المقالاتجديد المقالات
أخر الأخبار

الزيدي و"حملة الفساد": الإصلاح الموعود أم هندسة سياسية جديدة!

فارس محمود

مع انطلاق حملة الاعتقالات بحق البرلمانيين والمسؤولين السياسيين في العراق والتي جرت خلال الأيام القليلة المنصرمة، هلّل الكثيرون لهذه الحملة ودبّ الفرح في افئدتهم، ومضت القنوات الفضائية بإجراء المقابلات مع الناس الذين كان يبدو عليهم ممشاعر الغبطة والفرح جراء هذه الخطوة. ذهب البعض من مقدمي البرامج بعيداً كثيراً لتتعالى أصواتهم  بشكل هستيري حول إن “العراق العظيم، عراق الحضارة لن يخلوا من القادة الأصلاء”، ومضى الإعلام يتحدث عن “علي الزيدي” بوصفه “المنقذ” و”كلنا الزيدي” والخ!

ونالت حركته إعلان دعم قطاع واسع من المجتمع، ويفكر البعض من الأحزاب والمنظمات باقامة تجمعات وتظاهرات التأييد والدعم له. وفي نشوة هذه الأجواء، تحدث عن أستعداده ومضيه قدماً في خطوته “للأخير” هذه حتى لو دفع “حياته” ثمناً. ونال فوراً تأييد المليارديرية، عرابي العملية السياسية وفاسديها الأصليين!! وتبين لاحقاً ان الأطار التنسيقي، عرّاب الزيدي، كان على علم، ومنذ فترة، بهذه الخطوة. 

فاتهم أن يسألوا كيف لشخص مغمور وعديم القاعدة الاجتماعية وليس له حزب او حكمة خاصة ولا تجربة سياسية، وهو نفسه من أثرى من هذه الوضعية أن يلعب هذا الدور “الهرقلي” في ايام قصار؟! إن وراء الأكمة ما ورائها!

ولكن، بدءاً، من حق جماهير العراق أن تفرح باعتقال ناهبي المال العام الذين ينامون على المليارات من الدولارات، في الوقت الذي تغط الأغلبية الساحقة للمجتمع في فقر وجوع وبؤس وانعدام خدمات وغياب قانون وعنف المليشيات وقتل الشباب المحتجة والخ. ليس ثمة أمراً مشروعاً أكثر من هذا.

بيد إن القضية أكبر من حملة إعتقالات لمسؤولين يعدون من الخط الثالث للسلطة والفساد، فالحيتان الرئيسية معلومة ومعروفة وبالأسماء ويقف بعضهم على رأس كتلته من رواد العملية السياسية من البدء، ويعيش المعتقلون في ظلهم من اليوم الاول للإحتلال ولليوم.

ينبغي عدم الانجرار وراء الاوهام. ليس من المفترض ولا من الممكن أن يُقضى، بهذه الخطوة أو غيرها، على الفساد ونهب المال العام. إذ لا يشكل هذا هدفا لأي من هذه الأطراف. إذ إذا اردت القضاء على النهب و”الفرهود” الذي تقوم به السلطة المليشياتية الطائفية والقومية، عليك أن تنهي العملية السياسية ككل وتطيح بها. وما أن مرّت ايام قليلة تحدث الزيدي عن (بأمكاننا أن نجد حلاً عبر أعادة “الاموال المنهوبة”)، ومن الآن تتسرب أحاديث عن إن من المؤمل إطلاق سراح عالية نصيف ومثنى السامرائي وآخرين. إن هذه الخطوة أقرب لكاريكاتير منه لشيء آخر جدي.

ولكن لنأتي الى أصل الموضوع. لايتعلق الأمر بما يسمى “الفساد” و”محاربة الفساد” و”هدر المال العام”، كما لا يتعلق بـ”تصفية حسابات داخلية”. وإنما هي فاتحة شروع حركة أخرى أوسع بكثير مرتبطة أساساً بتحولات المنطقة وتحديدأ الصراع الامريكي-الايراني وعواقبه وآثاره على الوضع السياسي في العراق ومحاولة لحسمه. ولتدفع المسلسل القديم للصراع المستمر بين هذين الطرفين (امريكا-ايران) والمتواصل منذ احتلال العراق لوضع جديد، لصالح أمريكا دون شك. غزت أمريكا العراق وكان لها اليد الطولى فيه ولكن آلت الأمور، بالاخص بعد دحر داعش، لوقوع العراق بصورة كلية في قبضة ايران.

إن التحولات الجارية في المنطقة، وبالاخص إثر حرب أمريكا على إيران، أدت الى ميل توازن القوى اليوم لصالح أمريكا، وهو ما يحفزها أكثر على الدفع بحسم مصير العراق كمنطقة نفوذ لأمريكا حصراً، مثلما جرى الأمر بإسلوب آخر مع سوريا الجولاني. إن حركة الزيدي، وبالتنسيق مع الأطار التنسيقي و(بتأييده ودعمه) تأتي في إطار خطى أمريكا لتعزيز نفوذها أمريكا في العراق وحسمه لصالحها وتكون قوى الإطار في فلك مخططاتها.

