المقابلاتفارس محمودملف خاص لمناسبة الذكرى 28 لتاسيس الحزب الشيوعي العمالي العراقي 1993/07/21

بصدد الأرضية السياسية والاجتماعية لتأسيس الحزب

(حوار الى الامام مع فارس محمود)

الى الامام: تأسس الحزب الشيوعي العمالي في 21 تموز 1993. ثمة امر يلفت الانتباه نوعاً ما الا وهو ان تكون كردستان العراق هو مركز هذا التأسيس و مكان تواجد قوى الحزب وكوادره في حينها. الكثيرون يتساءلون: لماذا في كردستان؟ ما هي العوامل والأرضية السياسية والاجتماعية لبزوغ الحركة الشيوعية العمالية هناك؟

فارس محمود: ظهرت بوادر حركة اليسار في أواخر سبعينيات القرن المنصرم من رحم الحركة القومية الكردية، اي الجناح اليساري لها، وقد كانت أقسام من الحركة القومية الكردية تعتبر نفسها ماركسية وماوية تحديداً، نظراً لكون هذه الاقسام كانت ترى ان هناك شبه بين طبيعة مجتمع كردستان وطبيعة المجتمع الذي هو منشأ الماوية، الصين من حيث عدم سيادة الطبيعة الصناعية للمجتمع، فلاحية المجتمع بمعنى ما، يكون النضال المسلح هو السبيل الأساسي لنضال الحركة القومية الكردية وجناحها اليساري.

جرت تطورات على ذلك اليسار وحلقاته ومحافله في ذلك الوقت، بيد ان التطورات الأكثر أهمية التي طرأت عليه هي تلك التي قدمت من إيران والقوى اليسارية في إيران في مرحلة ما بعد الثورة. إذ ظهرت “الماركسية الثورية” كتيار سياسي وفكري مقتدر يتبنى الماركسية الارثوذكسية، ماركسية منتقدة للشعبوية و التيارات الاشتراكية العالمية السائدة في حينها، وبالاخص الروسية والماوية والألبانية و التروتسكية وغيرها. ولقد كان نقداً ينطلق من زاوية الاصالة الماركسية، اي فكري محض. ترك هذا التيار تأثير كبير على اليسار في كردستان إيران والعراق وقد ظهر هذا التأثير على شكل نسف مفاهيم ومقولات سابقة، وإحلال أخرى “أكثر راديكالية”، حدثت جدالات عديدة واختلافات، وطرأت أزمات سياسية فكرية، انشقاقات و ظهرت في الوقت ذاته حلقات ومحافل جديدة بناءاً على نتائج تلك الانتقادات.

وقد لعب هذا التيار، بأبحاثه وموضوعاته الاولى، والتي صاغها بالاساس منصور حكمت، وبالاخص “اسطورة البرجوازية الوطنية” دوراً في تطور ملامح اليسار في العراق صوب صّيغ ذات أصالة فكرية ماركسية.

من الناحية الاجتماعية، ظهرت الطبقة العاملة في كردستان بوصفها طبقة ذا حضور اجتماعي واضح وتنامى ثقلها، وتنامي ثقلها الاجتماعي. أي انتقال كردستان من مرحلة مجتمع تقليدي، بمزيج من علاقات إنتاج رأسمالية وما قبل رأسمالية، الى مجتمع مديني وحضري. وبالاخص اثر الاصلاح الزراعي الذي جرى في سبعينات القرن المنصرم، وما تبعه من حملة نزوح واسعة من القرى للمدن. من جهة اخرى ساهمت سياسات النظام القومي البعثي بالتهجير القسري للقرى بهدف ضرب القوى القومية الكردية المسلحة المتواجدة هناك ومحاصرتها، ونقل سكان القرى الى اطراف المدن، الى توسع المدن، وحدوث تطور كمي ونوعي للطبقة العاملة.

بعد هذه المرحلة، توطدت صلات هذا اليسار بشكل مكثف وسريع بالقوى التي تتبنى خط الماركسية الثورية، والحزب الشيوعي الايراني والشيوعية العمالية ومنصور حكمت تحديداً في الثمانينات. ولكن المنعطف الأهم الذي تركته الشيوعية العمالية ومنصور حكمت حدث بعد اجتياح العراق للكويت في 1991 واوضاع حرب الخليج والانتفاضة الجماهيرية وظهور منظمات وحلقات شيوعية عمالية كثيرة لعبت دوراً بارزاً في انتفاضة آذار وبالاخص تشكيل حركة المجالس العمالية والجماهيرية في كردستان العراق.

