
محسن كريم
بعد إعلان دولت بهتشلي، رئيس حزب الحركة القومية التركي، ضرورة أن يأتي أوجلان إلى البرلمان ويعلن حل حزب العمال الكردستاني (PKK)، وهو الإعلان الذي حظي أيضا بدعم أردوغان، وبعد دعوة أوجلان في 27 شباط/فبراير 2025 إلى حل حزب العمال الكردستاني، وصلت العملية التي تسميها الحكومة التركية «تركيا خالية من الإرهاب»، والتي يسميها أوجلان وحزب العمال الكردستاني «السلام والمجتمع الديمقراطي»، في نهاية المطاف إلى أن تقدم الحكومة التركية، في الخامس من هذا الشهر، مشروعا من 12 نقطة إلى البرلمان تحت عنوان: «مشروع قانون تعزيز التضامن الوطني ووحدة المجتمع». ومن المقرر أن يتم التصويت عليه غدا، 10 آب/أغسطس 2026، في الجلسة الاعتيادية للبرلمان!*
وتخصص النقاط الرئيسية للمشروع لنزع سلاح حزب العمال الكردستاني وجميع المنظمات والتشكيلات والمجموعات المرتبطة به، وإنهاء النشاط السياسي والعسكري لحزب العمال الكردستاني وتشكيلاته وامتداداته، وذلك تحت إشراف وموافقة المؤسسات الأمنية التركية. كما يفترض أن يتم تسليم الأسلحة إلى اللجان الأمنية التابعة للدولة التركية، التي ستتمركز في كردستان العراق لهذا الغرض!
وفي مقابل حل حزب العمال الكردستاني وتسليم الأسلحة والموافقة عليها من قبل الأجهزة الأمنية التركية، فإن مصير المعتقلين والسجناء السياسيين التابعين لحزب العمال الكردستاني، الذين لم يرتكبوا جرائم قتل أو لم تصدر بحقهم أحكام بالسجن المؤبد، سيمر عبر عملية اختبار ومراقبة تمتد من 5 إلى 10 سنوات، يكونون خلالها تحت مراقبة جهاز «الميت» (الاستخبارات التركية). وإذا لم يرتكبوا أي جريمة خلال هذه الفترة، ترفع عنهم العقوبة!
كذلك، بعد نشر القرار ذي الصلة في الجريدة الرسمية، يتعين على الأشخاص الذين يرغبون في الاستفادة من القانون تقديم طلب خطي خلال مدة ستة أشهر.
وهنا، حتى مصير مقاتلي حزب العمال الكردستاني لا يزال غير واضح: هل سيتمكنون من العودة إلى تركيا وبدء حياة طبيعية ومدنية من جديد؟ وهل سيتمكنون من ممارسة النشاط السياسي؟ ووفقا لما أعلن، فإن أوجلان ونحو 200 من قيادات حزب العمال الكردستاني لن يتمكنوا من الاستفادة من هذا القانون!
وعلى الرغم من أن أوجلان وحزب العمال الكردستاني يسميان هذه العملية «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، فإنها في الحقيقة، عملية لإنهاء النشاط السياسي والعسكري لحزب العمال الكردستاني وتخليص الدولة التركية من مشكلة سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة تسبب بها الحزب.
إن اندفاع دولت بهتشلي القومي والشوفيني، وأردوغان الفاشي والمعادي للحرية والقامع لكل صوت سياسي معارض له ولسلطته، نحو التوصل إلى اتفاق مع أوجلان الموجود في السجن، لا يهدف إلى دفع المجتمع التركي نحو الديمقراطية، ولا إلى توسيع نطاق الحريات السياسية ومنح المواطنين الكرد حقوقا متساوية، بل إنهما، في ظل الأوضاع السياسية والأمنية والعسكرية في المنطقة، يريدان أن يحتلا موقعا كلاعب إقليمي صاحب قرار في إعادة تشكيل التوازنات السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة. وهذا، لا يمكن أن يتحقق من دون حل قضية حزب العمال الكردستاني، لأن قضية الحزب يمكن أن تستخدم كورقة ضغط من قبل الدول المناوئة لتركيا، وأن تعرقل لعبتها الإقليمية!
