درجة أنهم يركزون على كيفية الاستفادة من آخر أنفاس المرضى، لصالح مستشفياتهم الخاصة. لذلك، يجب شن نضال شامل في جميع المجالات ضد هذه الكارثة. من فرض المطالب إلى التغيير الجذري، لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال هذا النضال. إن دور قادة ونشطاء الحركات الاجتماعية واحتجاجات العمال والموظفين والمعلمين والنساء والشباب، فضلاً عن الفعاليين الشيوعيين والتحرريين والتقدميين، في هذا النضال، يعد تنظيم وتوحيد الجماهير أمرًا حيويًا وحاسمًا، ويمكن أن يمهد الطريق لهذه التغييرات.

20/09/2026

زر الذهاب إلى الأعلى