الى الامام: سنأتي لاحقاً على التطورات الجارية للشيوعية العمالية في كردستان، ولكن على صعيد العراق، كيف نشأت حركة الشيوعية العمالية وكيف تطورت…؟

فارس محمود: في وسط وجنوب العراق، تمت العملية بشكل آخر يختلف كلياً. ان كان تطور اليسار في كردستان قد جرى في سياق التأثيرات التي تركها اليسار في إيران، وتحديداً منصور حكمت، فإن هذا التيار والميل قد تبلور بأثر واضح من اليسار في كردستان، وتحديداً، منظمة التيار الشيوعي في المرحلة الاولى، وبعدها منظمة “اتحاد نضال الشيوعية العمالية” بشكل اوسع واوثق صلة.

في وسط وجنوب العراق، كان للحزب الشيوعي العراقي والشيوعية الرسمية السوفيتية الحضور السائد والمهيمن على الحركة الشيوعية لعقود مديدة، وتعرفت الشيوعية بهما حصراً. اذ كانت حتى الشيوعية المنتقدة لها مثل القيادة المركزية او الجماعات المنشقة منها، تنتمي ايضاً الى التقليد السياسي ذاته.

في أواخر الثمانينات، كانت للأوضاع العالمية تأثير كبير على الشيوعية وعلى كل من تبني الماركسية، باي شكل او فهم، كتيار فكري وسياسي له. لقد كان لتفكك الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية دور جدي بحدوث تشوش وتيه وبلبلة فكرية وسياسية كبيرة على ناشطي هذا التيار. لقد كان بمثابة دوامة عصفت بالكثير من البديهيات والمسلمات. كانت هناك أشكال نقد واسعة للحزب الشيوعي العراقي من قبل جماعات انضمت للشيوعية العمالية لاحقا، بيد ان مجمل هذه الانتقادات لم تتعدى ان تكون انتقاداًت “فنية”، “تكتيكية”، “عابرة” وليست جوهرية او تتعلق بمضمون وماهية الشيوعية. اي انتقادات لم تنطلق من موقف حركات اجتماعية وطبقية اخرى، بل تنطلق من انتقادات هامشية من قبيل “الدخول في جبهة مع البعث”، “الجبهة مع القوميين الكرد”، “البيروقراطية”، و”الميول الانتهازية”، “الموقف من الدين” و…الخ.

لقد تزامن حدوث عمليتان في ان واحد: من جهة وجود تيه ودوامة وشكوك واسئلة تستلزم ردود حول تفكك الاتحاد السوفيتي الذي كان ينظر له باعتباره “دولة اشتراكية”، ومن جهة أخرى ظهور شيوعية جديدة ومتمايزة بالدرجة الأولى من الناحية الفكرية، تلك هي الشيوعية العمالية. لقد وجد هذا الطيف المنتقد ردود على اسئلته، فكان الانتقال للشيوعية العمالية، بالفهم البسيط والخام بعض الأحيان، سريعاً وقوياً. تلقف هذا الطيف تلك الأبحاث ودب النشاط والحماس المنقطع النظير في صفوفه في اغلب مدن وسط وجنوب العراق، وغدا، بأشهر قليلة، اسم منصور حكمت، كعلامة بارزة لظهور شيوعية جديدة ثورية متماسكة من الناحية الفكرية والسياسية.

تشكلت “منظمة عصبة تحرير الطبقة العاملة” في تموز 1992 امتداداً لمساعي بلورة تنظيم شيوعي عمالي في وسط وجنوب العراق، وتبنت “حركة النضال الشيوعي” المتواجدة في الناصرية والبصرة والعمارة على ما اتذكر الشيوعية العمالية كنهج لها، واتسعت بشكل كبير هناك، وساهمتا بشكل جدي في اتساع الشيوعية العمالية، وبالتالي، ظهرتا في خضم عملية تأسيس الحزب كعماد لقوى الحزب في تلك المناطق.

الى الامام: لنعد مرة اخرى الى التطورات الجارية في كردستان على صعيد اليسار ابان الانتفاضة ومابعدها، ماهي الشواخص العامة لهذه التطورات؟

فارس محمود: لقد شارك اليسار ومنظماته وحلقاته، وهذه المرة بتبني راسخ لطروحات منصور حكمت، بفعالية ونشاط في التحضير للانتفاضة، وبالاخص مهاجمة مقرات النظام الفاشي البعثي واجهزته الامنية، وبالتالي، طرد قوى النظام من كردستان. اما الخطوة الاهم، فتتمثل بالمساهمة الدؤوبة بتأسيس الحركة المجالسية في كردستان، في المعامل والمصانع والمجالس الجماهيرية، وقد كان للمجالس حضور اجتماعي مؤثر. وقد ساهم كوادر الحزب الشيوعي الايراني في حينها و بشكل نشط ومؤثر في هذه الحركات الجماهيرية الواسعة، وبالاخص استناداً الى خبرتهم العريضة في تشكيل المجالس ابان الثورة التي اطاحت بالشاه في ايران.

لقد شهدنا في هذه المرحلة درجة من توثق الصلة مابين اليسار والمجتمع. اذ ابتعد اليسار كثيراً عن مرحلة حلقات دراسية فكرية معزولة وهامشية. حيث انهمك مع المجتمع، رغم محدودياته السياسية والاجتماعية في وضع وتطورات هائلة وكبيرة، اذ كان له دور كبير في تنظيم العمال الطليعيين في المعامل ودعم والمساهمة في النضالات العمالية، ارساء حركة العاطلين عن العمل وتشكيل فروعها ومكاتبها، وتشكيل جمعية المشردين في كردستان، مساهمة خاصة بدفع نضالات المرأة والوقوف بوجه ممارسات الاحزاب القومية الكردية التي اتت للسلطة، والتي سعت لاخافة وارعاب المجتمع عبر الحلقة الاضعف، وهي حملة اغتيال النساء بحجة “العمالة للبعث”، وقد كانت حملة واسعة وشرسة راح ضحيتها مايقارب 5 الاف امرأة في كردستان، وهم الذي كل تاريخهم هو تاريخ تقبيل اكتاف صدام والحكومات المركزية في العراق والمنطقة.

لقد نظمت القوى اليسارية المجالس في كردستان العراق، وتصدت ببسالة للقوميين الكرد، بيد ان ما كان غائباً عن اذهان القائمين على الحركة المجالسية ، هو ملئ فراغ السلطة، امتلاك الرؤية لافق استلام السلطة السياسية والتحول الى بديل سياسي، افق استلام ادارة المجتمع. ولهذا تلاشت الحركة المجالسية تدريجياً واضمحلت ولم تصمد امام احزاب الحركة القومية الكردية التي تعرف ماذا تنشد بالضبط، السلطة وادارة المجتمع. ان ضغط حركة اليسار، وفي مقدمتها الحركة المجالسية، كانت بحد بحيث اجبر جلال الطالباني والجبهة الكردستانية الى حياكة الالاعيب والخطط لكي يمتصوا زخمها وهضمها الا انهم فشلوا في ذلك، اذ وجه الطالباني نداءاً لتوحيد قوى اليسار والتقدمية داخل الاتحاد الوطني اولاً، وحين فشل في مسعاه اضطر الى اصدار فتوى ضد منصور حكمت وحركة المجالس.

ورغم نقوصات اليسار وافتقاده للتجربة السياسية والعملية، الا ان اليسار اصبح له حضور جدي ومؤثر على صعيد اجتماعي. وهذا ما خلق الارضية الواقعية ليرتقي اليسار باشكاله التنظيمية وتأسيس الحزب.

الى الامام: تأسس الحزب الشيوعي العمالي في 21 تموز 1993. مما تقدمت به، وضحت الارضية الاجتماعية والسياسية لتأسيس الحزب، ولكن ماهي المسارات العملية التي اتخذتها عملية تاسيس الحزب؟

فارس محمود: ان قضية تأسيس حزب شيوعي عمالي، حزب ماركسي، هي امر قديم في اوساط اليسار. فمنذ ثمانينات القرن المنصرم وحتى الحلقات الاولى لليسار كان تأسيس حزب شيوعي للطبقة العاملة هو هدف لها. بيد ان التصور السائد هو احالة هذا الامر الى ظرف غير معلوم، مجهول، وليس هناك خطة او تصور واضح لذلك.

ولكن، واستناداً الى هذا الدور والتدخل السياسي والاجتماعي والعملي الواسع لليسار، وتحديداً الفصائل المناصرة لخط الشيوعية العمالية، ابان الانتفاضة وبعدها، بعث منصور حكمت في اوائل عام 1992، مقالة داخلية الى جميع المنظمات ، المقالة باسم “مهامنا تجاه اليسار العراقي”، وهي مترجمة ومنشورة على سايت منصور حكمت، وارفق هذه المقالة بمجموعة من الاسئلة وجهها لقادة اليسار العراقي حول موضوعة تأسيس الحزب ومدى امكانية تحقق هذا الامر، والاسلوب العملي لذلك ومكانة المنظمات القائمة. وبحكم وضعية الشيوعية العمالية، طرحت مسألة حول فيما اذا يجب تأسيس حزب او منظمة على صعيد كردستان العراق، نظرا لتواجد القوى اليسارية بكثافة في كردستان العراق ام تنظيم لعموم العراق. خلقت هذه المقالة جدلاً واسعاً حول هذا الامر على صعيد اليسار قاطبة، واصبحت عملية تاسيس الحزب موضوع الساعة.

ولهذا، اقرت، من الناحية المبدئية، كل المنظمات اليسارية بضرورة تأسيس الحزب استناداً الى النقاشات وتأكيدات المنظمات والحلقات، انحسم امر تأسيس الحزب خاصة بعد نشر منصور حكمت مقالاً له في جريدة انترناسيونال العدد الرابع “الشيوعية العمالية في العراق بحاجة الى حزب”!.ولكن بقيت الاسئلة المطروحة هل يؤسس على صعيد العراق ام كردستان فقط؟ والسؤال الثاني باي صيغة يتم التأسيس؟ اتفق الاغلبية على ان الحزب يؤسس على صعيد العراق ولا يقتصر على كردستان فقط. اما مسالة التاسيس فيمكن ان تمر عبر هيئة تحضيرية ومؤتمر تأسيسي للحزب. لكن لم يخلو هذا المسار من مواجهة صعوبات، من قبيل تأجج الصراعات بين منظمات اليسار التي كانت تصر كل منها في حينها على انها اكثر تمثيلاً للشيوعية العمالية من نظيراتها، ودعواها بان تكون لها حصة اكبر في قيادة الحزب.فكانت الصراعات المحفلية من الحدة الى حد كان يمكن ان تتحطم هذه العملية برمتها، وذلك بدءا من لحظة النقاش حول كيفية اقرار المندوبين للمؤتمر، ناهيك عن اختيار اللجنة المركزية المقبلة، اذ ترى كل منظمة نفسها انها اولى بان تكون “دفة القيادة” بايديها. رد منصور حكمت هذه الشخصية العملية المذهلة، على هذا الامر، ادراكا منه من بصعوبة عقد المؤتمر التأسيسي، “ليس شرطاً ان نؤسس الحزب عبر هذه الطريقة، اي المؤتمر”، بل يمكن لعدد واسع من ناشطي الحركة بتوقيعهم واسمائهم، ان يصدروا بياناً يؤكدون فيه على توفر ارضية والضرورة الفورية لتأسيس الحزب وتخويل 10 من الكوادر القيادية المعروفة في الحركة لاعلان تأسيس الحزب، ويكونوا هم (مع اضافة اخرين عند الضرورة) اللجنة المركزية للحزب ويقودون الحزب حتى المؤتمر الاول. مع اعلان هؤلاء الرفاق العشرة لتاسيس الحزب، اعلنت المنظمات والحلقات الشيوعية العمالية انهاء وجودها السياسي والتنظيمي وانضمت للحزب.

ومن هناك شرعت مرحلة اخرى من نشاط الحزب، مرحلة لم تخلوا من الصعوبات والصراعات الشللية التي تنبأ بها منصور حكمت.

الى الامام: بهذا الصدد، ثمة “رأي” يرى تأسيس الحزب على انه يفتقد للارضية، يفتقد عوامل التأسيس، وانه قد تم في جانب منه جراء “نفوذ” منصور حكمت، ما تعليقك على هذا؟

فارس محمود: على امتداد 3 عقود لم يطرح مثل هكذا رأي او “اعتراض”. السؤال: لماذا يطرح اليوم؟! لايمكن فصل رأي او “اعتراض” اليوم تجاه “الامس” بمعزل عن حسابات اليوم، واهداف اليوم وموقعية اليوم. هدفه “تبرير” وضع اليوم، وليس له اي صلة باية “علمية” او “موضوعية” اطلاقاً.

لقد اكد منصور حكمت على جملة مسائل ابان تأسيس الحزب، تعكس ضرورة تأسيسه وتوفر مستلزماته. والمضحك المبكي ان من يطلقون مثل هكذا راي كانوا اكثرنا اصراراً عليه في وقتها! ساورد جزء منها هنا:

“مع حرب الخليج والازمة الداخلية في العراق شهدنا ايضاً تنامي يسار راديكالي وثوري بالاخص في كردستان العراق ذو صلة وثيقة بالاحتجاجات العمالية وبالاخص الحركة المجالسية للعمال والكادحين”*.

“ان المرحلة الراهنة (وقصده اوضاع حرب الخليج ومابعدها-مني) مرحلة حاسمة في العراق. ان صراع القوى السياسية والاجتماعية لاتؤدي الى حسم الامور على صعيد ابعد. ان الاوضاع السياسية غير ثابتة والقوى البرجوازية، من بينها الاحزاب القومية لكردستان، غير قادرة على السيطرة التامة والنهائية على الاوضاع وفرض برنامجها بصورة تامة على المجتمع. يمر مجمل العراق بازمة وانعدام الحسم السياسي. في غضون هذه الفرصة، على العمال ان يحّسنوا اوضاعهم. في هذه المرحلة، اذا لم تكسب الطبقة العاملة في العراق، او على الاقل في كردستان العراق، من الناحية الحزبية او التنظيمية، مكسب حاسم، ستفلت مجمل هذه الفرصة من بين ايدينا، وربما تتوفر في مستقبل ابعد كثيرا فقط امكانيات تأسيس حزب شيوعي عمالي مرة اخرى. زد على هذا، اذ حسمت القوى البرجوازية الازمة لصالحها، سيعاني العامل الكردي والعربي، ليس فقط من الناحية الموضوعية فحسب، بل كذلك من الناحية الفكرية والروحية من تراجع اساسي. ان الالتفاف اليوم حول رؤية الشيوعية العمالية، ليس امراً باقٍ للابد. ان اعادة النظر واليأس والشكوك يجلب الاخفاق، ويجعل عمل الشيوعيين في العراق اصعب بدرجات”*.

“ان حزباً عمالياً وشيوعياً مهيئا للتدخل المؤثر في الساحة السياسية الراهنة للعراق وكردستان هو امر حياتي. ثمة مسالة مهمة في طور الحسم في هذا البلد، وفي ظل غياب حزب شيوعي عمالي مؤثر يمكن ان تحسم الامور فقط لصالح البرجوازية والرجعية”*

“ان امكاناتنا الراهنة لتأسيس الحزب لاتدوم للابد. ان الاجواء السياسية المفتوحة والتوجه والحساسية المتعاظمة للعامل العراقي لدخول ميدان السياسة، وتحديداً لضرورة تأسيس حزب شيوعي عمالي، الاستعداد المبدئي للجماعات والحلقات العمالية والاشتراكية لتأسيس الحزب واحساس انتمائها لتقليد يسمى بالشيوعية العمالية، عدم وضوح مكانة النظام العراقي وغيرها جميعا عوامل يمكن ان يطرأ عليها تغيير سريع. برأيي ان نقطة انطلاق موضوعة تأسيس الحزب هو الاعتراف والاقرار بهذا الواقع والوضعية. ان مهمتنا هي الاستفادة من هذه الفرصة. قد تكون الكثير من العناصر والعوامل الاخرى تتبع ارادتنا، بيد اننا لسنا صانعي مكانتنا الموضوعية، ولهذا مهمتنا هي الاستفادة القصوى من المراحل المعدودة في التاريخ التي تعمل الاوضاع بصورة مساعدة لتحرك حركتنا”**.

