المقالاتفارس محمود

إنها عنجهية وغطرسة اسرائيل!

فارس محمود

ما ان اندلعت اوضاع حرب اسرائيل على غزة، حتى هرع بايدن والبيت الابيض وقادة دول اوروبا خلف اكاذيب نتنياهو متحدثين عن “حرب حماس واسرائيل” وموجهين النداء لحماس واسرائيل حول “ايقاف العنف” و”ضبط النفس والى “عدم تعريض مواطني اسرائيل وغزة للخطر”، و “لإسرائيل الحق المشروع في الدفاع عن نفسها من الهجمات الصاروخية” (البيت الابيض)  و…الخ.

  ليس ثمة تصور لا ربط له بالحقيقة كذاك الذي يصور الوضع في غزة على انه حرب حماس واسرائيل او يضع كلا الطرفين على قدم المساواة فيما يجري. ان يقوم نتنياهو وبايدن والحكومات الغربية بخلق هذه الصورة هو امر يمكن فهمه، دون شك.

ان تصوير نتنياهو والغرب هو مغرض الى ابعد الحدود، ويوفر لأمثال نتنياهو الارضية الادبية لمواصلة المجزرة بحق جماهير غزة واعمال القتل الجماعية والتدمير، ويعطي المشروعية لإرسال 150 غارة جوية في يوم واحد على منطقة صغيرة، محاصرة اقتصادياً،  ترزح اغلبية  سكانها بفقر مدقع، و40% من شبابها عاطلين عن العمل دون اي ضمانات معيشية، ويغط المجتمع كله في يأس قل نظيره تحت سلطة اسلامية، ميلشياتية، رجعية، فاسدة ومجرمة!

  ان من يضع كلا الطرفين في كفة واحدة هو، وبغض النظر عن نياته، يعطي الحق لإسرائيل في حملتها الاجرامية، ببساطة لأنها هي وحماس في حرب!!! او في احسن الاحوال يخفف من القاء مسؤولية كل هذا الاجرام عن كاهل اسرائيل. انه يقدم خدمة كبيرة مجانية غير مشكور عليها لنتنياهو واليمين الاسرائيلي.  

 في الحقيقة ان وجود منظمات من مثل حماس والجهاد الاسلامي مدين للاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، مدين للجزع والياس والاحباط الفلسطيني من استمرار ودوام جرح غائر اسمه الاحتلال الاسرائيلي لما يقارب من سبعة عقود.

وفي الواقع، منذ تسعينات القرن المنصرم، لم تندلع حرب او صراع او … دون ان تكون البادئة فيه اسرائيل سواء عبر او امتداداً للاستيطان، بناء المستوطنات، التهجير، الطرد من الاراضي، تجريف البيوت والمزارع وغيرها. وحتى اليوم فبدأت القضية بالتالي: سعت اسرائيل الى طرد عوائل كاملة من بيوتها، في حي الشيخ جراح، ضمن سياسة التهجير والاستيلاء على المناطق بالقوة والكذب بهدف تغيير ديمغرافية المنطقة (القدس الشرقية)، وهي العملية الجارية على قدم وساق بالنار والحديد منذ اكثر من  7 عقود. ادى الامر الى مقاومة العوائل، وبالتالي تدخل سكان المنطقة، لتتفجر الاوضاع، و لتقوم اسرائيل بأعمال قصف، وترد حماس ودفعت بالأمور الى ما وصلت اليه الان.

 ناهيك عن ان توقيت هذا الامر يرتبط اساساً بالأزمة الداخلية والحكومية التي يرسف بها نتنياهو، دور اساسي في هذا السيناريو، ترك الحكومة. ان هذا اسلوب معروف لدى اليمين الاسرائيلي دوما. يمين اعتاد دوماً على حل ازماته عبر افتعال حروب او صراعات بهدف بقاء نتنياهو هذه المرة في السلطة في الوقت الذي عليه ان يقدم استقالته منها. انه يمين من القذارة بدرجة بحيث انه على استعداد لارتكاب مجازر وقتل الاطفال والابرياء من اجل اهدافه الوضيعة في السلطة والحكم.

نحن نعلم ان حماس والجهاد الاسلامي منظمتان موغلتان في الرجعية ومعاداة الانسان، والمرأة بالذات، معاديتان للعامل، للحرية، للمساواة ولكل ما هو انساني. انهما تنشدان الاستفادة من الاوضاع بحيث يصب الماء في طاحونة مصالحها الرجعية وترسيخ سلطتها، ليس في هذا شك. كما ان ردها وقصفها للمناطق المدنية وقتل الابرياء هو امر مدان بشكل تام. اذ ان الرد على مجازر اسرائيل بحق المدنيين في غزة، بقتل المدنيين في اسرائيل برد اساساً! انه جرم ايضاً. 