وفي الحقيقة، فإن هذه العملية التي تسمى «عملية السلام» هي عملية لإنهاء الوجود السياسي والعسكري لحزب العمال الكردستاني وإجباره على تسليم نفسه. ولهذا السبب أيضا أطلقت عليها الدولة التركية اسم «عملية تركيا خالية من الإرهاب».
وذلك لأن التجارب التاريخية تشير إلى أن العديد من عمليات التوصل إلى اتفاق بين الجماعات المسلحة والدول التي تنتمي إليها لم تجر بهذه الطريقة. فعلى سبيل المثال، هناك اتفاق حركة فارك (FARC) اليسارية في كولومبيا مع الدولة عام 2016، واتفاق الحركة الماوية في نيبال مع الحكومة النيبالية عام 2006، والاتفاق بين الحركة الإسلامية في الفلبين وحكومة ذلك البلد عام 2014، وغيرها.
فبعد إعلان وقف إطلاق النار، تم تسليم الأسلحة إلى الأمم المتحدة، وأديرت العملية تحت إشراف الأمم المتحدة، ووصلت في النهاية، بمشاركة تلك القوى، إلى إدماجها في الحياة السياسية لتلك البلدان، وتحقيق مجموعة من الحقوق والمكاسب السياسية لسكان تلك المناطق أيضا. بل وحتى اتفاق عام 1970 بين نظام البعث والحركة الكردية بقيادة بارزاني كان نموذجا لاتفاق سياسي بين دولة وحركة مسلحة معارضة.
لكن هذا الاتفاق المزعوم بين الدولة التركية وأوجلان وحزب العمال الكردستاني لا يجري تحت إشراف أي مؤسسة دولية، بل يطلب منهم تسليم أسلحتهم إلى الأجهزة الأمنية التركية.
وليس هذا فحسب، بل إن قيادات الحزب أيضا لا تستطيع العودة إلى تركيا، أما أعضاء حزب العمال الكردستاني الذين يستطيعون العودة، فلا تمنح لهم حقوق النشاط السياسي، ويخضعون لمراقبة جهاز الاستخبارات التركية «الميت». كما لا يتم إصدار عفو عام عن السجناء وعن مقاتلي حزب العمال الكردستاني، حتى على غرار العفو العام الذي أصدره نظام البعث لمقاتلي حركة بارزاني، بل وحتى لكثير من مسؤوليها بعد هزيمة الحركة عام 1975!
وبهذا الشكل، فإن ما يحدث بين تركيا وأوجلان وحزب العمال الكردستاني، ليس اتفاقا بين طرفين توصلا، بعد سنوات طويلة من الحرب والقتل والدمار، إلى نتيجة مفادها التخلي عن الحرب والتوصل إلى اتفاق سياسي.
ففي هذه العملية، تحصل الدولة التركية على كل شيء، بينما لا يحصل حزب العمال الكردستاني، ولا حتى أوجلان نفسه، على أي شيء، بل تنتهي قضيتهم بوصفهم، من وجهة نظر الدولة التركية، طرفا إرهابيا!
إن آلاف الضحايا الذين سقطوا في صفوف حزب العمال الكردستاني، والذين يقال إنهم ضحوا من أجل تحرير الكرد، وكل ذلك الكم من السجناء والدمار الذي واجهه الشعب التركي والشعب الكردي في تركيا، سيدخل، في تاريخ تركيا السياسي باعتباره جزءا من نهاية مرحلة الإرهاب.
ومن المؤكد، أن شعب كردستان تركيا لن يحصل على شيء من هذه العملية؛ بل إن القمع القومي والمسألة الكردية في تركيا سيستمران، ولكن بأشكال أخرى، وستستمر معاناة الكرد وحرمانهم من حقوقهم القومية!Top of FormBottom of Form



