المقالات
أخر الأخبار

حول كذبة -سلاح العقيدة والمذهب-!

فارس محمود

(ففي ردٍ على سؤال لجريدة “إلى الأمام”)

إلى الأمام: يتصاعد الحديث اليوم عن “نزع سلاح” الفصائل الولائية في العراق أو “حصر السلاح بيد الدولة”، ويتحدث قادة هذه الفصائل والمؤيدون لهم عن أن هذا السلاح هو أمر “عقائدي”، و”سلاح الدفاع عن العقيدة والمذهب”، وأنهم “لا يسلّمون السلاح إلا إلى المهدي!!”. بل إنهم يعلنون في كثير من الأحيان أنه “إذا شنت أمريكا أو إسرائيل حرباً على إيران، فسينخرطون في هذه الحرب دفاعاً عن إيران والعقيدة الشيعية”، وذلك لكونها “جارة” و”دفاعاً عن الدين والمذهب”، حتى إنهم يتحدثون عن ضرورة “تطوع الجماهير” للدفاع عن إيران أو جمع التبرعات لها للأسباب ذاتها. السؤال المطروح هو: ما تصوركم لمثل هذه المقولات والمبررات، وأقصد “الدفاع عن العقيدة والمذهب”؟!

فارس محمود: إنها أكبر كذبة؛ فليس لـ”المذهب” ولا “العقيدة” أي صلة بواقع الأمر. إنه ذرٌّ للرماد في العيون، وسعيٌ محموم لإيهام الناس بحقيقة الأهداف والغايات من السلاح. على امتداد التاريخ، كانت الهويات بشتى أشكالها قضية سياسية صرف، قضية مفتعلة و”غير مقدسة”، وعرضة للأهداف والمطامح السياسية الواقعية والحياتية. إنها ورقة لعب لا أكثر! مثلما هو الحال مع القضايا القومية مثلاً: “كركوك قدس كردستان”، فليست كركوك مقدسة، بل النفط والثروات الغزيرة هي ما جعلتها “مقدسة” لدى المتكالبين على السلطة فيها، وبالتالي على ثرواتها النفطية الهائلة.

ليست إيران طائفية أو “شيعية”، ولا تتعقب مصالح من يُسمّون بالشيعة. في الحقيقة، إن النظام الإسلامي في إيران نظامٌ قومي-فارسي النزعة، وكل ممارساته السياسية تثبت ذلك. ولأورد عدة أمثلة على ذلك: ففي النزاع والحرب الأذربيجانية-الأرمنية، اتخذ النظام موقفاً ساند فيه ودعم أرمينيا ذات الأغلبية “المسيحية” و”الأرثوذكسية” “الساحقة”، في وجه أذربيجان ذات الأغلبية “الشيعية” “الكبيرة”!! لقد إتخذ موقفه السياسي بناءاً على مصالح مادية محددة وليس على أساس “المذهب”!

وكل الشواهد تؤكد أن نظام الجمهورية الإسلامية هو من نظّم وقام بعملية تفجير مرقدي الإمامين الشيعيين في سامراء عام 2007، وكان الهدف من ذلك هو تأجيج الصراع والتقاتل الطائفي، والحرب الطائفية، والقتل على الهوية، وغير ذلك في العراق، وبالتالي إضعاف البلد والسيطرة عليه وعلى قواه السياسية. وتتحدث التقارير عن أن قاسم سليماني نفسه هو من قتل المراسلة التلفزيونية “أطوار بهجت” في وقتها لأنها فضحت الأمر، وكشفت أن نظام الجمهورية الإسلامية كان وراء هذه الخطوة التي راح ضحيتها آلاف الأبرياء.

كما ساند النظامُ حركةَ حماس “السنية” ودعمها من أجل أهدافه الإقليمية التوسعية في المنطقة؛ لأن صراع إيران مع إسرائيل لا يتعلق بالقدس ولا بالفلسطينيين ولا غير ذلك، وإنما هو صراع حول التزعم والهيمنة الإقليمية لا أكثر! أي من لديه اليد الطولى في المنطقة ويهيمن على مقدراتها، وإلا فإن إسرائيل هي نفسها من موّلت إيران بسلاح يُقدّر بمئات الملايين من الدولارات في الحرب العراقية-الإيرانية التي استمرت 8 سنوات. وإن أمريكا نفسها هي من قامت بإرسال كميات ضخمة من الأسلحة لإيران عبر إسرائيل، وذهبت عائدات هذه الصفقة لدعم قوات الكونترا النيكاراغوية الموالية لأمريكا بهدف الإطاحة بالجبهة الساندينستية للتحرر الوطني اليسارية التي أسقطت الدكتاتور سوموزا، وهي الصفقة المعروفة باسم “إيران-كونترا”!

وإستضاف النظامُ عوائلَ قادة تنظيمات القاعدة وغيرها من التنظيمات “السنية المتشددة” على أراضيه. ومن أجل أهدافه سيئة الصيت، أقنع النظامُ رئيسَ سورية (الأسد) في وقتها بإنشاء معسكرات في سورية للمتشددين الإسلاميين “السنة”، وكان هدفها القيام بـ”تفخيخ” السيارات وإرسالها إلى العراق بهدف تفجيرها، حيث راح ضحية ذلك الآلاف من الأبرياء والمدنيين العزل. وتتحدث التقارير عن “ندم” الأسد لاحقاً، بعد الإطاحة به، على رضوخه لإصرار قاسم سليماني على هذا الطلب في وقتها! وكل هذه السياسة الإيرانية كانت من أجل الهيمنة على العراق.

لدى نظام الجمهورية الإسلامية استراتيجية وعقيدة مفادها “أن كل شيء مباح من أجل صيانة بيضة الإسلام”، أي كل شيء مباح من أجل بقاء النظام واقتداره، وأنه على استعداد للتضحية بأكبر رموزه أو سلوك شتى السبل، بما فيها أكثرها تناقضاً مع ادعاءاته أو “عقيدته”، إذا ما اقتضت مصلحة النظام باسم “الإسلام”. فهل تتذكرون “مفاتيح الجنة” التي كانوا يوزعونها على أطفال القرى بالدرجة الأساسية من أجل أن يمضوا للمخاطرة بأرواحهم عبر الدوس على ألغام جبهات الحرب وتفجير الألغام التي زرعها الجيش العراقي؟ وكان مسؤول هذا المشروع في وقتها هو علي خامنئي نفسه، الذي جال في القرى النائية من أجل إقناع الأهالي الفقراء بذلك!

إنه نظامٌ قتل من “الشيعة” أكثر بما لا يُقاس مما قتله من أصحاب “أديان” أو “طوائف” أخرى!! إنه جوّع وسجن واعتقل وسلب منهم الحريات والحقوق، وانتهك حقوق المرأة وحوّل النساء الفقيرات إلى مشروع لبغاء المتعة و… من “الشيعة” أكثر من الآخرين؛ فلم يجلب سوى المصائب لـ”الشيعة”!

ولأن النزعة القومية هي الأساس، فكثيراً ما كان يشتكي مواليهم من أمثال المجلس الأعلى ومنظمة بدر وغيرهم، ممن التجأوا إلى إيران والتحقوا بنظام الجمهورية الإسلامية والمنظمات الموالية له، بأن رفاقهم “في المذهب” من أتباع النظام يكنّون مشاعر ازدراء رهيبة تجاههم بوصفهم “عرباً”! عانوا من الذل والهوان والنظرة الدونية بشكل رهيب، وقبل الكثيرون بهذا جراء قلة حيلتهم!

وفي هذه الحرب، حرب أمريكا على إيران، وفي مرحلة شهدت تهافت الخطاب الإسلامي على صعيد الاجتماعي كبير، استبدلت الجمهورية الإسلامية كلمة “شهيد” الإسلامية بكلمة “مضحٍّ وطني” القومية!!

وحتى إن تشييع خامنئي في النجف وكربلاء لم يكن هدفه ذا صلة بالشيعة والشيعية، أو رغبة خامنئي بزيارة “أجداده” قبل دفنه —علماً أن تقارير ليست بالقليلة كانت تتحدث عن خلو الجثمان من أي جسد— بل كان الهدف هو القيام باستعراض سياسي واضح ليدللوا على الشعبية التي تتمتع بها الجمهورية الإسلامية في العراق والتأييد لها هناك. وكان لهذا الاستعراض ضرورته الخاصة برفع المعنويات المتردية لمواليهم في العراق في ظل التراجع الرهيب الطارئ على النظام وشعبيته، سواء في إيران أو العراق والمنطقة، جراء الحرب الأمريكية عليه، بحيث كانت موضوعة بقائه مبعث سؤال كبير.

كما لم تكن مشاركة الجمهورية الإسلامية في الحرب على داعش من أجل “حماية أعراض وشرف العراقيين” وغيرها من الدعاية المتخلفة، وإنما لترسيخ وجود إيران والمليشيات الموالية لها في تلك المناطق وعلى صعيد العراق. ولا كان التضحية بمئات العراقيين والأفغانيين الفقراء والمعوزين في سورية من أجل “الدفاع عن مرقد السيدة زينب”، وإنما دفاعاً عن أحد أهم حلفائهم، نظام الأسد المترنح، كي لا يسقط على أيدي خصومهم، وبالتالي طردهم وطرُد نفوذهم في سورية. وهناك أمثلة وشواهد أخرى كثيرة تفضح هذه الادعاءات.

وفيما يتعلق بالعراق |والمليشيات الموالية للنظام الإيراني، فإن دفاعهم المستميت عن هذا النظام وعن سلاحهم لا ربط له بكل الادعاءات المتعلقة بالمذهب والشيعة وغيرها. إن التمسك بالسلاح هو تمسك بسلطتهم، تمسك بوجودهم، تمسك بالثروات الخرافية التي جنتها بقسوة هذا السلاح. إنه سلاح الحفاظ على “المكتسبات”، مكتسبات الثروة والسلطة؛ ولهذا فإن مكانة السلاح تنبع من هذه النقطة.

حين اشتد حبل “حصر السلاح بيد الدولة” وتم وضع سقف زمني لتسليمه بموافقة ودعم الإطار التنسيقي للزيدي في هذا التوجه، كانت مطالب قادة “السلاح المنفلت” هي نيل ضمانات ثلاثة لتسليم السلاح: ضمان عدم تعرضهم ومحاسبتهم مسائلتهم قانونياً، ونيل مناصب حكومية في أجهزة الدولة سواء الإدارية أو الأمنية، وعدم مس مكاتبهم الاقتصادية وثرواتهم. أي إنه لا مشكلة لديهم في تسليم السلاح لغير المهدي!!! ولكن بشرط ضمان مكانتهم وقدراتهم الاقتصادية الخرافية التي تبلغ مليارات الدولارات والتي حققوها عبر قسر السلاح والغصب والنهب والاستيلاء على آلاف الأراضي والعقارات…!
من جهة أخرى، الكل يعلم أن ألآغلبية الساحقة لهذه الفصائل (من بينهم قيس الخزعلي وتاسيسه لعصائب أهل الحق عام 2006 والنجباء بقادة أكرم الكعبي عام 2013 وأوس الخفادي الذي أسس مليشيا قوات “أبو الفضل العباس عام 2012 وغيرهم كثيرين) خرجت من عباءة جيش المهدي الذي تزعمه مقتدى الصدر. لماذا؟ معظم قادة هذه الفصائل تحدثوا في وقتها، وأوس الخفاجي تحدث بصريح العبارة ضاحكاً، إنهم إذا بقوا تحت سيطرة مقتدى الصدر، فلن يصلوا مكان! ذلك إن مقتدى مهيمن بحد بحيث عليهم ان يتوقفوا عن طموحاتهم في السلطة والثروة في وقت باب السلطة والثروة مشرّعة. أنفصلوا عنه حتى يلبوا نداء نزعاتهم الخاصة في الحكم والتسلط والثروة وتحقيق مصالحهم. وتم هذا (في حالة الخزعلي والكعبي) عبر مساهمة مباشرة للحرس الثوري كي يضعفوا التيار الصدري. والآن بوسعكم أن تروا المكانة الاقتصادية والسياسية التي حققوها في الثروة والسلطة.
ولهذا، ليست “العقيدة” و”المذهب” سوى كذبة صرف!
أواخر آب 2026

زر الذهاب إلى الأعلى