انه حديث عقود بالنسبة لنا حين قلنا ان مجيء امثال حماس هو في جانب منه، جراء بقاء جرح فلسطين نازفاً، جراء تعنت اسرائيل ووقوفها بوجه اي مساعي لحل هذه القضية ودوسها على العديد من القرارات الدولية بهذا الشأن. ومثلما بينت التجارب، كلما تلكأ سبيل حل عادل للقضية، كلما ازدهرت حماس وامثال حماس. فمع تقدم اتفاق اوسلو 1993 بين فلسطين واسرائيل في وقته، راينا كيف تراجعت التيارات الاسلامية وتهمشت. بيد ان فشل هذه الاتفاقية وكل عملية السلام جراء التعنت الاسرائيلي وهيمنة اليمين الاسرائيلي على مقاليد السلطة والحكم هو ما بث الروح مرة اخرى في التيارات الاسلامية.

اما ان يربط احد ما اليوم الامر بالاستقطابات السياسية العالمية ( محور الجمهورية الاسلامية وحماس والجهاد وحزب الله والحوثيين والحشد من جهة وامريكا واسرائيل وحلفائهم في المنطقة من جهة اخرى). ليس لهذا التحليل اي صلة بالواقع والحدث المعني. ليس لهجمة اسرائيل صلة بالصراع المذكور. ان حرب اسرائيل الاخيرة في غزة هو امتداد مباشر  لسياسات اليمين الاسرائيلي بالتطهير العرقي، لا اكثر ولا اقل. وليس هذا بأمر جديد. انها جزء من سياسات اسرائيل منذ 7 عقود، وليست امر الصراعات العالمية او الاقليمية. ان متطلبات هذه الحرب هي داخلية ومحلية اكثر مما ان تكون ذات ربط وصلة اقليمية او عالمية.  

ان توجيه اصابع الاتهام الى كلا الطرفين، وهو الامر الذي يروج له البعض من اليسار، امتداداً لتصوراته الانتي اسلام سياسي، هو تعامل سياسي غير صحيح. ان اسرائيل المسؤولة المباشرة والوحيدة عن كل هذه المأساة التي اسمها قضية فلسطين وكل تبعاتها على امتداد عقود.

 ان مفتاح حل هذه القضية لا يأتي عبر تصفية الحساب مع تيارات من امثال حماس والجهاد، ان الف تصفية حساب مثل هذه لا تحل هذه القضية ولا تقرب جماهير فلسطين (ناهيك عن اسرائيل) من بر الامان، الامان من الاحتلال والظلم الديني والقومي والدونية والمواطنية من الدرجة الثانية ولو شبر واحد. من الضروري ممارسة الضغط السياسي العالمي بكل اشكاله على اسرائيل لتركيعها وقبولها بالأمر الواقع. ان المقاطعة السياسية بهذا الخصوص وغلق سفاراتها في العالم وايقاف الغرب وامريكا بالدرجة الاولى للدعم غير المحدود لإسرائيل هي خطوات لا غنى عنها بهذا الصدد. يجب طردها من كل المنابر الدولية وعزلها فوراً.

من جهة اخرى، ينبغي التأكيد على حقيقة ان حل قضية فلسطين وانهاء هذا الكابوس هو عبر اقامة دولة فلسطين المستقلة والقابلة للحياة والمتساوية الحقوق مع اسرائيل. ان اي ربط لهذا الحل بدولة “غير قومية” او “غير دينية” او “علمانية” هو امر غير صحيح من الناحية السياسية. ان اساس الحل هو تأسيس الدولتين وليس ماهية او شكل او نوع السلطة وهويتها. ان هذا امر اخر، قضية اخرى لها صلة بدولة فلسطين نفسها المستقلة وقواها السياسية ولا ربط له بإسرائيل ما بعد الدولتين. انه امر مرهون بصراع اخر، بالصراع الطبقي والسياسي اللاحق، بصراع القوى السياسية والاجتماعية في فلسطين. اذ ليس من الصحيح ان يكون لدينا شرط من الان على نوع الحكومة والدولة لحل هذه المعضلة التاريخية. انه امر لاحق يحدده صراع مقبل اخر في اوضاع اخرى وبقوى اخرى.       

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى