
نـضـال الـنــجـار
بات ارتفاع تكاليف المعيشة ظاهرة متلازمة لحياة العمال والكادحين في العراق. وهو مشكلة قديمة لكنها بلغت اشدها منذ بداية العقد الحالي في العراق بالذات فيما بعد ارتفاع سعر صرف الدولار خلال حكومة الكاظمي السابقة وتلتها حكومتا السوداني وعلي الزيدي على نفس السجية. وفي خلال فترة كلٍ من هذه الحكومات المنصرفة قد اعطيت وعود لعامة الناس بتدارك كل من ازمتي الغلاء وتردي الخدمات العامة وغيرها مثل مسألة البطالة والكثير غيرها, الا أن كل من هذه المشاكل لا تزال جارٍ حتى يومنا هذا, فأين الحلول الموعودة؟ وهل تستطيع حكومة الزيدي تدارك هذه المسائل؟

لقد كشف اغلاق مضيق هرمز عن هشاشة الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بشكل أساس على تصدير النفط الخام (البترول)؛ إذ أن للعراق وظيفة معينة في بيئة النظام الرأسمالي العالمي. ألا وهي: كونه “محطة تزود” بالنفط لتغذية احتياجات الطاقة العالمية للدول الأخرى لا اكثر؛ وهذه الحقيقة هي محور أساس لفهم تحديات الاقتصاد العراقي الذي وبسبب هذه الصفة، يحدد انفاقاته بحسب تقلب اسعار النفط بدال الاعتماد على باقي مصادر الدخل والسيولة الممكنة. فعندما تم اغلاق مضيق هرمز جراء الحرب الامريكية-الإيرانية؛ تم هدم اكبر عمود لعواميد الاقتصاد العراقي الذي كان هشاً كما هو عليه قبل ذلك. مما أدى إلى حدوث أزمات في مسألة السيولة المالية ومخزنة الدولة وجعل العراق على طريقه نحو ركود اقتصادي لا محالة منه.
وكان أول الضحايا لهذه العاصفة هو الجماهير العمالية والكادحة، إذ سرعان ما ارتفعت اصوات الطبقة السياسية محملةً رواتب موظفي القطاع العام اكبر المسؤولية وكونها “عبئً” على الاقتصاد العراقي (مع كون 43% من الانفاق العام على الرواتب يصرف على القوات الأمنية و15% على نفقات وراتب المسؤولين بحسب احصائيات وزارة التخطيط . أي 60% من انفاقات الرواتب مع كونهم 25% من اجمالي الموظفين) إلى جانب المداعاة “بإعادة هيكلة” الديون الداخلية والخارجية أي خصخصة الدوائر والخدمات المجانية التي يتحمل عبئها عامة الناس الذين يداعى بقطع رواتبهم تارة وتارة بجعل ابسط الخدمات العامة خلف حاجز مالي. وتم فيم بعد ايقاف جميع مشاريع البنى التحتية ومعاملتها كأنها حمل ميت على عاتق الخزينة فيم يتم نصح الحكومات في أزمات مشابهة بإنعاش الانفاق العام على هذه المشاريع وعلى رواتب الموظفين وغيرها لإنعاش السوق وتدارك أزمة الغلاء (التضخم) واستيعاب السيولة إلى جانب التقليل من أزمة البطالة عن طريق هذه المشاريع وكل تداعياتها على السوق المحلي في قصير المدى واعطائها فرصة للأسواق المحلية بالتوسع حين انجازها مما يساعد على زيادة الانتاجية وامتصاص هذا النوع من الأزمات كما فعلت اقتصادات العالم لتدارك أزمة 2008 فيما ساء الحال في الدول التي اتبعت نهج الخصخصة واعادة الهيكلة ولا تزال على هذا الحال إلى يومنا هذا كما في اليونان وغيرها كما هو ديدن الاقتصاد الرأسمالي.

قد يتراود في ذهن البعض بأن الحل يكمن ببساطة بقطع الاعتماد على النفط وتشعب الموارد الإقصادية للدولة ومصادر العملة الصعبة؛ إلا أنه توجد عقبةٌ اضافية قد تكون اكبر من ما سبق, ألا وهي: المافيات الداخلية. أي شبكات النقوذ والمؤسسات الداخلية التي تتحكم بسير الحياة اليومية التي تستفيد من غلاء المعيشة وتردي الخدمات العامة, كمافيات الكهرباء التي تستفاد من أزمة تردي تلك الخدمة عن طريق المولدات الخاصة على سبيل المثال وغيرها من المستفيدين الذين لهم تأثير لا يستهان به على الحكومات المحلية وعلى جميع اذرع الدولة والدوائر فلما كان للطبقة السياسية الاعتماد الاكبر على هذه “المافيات” لوصولها إلى السلطة؛ فإنها بالتالي تراعي مصالحها كونها تستمد نفوذها وقوتها السياسية منها. وهذه الدائرة المغلقة تؤدي إلى أي جهود تسعى نحو التغيير من الوضع الراهن بالانهيار لتصادمها مع مصالح هذه الفئة. وأي “اعتقالات للفاسدين” أو غيرها من الاجراءات لا يعالج المشكلة الأساسية وتحاول “ترقيع” ما لا يمكن “ترقيعه” كمن يطلي جداراً مليئاً بالتشققات.
إَذ يكمن الحل الوحيد لهذه الأزمة المتجددة في منظومة جديدة تستمد قوتها ونفوذها من دعم الجماهير الكادحة التي تمثل غالبية سكان العراق، لا على شبكات النفوذ والفساد المالي واصحاب الشركات والاجهزة القمعية لإسكات أي محاولات للتغيير أو الاعتماد على التدخلات الخارجية, لا بتغيير حكومة بأخرى تختلف شخوصها لكنها متأصلة من ذات الجذور سواء كانت حكومة الزيدي أم غيرها.
18/7/2026