هذه بعض وهناك مقاطع اخرى كثيرة ومؤثرة من وثائق التأسيس ، واراء منصور حكمت بهذا الصدد، ساترجمها وانشرها في الايام القليلة المقبلة، فاذا كان هذا شيء لا يفهمه احد ما او لديه مصلحة في غض النظر عنها، فهذه مشكلته. ومثلما نقول دوماً لا تتعلق المسالة بالفهم او المعرفة السياسية، بل بالموقف السياسي، بالمصلحة السياسية. والان فانه امراً واضحاً من اين انطلق منصور حكمت لتاسيس الحزب: الاوضاع السياسية للعراق وتحوله الى بؤرة للصراعات وتكالب القوى العالمية والمحلية، والعامل والحرية والمساواة هم اول ضحايا هذا التكالب، كل الجبهات البرجوازية حاضرة الا جبهة العامل والاشتراكية والمساواة. ان منصور حكمت عمل بالضبط وفق تقليد ماركس ولينين: شيوعي متدخل، لا ينتظر، يرى نفسه طرف ايجابي وليس سلبي في الاحداث، فاعل وليس منفعل، مادي ممارساتي. وهذا هو جزء اساسي من تقليدنا السياسي.

من جهة اخرى، كان يتحتم على منصور حكمت كانسان أممي ان يلعب هذا الدور التاريخي كما لعبه ماركس ولينين من قبل في بلدان اخرى، وان لم يقم به فانه يكون قد قصر بعمله. اذ يقول منصور حكمت:

“تضع هذه الاوضاع مهمات مهمة على كاهل الحزب الشيوعي العمالي الايراني تجاه التحولات والتطورات اللاحقة للشيوعية في العراق. ففيما يخص صلتنا بالحركة الشيوعية في العراق، لسنا بشخص ثالث ومراقب متعاطف. ان متابعة المسار العام للاوضاع او اعلان التضامن او منح المساعدات الجانبية، التي قد تكون لقوة شيوعية ابعد منا هو سياسة كافية ، بيد انه لن يرد على مهامنا نحن كقوة منخرطة في هذه الوضعية، كجزء من تطور الشيوعية في العراق وبالاخص كردستان، وعلى هذا الاساس، تعد مهمتنا التدخل المباشر والنشط في الابعاد المختلفة لهذه الحركة صوب تقوية وصياغة صف الشيوعية العمالية في هذا البلد.”*

ليس ثمة ابلغ من هذا. ليس لدي شيء اقوله بهذا الصدد اكثر. لذا فان احالة تحولات تاريخية ضخمة وهائلة جرت في مجتمع مليوني يعوم في السياسة والاحداث السياسية والحركات الاجتماعية الى “تاسيس الحزب جراء النفوذ القوي لمنصور حكمت”، امر مبتور وخارج عن السياق، حيث انه لا يأخذ بنظر الاعتبار وجود مجتمع طبقي ووجود مئات الشيوعيين وتواتر نضالهم و تدخلهم الواسع في الحركات الاجتماعية وفي المجالس. انه “ابتذال” لحدث تاريخي مهم.

الى الامام: ثمة سؤال يطرح نفسه هنا. تتكرر ظاهرة الانشقاقات في الشيوعية العمالية والحزب في العراق. مالسر الذي يكمن وراء مثل هذه الظاهرة؟!

فارس محمود: اود ان اطرح رايي الشخصي هنا بهذا الصدد، قد يتفق معه احد ما او يختلف. مثلما نوهت في السؤال الاول، لم ياتي ظهور تيار الشيوعية العمالية في العراق (قل كردستان) جراء تعمق راديكالية الطبقة العاملة، وانما ظهر كنتاج للتطورات والتحولات الفكرية والسياسية بالاخص على اليسار العراقي، يسار كان بالاساس وجوداً فكرياً، ايديولوجياً، عقائدياً اكثر منه سياسي-اجتماعي. وان دخوله للمعترك السياسي والاجتماعي بصورة عملية وواقعية كان في جانب منه احد ثمار تاثيرات اليسار في ايران الخارج توا من ثورة هائلة، وبدرجة عملية، الاحداث والتطورات الجارية لحرب الخليج وما اعقبها. ولهذا، فان عماد اللبنات الاولى لتيار الشيوعية العمالية هو هذا اليسار، يسار تقليدي، وجد في الماركسية الثورية، وبعدها في الشيوعية العمالية منقذا لمازقه وتيهه وتخبطه الفكري والسياسي، هذا التازم الذي اتخذ ابعاد كبيرة بالاخص مع افلاس الاشتراكيات البرجوازية السائدة بنسخها السوفيتية والماوية والتروتكسية و…. ولهذا وجد اليسار في تبني الشيوعية العمالية، ذات المنجزات الفكرية والسياسية الهائلة، وبعدها في الحزب قناة لادامة عمره السياسي.

ولكن، ورغم قدومهم من المنبع ذاته، الا انه يمكن رؤية طيفين انخرطا في صف الشيوعية العمالية وحزبها لاحقا: يسار تقليدي متازم وانضم جراء هذا التأزم، وهو تيار واسع وعريض، واخر يرى في الشيوعية العمالية منهج وراية سياسية ونضالية جديدة وخط فكري وسياسي محدد، طور نفسه وسعى للتطابق مع كل التطورات الفكرية والسياسية والاجتماعية والعملية ومع مكاسب الشيوعية العمالية ومنجزاتها وان يكن بصعوبة بالغة بعض الاحيان، ولكنه كان عاقد العزم على ذلك…

مع رحيل منصور حكمت، غياب قائدها ومنظرها واستراتيجيها، وتشتت قوى الشيوعية العمالية في ايران وغياب قائد فكري وسياسي معتبر من جهة، وعدم تقدم حركة الشيوعية العمالية واحزابها وترسيخ مكانتها السياسية والاجتماعية، لم يبقى لدى الطيف الاول في الشيوعية العمالية، وهو الطيف الذي كان له دور مهم في المقاومة العملية لتقدم الشيوعية العمالية عملياً، مايغريه لادامة عمره في هذا الاطار. اذ لم تبقى الشيوعية العمالية “مدا”.عادوا الى مكانهم السابق، يسار تقليدي، ايديولوجي تائه (كخط) صراحة.

والا لا يستطيع احد ان يفسر مثلا حين يستقيل جمع ما او احد ما، نراهم “ينسلوا خلسة” وفوراً من الشيوعية العمالية دون ان يقولوا عنها شيئاً او كلمة، وهم الذين انفقوا اغلب عمرهم السياسي في اطارها، وعلى رأس حزبها!! انه نموذج على انعدام الامانة السياسية تجاه النفس، رفاق الامس والمجتمع. انه انتهازية سياسية صراحة لايمكن لاي احد تبريرها. اذ نرى القضية الحقيقية خلف الادعائات غير الحقيقية، نرى خلف الصمت المفعم بالكلام والضجيج عديم المعنى التحجج ب”سحب عضوية رفيق ما” او “لا يمكن العمل مع القيادة الحالية”، او هبوط وحي متاخر جدا، 3 عقود من العمل على راس الحركة، “ان تاسيس الحزب كان خاطئا” او “لم يكن الحزب عماليا” حقيقة تخليهم الصامت عن الشيوعية العمالية منذ امد بعيد وليس يوم الاستقالة! من المؤكد ان سبب ذلك في احيان ليست قليلة هو عدم تحول الحزب الى قوة سياسية مؤثرة في المجتمع. اذ الاقتدار جذاب. ولكن الاقتدار والسعي للاقتدار والتحول الى قوة سياسية هو كل قضية الحزب والقيادة وقصة نضالنا.

وبخلاف ذلك الطيف القادم من مدن وسط وجنوب العراق، الطيف الذي ترعرع وتاثر بتقليد الحزب الشيوعي ذا نزعة التحزب والحزبية القويين، فان احد التقاليد المتجذرة في يسار الثمانينات في كردستان العراق هو التقليد القوي للانشقاقات وسيادة النزعات الانشقاقية. اذ وراء اي اختلاف في الراي، انتظر انشقاق مقبل! ان هذه سمة قوية للجماعات الايديولوجية وغير الاجتماعية. اي اختلاف في الراي يعني انعدام القدرة على عمل في ظل اطار واحد، ولهذا يتحجج احد ما “انه لايستطيع العمل مع هذه القيادة” (كما لو ان احد ما اعطى له ضمانه ان العمل مع قيادة اخرى، اناس اخرين بطباع وسلائق اخرى، سيكون اسهل!!) . وللاسف نقل هذا اليسار وانتقل معه هذا التقليد للحزب. ولم تنفع كل مساعي تيار الشيوعية العمالية بنقد هذا التقليد بوصفه تقليد التيارات غير الاجتماعية والايديولوجية وعمل من اجل انهاء هذا التقليد غير السياسي وغير الاجتماعي. أتفق معه أولئك الرفاق لفظيا، و تنصلوا عنه عمليا. وها نحن ندفع ثمنه حتى الان للاسف. اذ في كل الانشقاقات التي جرت أكدنا على عدم وجود اي ضرورة سياسية-اجتماعية لها، مفتعلة ومصطنعة و تبعث على الاستغراب لدى اي مراقب خارجي محايد، لا يستطيع ان يفهمها. ولكن فرضوها على الحزب، ولم يبقوا مجالاً لنا سوى القبول بالأمر الواقع رغم مرارته. وبالاخير، ندفع ثمن ذلك التاريخ الذي القى بثقله على كاهل حركتنا.

وللاسف، لا يقف الامر عند هذا، بل ثمة حقيقة مرة، هو اننا نرى ثمة عداء صارخ غير مفهوم في احيان كثيرة يوجهه المنشقون للحزب. ان هذا ذات التقليد الثمانيني لليسار أبان انشقاقاتهم آنئذ، تقليد يسار غير اجتماعي، يسار للاسف يدوس بسهولة على كل تاريخه وعمر من الرفاقة، يسار غير مسؤول ولا يتحلى بالمسؤولية السياسية والاجتماعية. أناس كانوا معك لعقود ويتحدثون عن “عدم الثقة” مثلا! هل من عاقل يستطيع ان يفهم هذا، ناهيك عن القناعة به؟!

اننا نؤمن بالحرية السياسية غير المشروطة وهي جزء اساسي منا ومن مبادئنا وعلى هذا الاساس نتعامل مع الاخرين، نؤمن بحق الاشخاص بالاستقالة، ويؤكد نظامنا الداخلي على ان الانضمام للحزب وتركه هو امر احادي الجانب وطوعي، الاستقالة (وليس تزوير وحرف الحقائق)، لان من مسؤوليتنا وواجبنا الدفاع عن الحزب وسمعة الحزب. ليس لديه اي دليل مبرهن عليه عن ان الحزب داس على طرف له او تعامل بصورة غير قانونية أو اصولية، دليل اقر به مرجع رسمي، وليس ادعائه الشخصي وتفسيره الشخصي او ينصب نفسه مدعياً وقاضياً في وقت واحد… كلا.

وبالمناسبة، انا لا افهم من اين اتى هذا التصوير او هذه الذهنية التي ترى وتمنح “امتياز” للمستقيل او المنشق على أنه طالما استقال، فإن هذا يعني بداهة على أنه “على حق” والحزب “مخطيء” بالضرورة. انا باق، وأنت ذهبت، من منحك الحقانية، ومن اين اتيت بها؟! إنه منطق غير قابل للفهم فعلاً. وبالاحرى يمكن فهمه، انه ضغط البرجوازية ونزعاتها المناهضة للحزب الشيوعي.

الادهى من هذا تركوا الحزب، ومضوا يرددوا ما يرددوا الآخرين من ادعاءات ضد الحزب، ورموا بمهمة الدفاع عن الحزب وتاريخ الحزب وثلاثة ارباع عمرهم وممارستهم السياسية على كاهلنا، لنقوم نحن بها! كل “ذنبنا” هو اننا بقينا، ولم نستقيل قبلهم!

لأقل شيء مؤمن به حتى نخاع العظم و بصدق وموضوعية وهو ان الابتعاد عن الشيوعية العمالية، عن منصور حكمت، هو ابتعاد عن ماركس، ابتعاد عن الحقيقة. ليس لكلامي أي صلة بتعصب تنظيمي أو حزبي. إذ طالما لم يأتي أحد ما بمنظومة ماركسية و شيوعية متكاملة ارقى وادق واعمق، رد مثل منصور حكمت على ألف قضية وقضية محورية في النضال الشيوعي المعاصر، يبقى هذا موقفي وادعائي.

الحزب حزب حركة الشيوعية العمالية، باق في مكانه، ذا خط فكري وسياسي ماركسي عميق، يستند الى مكاسب ومنجزات نظرية وسياسية كبيرة، كتابات هذه الحركة معروفة ومدونة، لسنا وحيدين، معنا حزبين شقيقين، بتاريخ رغم كل عثراته واخفاقاته هو مبعث على الفخر، ومجتمع بامس الحاجة الى شيوعية ثورية راديكالية متوثبة. ان مكان العامل والتحرري والمساواتي، نساءاً ورجالاً، هو هنا، صفوف الحزب الشيوعي العمالي.

الهوامش:

*منصور حكمت، مهامنا تجاه اليسار العراقي، شباط 1993

**منصور حكمت، بصدد تأسيس الحزب الشيوعي العمالي العراقي، رسالة الى الرفاق العراقيين 20 نيسان 1993

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى