حديث العمال: (صدى العمال الجديد) - العدد (50) - هل يستطيع العمال إسقاط قرار رفع سعر الدولار؟

سمير عادل
إن الطبقة العاملة، إذا أقدمت على خطوة نضالية منظمة وواسعة، كما فعلت في السابق، تستطيع اسقاط قرار رفع سعر صرف الدولار. ولن تكون وحدها في هذه المواجهة، بل الالتفاف حولها قطاعات واسعة من جماهير العراق، بمختلف انتماءاتها الاجتماعية، ممن تطالهم تداعيات هذا القرار.
أقدمت الحكومة، بعد أشهر قليلة من تشكيلها، وبعد أن وعدت جماهير العراق بجنة مفروشة بالورود، على توجيه ضربة قاصمة إلى الأوضاع المعيشية للغالبية العظمى من هذه الجماهير. أو، بتعبير أدق، شنّت حرباً استباقية على الحياة المعيشية للعمال والموظفين والمتقاعدين والعاطلين عن العمل، الذين ما زالوا يكافحون من أجل البقاء في ظل انعدام الآفاق للحصول على فرص عمل، سواء في القطاع العام أم القطاع الخاص، الذي فشلت الحكومة الى الان في تهيئة بيئة آمنة ومستقرة فيه لاستثمار رؤوس الأموال، المحلية والأجنبية، وتوفير فرص العمل.
يقول لنا رئيس الحكومة، السيد علي الزيدي، خلال اجتماعه بمجلس الوزراء، إنه لجأ إلى خيار «أحلاهما مرّ»: إما اقتطاع 35% من رواتب العمال والموظفين تحت مسمى الادخار الإجباري، أو صرف الرواتب كل 45 يوماً، أو اللجوء إلى الاقتراض. لكنه، بحسب ما عرضه، رفض هذه الخيارات، ولجأ بدلاً منها إلى تخفيض قيمة الدينار أمام الدولار.
إن جميع المبررات التي ساقها رئيس الحكومة، للأسف، واهية ولا تنطلي على أحد. فهو يحاول تقديم نفسه بمظهر المظلوم، بحجة أنه تسلّم خزينة الدولة مثقلة بالالتزامات المالية من الحكومة السابقة، على خلاف ما يدّعيه عن الحكومات التي سبقته.
ونحن، بوصفنا عمالاً، نقول له: إن القرار المجحف وغير المسؤول الذي اتخذته حكومتك بحق معيشة جماهير العراق لا يختلف، من حيث النتيجة، عن الخيارين اللذين تحدثت عنهما. فتخفيض قيمة الدينار يعني إضعاف القدرة الشرائية للمواطنين، بنسب تتجاوز 10%، على أقل تقدير، فضلاً عن الاستقطاعات التي طالت الرواتب بنسبة 15% قبل اتخاذ قرار تغيير سعر الصرف، والضرائب والرسوم المفروضة على الاتصالات والنقل والكهرباء والعقارات، ورسوم المرور وغيرها. ناهيك على حالة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة التي ستزداد بشكل اكبر بعد قرار تخفيض سعر صرف قيمة الدينار.
بمعنى آخر، إنك فسّرت الماء بالماء، محاولاً التعمية على حقيقة القرار وآثاره الاجتماعية والاقتصادية. أما حجة أنك تسلّمت خزينة الدولة فارغة، فهذه مشكلتك، وليست مشكلة جماهير العراق التي لا ينبغي أن تتحمل تبعات إخفاق الحكومات المتعاقبة وسوء إدارتها للموارد العامة. وكما أعلنت الحرب على الفساد، لكنك لم تلاحق، بحسب ما يراه منتقدوك، سوى الأسماك الصغيرة، تاركاً الحيتان الكبيرة، فإن أمامك خياراً واضحاً: ملاحقة المتورطين الكبار في الفساد ومحاسبتهم، بدلاً من تسويق نفسك بمظهر المظلوم أمام جماهير العراق، التي باتت تدرك أن الحكومة التي لا تخدم مصالحها ولا تحمي مستوى معيشتها لا مبرر لاستمرارها.
لن تنطلي على الجماهير ألاعيب الخطاب الإعلامي، مرة تحت عنوان “الحرب على الفساد”، ومرة تحت عنوان “حصر السلاح بيد الدولة”، ومرة أخرى تحت عنوان إطلاق “العنان للاستثمارات المحلية والأجنبية” كما حدث في الخطاب الذي القي على منبر الأمم المتحدة في دورتها السنوية. فهذه الشعارات لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا توفر عملاً للعاطلين، ولا تحمي الأجور من التآكل، ولا تضع حداً لتدهور المستوى المعيشي. وحدها النتائج الملموسة في حياة الناس يمكن أن تكشف حقيقة هذه الوعود، التي لم تتجاوز، حتى الآن، حدود الأوهام التي رُوّجت منذ تشكيل الحكومة.
هل يستطيع العمال إسقاط قرار رفع سعر صرف الدولار؟
نعم، يستطيع العمال مواجهة هذا القرار وفرض التراجع عنه، إذا تحركوا بوصفهم قوة اجتماعية منظمة، واستندوا إلى تضامن بقية قطاعات المجتمع المتضررة. ولدينا تجربة سابقة تؤكد ذلك، حين تمكن عمال المصافي من إسقاط المادة 42 من قانون الموازنة الذي قدمته حكومة السوداني، وخاضوا نضالاً ضد التوجه نحو إلغاء التمويل الذاتي لعمال النفط، فيما أظهر عمال الموانئ تضامنهم مع عمال النفط ووقوفهم إلى جانبهم.
لكن الاحتجاجات الفئوية المتفرقة، والتحركات من اجل تسجيل المواقف السياسية والحزبية، لن تكون كافية لتحقيق هذه الغاية. فغياب التنسيق ووحدة المطالب واتساع الحركة الاحتجاجية يحدّ من قدرتها على فرض التراجع، وقد يؤدي استمرار التحركات من دون تحقيق نتائج ملموسة إلى إشاعة اليأس والإحباط في صفوف الجماهير، وإضعاف ثقتها بقدرة الاحتجاج على إحداث التغيير.
إن قرار رفع سعر صرف الدولار يمسّ الحياة المعيشية للغالبية العظمى من جماهير العراق، ولا تقتصر آثاره على العمال والموظفين والمتقاعدين، بل تمتد إلى شرائح اجتماعية واسعة تعتمد معيشتها على الأجور والدخول المحدودة. ولذلك، فإن توحيد الجهود العمالية، وتنسيق تحركات النقابات العمالية والمهنية والمنظمات الاجتماعية، إلى جانب القوى والأحزاب السياسية التحررية، يشكل خطوة أساسية لبناء حركة احتجاجية واسعة قادرة على فرض التراجع عن هذا القرار المجحف وإسقاطه.



