المقالات
أخر الأخبار

بيان الحزب الشيوعي العمالي العراقي حول الانسحاب الأمريكي من العراق


في 30 أيلول / سبتمبر 2026، أغلقت القواعد العسكرية الأمريكية في العراق، وانسحب آخر جندي أمريكي من البلاد، ليفتح ذلك فصلا جديدًا في الوضع السياسي في العراق.
إن الانسحاب الأمريكي من العراق، الذي هللت له الطبقة الحاكمة وسوقته، وبالأخص الفصائل المسلحة الموالية لإيران وأبواقها الذليلة، بوصفه «انتصارًا سياسيا وعسكريا، واعتبرت يومه يوما لـ”السيادة” و “الاستقلال”، لا يعدو أن يكون محاولة لذر الرماد في عيون جماهير العراق وحجب حقيقة استمرار النفوذ والمؤسسات التي أرساها الاحتلال الأمريكي منذ غزو العراق عام 2003.
فوجود هذا النفوذ لا يُقاس ببقاء الجنود والقواعد العسكرية وحدها، والذي هو شيء لا يذكر مقارنة بسائر اشكال التدخل السياسي والاقتصادي، بل يتجسد في البنية السياسية والدستورية والاقتصادية التي تشكلت في ظل الاحتلال، وفي مقدمتها الدستور الطائفي والقومي الذي يقسم المجتمع العراقي على أساس الهويات الطائفية والقومية، ونظام المحاصصة الذي يقوم عليه شكل السلطة السياسية، فضلا عن استمرار التبعية الاقتصادية والمالية للمؤسسات الدولية والنظام المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
كما أن مبيعات النفط، وتدفق عائداتها بالدولار إلى الخزينة العراقية، والارتباط بالمؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تشكل جزءًا من منظومة اقتصادية لا تزال تفرض قيودا كبيرة على اقتصاد المجتمع والتحكم بمقدراته.
إن احتفال الطبقة الحاكمة والتيار الإسلامي السياسي الشيعي، بجناحيه السياسي المتمثل في الإطار التنسيقي والعسكري المتمثل في المليشيات الولائية، بانتهاء الوجود العسكري الأمريكي بالرغم ان القوات الامريكية تم استدعائها بطلب من حكومة نوري المالكي عام ۲۰۱٤ لمساعدتها وانتشالها من مستنقع حربها مع عصابات داعش وتقديمه بوصفه انتصارًا للسيادة، هو محاولة لتضليل جماهير العراق وإخفاء استمرار البنية السياسية والاقتصادية التي تستند عليها السلطة الطائفية في بغداد، تشكلت وترسخت في ظل الاحتلال. إنه تسجيل مكسب كاذب وواهي لسلطتها وحكمها لسلطة لا صلة لها باي رد على متطلبات الجماهير ، سلطة غارقة في الازمات، سلطة ليس لديها ذرة مما تستطيع ان “تزهو” به وبالأخص في ظل السخط الجماهيري العارم على هذه السلطة.
أما النظام القومي الإسلامي الحاكم في إيران، فيسعى بدوره إلى تقديم الانسحاب الأمريكي بوصفه “انتصارًا” لنفوذه في العراق، في محاولة للتغطية على أزماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعلى نتائج السياسات الأمريكية والإمبريالية تجاه إيران والمنطقة.
إن الحزب الشيوعي العمالي العراقي يؤكد أن الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 كانا عاملا أساسيًا وجوهريا ومفصليا في ترسيخ نظام سياسي طائفي وقومي، فتح الباب أمام عقود من الحرب والدمار والفساد والفقر وانعدام الخدمات. كما أن الولايات المتحدة دعمت هذه السلطة وحمت بقاءها مقابل ضمان استمرار مصالحها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العراق، وغضت الطرف عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت بحق جماهير العراق.

واليوم، فإن انتهاء الوجود العسكري الأمريكي يفتح فصلًا جديدًا أمام جماهير العراق للنضال من أجل الأمن والسلام والرفاه والمساواة. فبقدر ما ينزع هذا الانسحاب من المليشيات ذريعة استمرار وجودها المسلح تحت يافطة «سلاحالمقاومة»، فإنه بالقدر نفسه، يساهم في تبديد الأوهام التي نترتها القوى الموالية للسياسات الأمريكية، والتي بشرت بجنة كاذبة تصنع على يد المارينز الأمريكي.
وأظهر انتهاء الوجود العسكري الأمريكي أن القوى المحلية الموالية للسياسات الأمريكية لم تكن أكثر من مطية لتمرير سياساتها، وأنها تترك حالما تتحقق مصالحها، كما حدث في فيتنام وأفغانستان وسورية، واليوم في العراق. وهو ما يؤكد مجدداً حقيقة رسخها التاريخ السياسي الحديث: أينما حلت القوات الأمريكية، حل معها الدمار والفساد والفقر وانعدام الأمن.
كما يضع هذا الانسحاب أمام المجتمع إمكانية إعادة النظر في منظومة السلطة والقوانين والمؤسسات التي نشأت في ظل الاحتلال. وإن الانتقال نحو عراق أمن ومستقل يتطلب تفكيك الأسس السياسية والاقتصادية التي كرستها مرحلة الاحتلال وما بعدها، وفي مقدمتها:
إلغاء الدستور الطائفي والقومي الذي من في ظل الغزو والاحتلال الأمريكي عام 2005، وسن دستور علماني وغير قومي.
إنهاء نظام المحاصصة الطائفية والقومية وإقامة نظام سياسي يقوم على المساواة والمواطنة والحقوق الفردية والهوية العلمانية وغير قومية.
فك ارتباط عائدات النفط والدولار والمؤسسات المالية العراقية بالنظام المالي الأمريكي والمؤسسات المالية الدولية.
حل جميع المليشيات المسلحة بمختلف أسمائها وانتماءاتها، دون قيد أو شرط.
توحید حقوق ورواتب ومعاشات العمال والموظفين والمتقاعدين في إقليم كردستان مع نظرائهم في بقية العراق، وعدم جعل حقوقهم المعيشية رهينة للصراعات والخلافات السياسية بين بغداد وأربيل.
الاعتراف بحق جماهير كردستان في تقرير مصيرها. ويؤكد الحزب الشيوعي العمالي العراقي دفاعه عن الاستفتاء الذي أجري في كردستان عام 2017 وحق الجماهير في تقرير مستقبلها بحرية.
واليوم، فإن انتهاء الوجود العسكري الأمريكي يجب ألا ندع بتحويله إلى مناسبة لتبادل الاحتفالات بين القوى الحاكمة بل إلى نقطة انطلاق النضال جماهير العراق من أجل التخلص من إرت الاحتلال ومنظومة المحاصصة والطائفية والقومية والمليشيات والتبعية الاقتصادية.
إن الحزب الشيوعي العمالي العراقي يدعو جماهير العراق وكردستان إلى الالتفاف حول الافق السياسي والبرنامج النضالي الذي يطرحه ليفتح طريقا للخروج من الفوضى السياسية وانسداد الأفق وإنهاء سلطة التيارات المليشياتية وعبتها بحياة المجتمع، وبناء مجتمع تسوده الحرية والمساواة والرفاه والأمان، ويكون فيه الإنسان وحقوقه وحياته الحرة أساس النظام السياسي والاجتماعي.


2 تشرين الأول / أكتوبر 2026

زر الذهاب إلى الأعلى