ولهذا بدأ التنفيذ العملي لهذا التوجه الجديد، في توازن قوى اقليمي وداخلي جديد، بلقاء برّاك بالزيدي ورئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان ذا اليد الطولى في العملية السياسية، وتسليم قائمة بأسماء من “الفاسدين” والذين كان لهم دور سواء صغير او كبير في تبييض الأموال وتهريب الدولار لايران. وبهذه الطريقة، بالاضافة الى جر الإطار التنسيقي حولها،  تسعى أمريكا لخنق هذا المنفذ المالي لايران من جهة، ومن جهة أخرى، يتمثل توجهها في إمالة ميزان القوى السياسي في العراق لصالح التوجهات الامريكية وإبعاد “العراق” عن إيران.

 في ظل توازن القوى الجديد، يمضي الإطار التنسيقي صاغراً مع هذا التوجه. تغض امريكا النظر عن “تاريخ” الإطار التنسيقي ويبقى دوره ومكانته في العملية السياسية وتدعمه مقابل إبتعاد الأطارعن نظام الجمهورية الاسلامية. إن الإطار التنسيقي الذي في السلطة والحكم وثروات مجتمع غني كلها بين ايديه، حاضر ومستعد على القبول بالدور الجديد والتخلي عن ميوله السابقة مقابل هذه المكانة التي في يديه والتي لم يحلم بها طيلة عمره. تتعامل أمريكا والاطار على السواء بصورة براغماتية الى ابعد الحدود: أي تخادم وتبادل مصالح.

ان كل ما جرى قد تم بالتنسيق مع الأطار التنسيقي. أي، باختصار: (نحفظ لكم سلطتكم، ونعفيكم من أي مسائلات تتعلق بالفساد أوغيره مقابل أن  تديروا ظهركم لايران أو تكفوا عن الأرتماء في الحضن الايراني وتاتون مع توجهاتنا الاخيرة. وعليكم أن تقبلوا بالوضع الجديد، (العراق منطقة نفوذ أمريكي خالص)! وفي ظل التوازن الجديد، قبلوا صاغرين بهذا التحول!

ورأى الطرفان مجيء حكومة جديدة فرصة للشروع بهذا التوجه. وتمثلت الخطوة الاولى لذلك بقيام الزيدي باتخاذ عملية نقل وإنتقال واسعة للمسؤولين من الاجهزة التنفيذية الحساسة الامنية والحكومية، وفي مقدمتها مدير البنك المركزي، وبعدها حملة الاعتقالات، وغيرها من توجهات، وان  يتم كل هذا قبل أن يزور الزيدي ترامب في البيت الابيض، والذي من المحتمل أو المقرر ان ينّصبه ترامب  بوصفه جولاني آخر!

وفيما يخص نزع سلاح الفصائل، والذي يعد هدف أساسي لأمريكا من أجل قطع أذرع مهمة لأيران في العراق، فمن غير الصعب إحتواء هذه القصة. ان فصائل ما يسمى بالمقاومة هي مليشيات عديمة الجذور والقاعدة الاجتماعية من جهة، ومن جهة أخرى، ان “لسانها الطويل” نابع من الدعم القوي للأطار التنسيقي لها في ظل “إيران ذات يد طولى في العراق”، وها هو الاطار يغيّر ميله للجهة المضادة لجهته السابقة، سيُسحب البساط من تحت اقدام هذه الفصائل وتصبح عديمة الحيلة والقدرة، ويُفرض عليها الإنزواء والتهميش، ويمكن دون شك مساومتهم صوب اندماجها بالاجهزة الامنية والقمعية للسلطة، وتعويض ورشوة قادتها بميزات ومناصب سياسية أو امنية أو حصص من الثروات، وهو هدف ومبتغى قادة هذه الفصائل المخضبة أياديهم بدماء الجماهير. إن تحديد 30 من شهر ايلول بوصفه آخر يوم لتسليم الفصائل سلاحها، وهو ما يتزامن مع يوم مغادرة قوات التحالف العراق، هو أمر مدروس ومتفق عليه مسبقاً من قبل جميع الأطراف المنهمكة بهذا التوجه.

  لهذا، فان حركة الزيدي الأخيرة كانت زوبعة للشروع عمليا بحركة وتوجه أخر يصب في مصلحة التوجهات الامريكية في المنطقة.    واذا ما أخذنا بنظر الإعتبار الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، لدمشق ولقاءه الجولاني-الشرع ومجيء المسؤولين الاتراك الى العراق، فان هناك توجه أو خطة هي ربط هذه البلدان سوية بمشروع أمريكي ينشد إضعاف النفوذ الايراني.

كما ان أمريكا ترى ان تنظيف الوضعية الاقتصادية وتقليم أظفار الفساد خطوة لا غنى عنها من أجل خلق ظروف إستثمار أنسب للشركات الامريكية. وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار حقيقة أن من بين أوائل القضايا التي تحدث عنها هي “التخلي عن الاقتصاد الاشتراكي”!! والتي تعني خلع يد الدولة من مسؤوليتها تجاه المجتمع وتوسيع الابواب أمام هجمة شرسة على القطاع العام من قبل القطاع الخاص وهو تمهيد ورسالة للاستثمارات الامريكية لتوسيع وجودها في العراق، وهي رسائل واضحة لترامب ولامريكا وسعي الاطار التنسيقي لجعل العراق منظقة نفوذ أمريكية صرف!  

3/4/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى