
فارس محمود
“إنها اكبر تهديد” تواجه أمريكا وهي تمثل “تهديد قاتل للحرية الأمريكية”، و”إنها سرطان ينبغي إستئصاله” و… هكذا وصف ترامب الشيوعية في خطابه بمناسبة الذكرى (250) للإستقلال! كما تحدث عن “عودة خطر الشيوعية”.
ليس هذا وحسب، بل تمادى وهرطق إن أمريكا لن تصبح دولة شيوعية ابداً”، كما لو أن مفتاح كتابة تاريخ أمريكا والمجتمعات بيده! فاته إن من يقرر مصير المجتمعات هي الطبقات والصراعات السياسية-الاجتماعية الحية في المجتمع، صراع الطبقات، وقوى إجتماعية حيّة، وفي مقدمتها طبقة مليونية عظيمة، الطبقة العاملة، والجماهير الكادحة والمحرومة. وليس تلك العبارات الفارغة التي تهرطق بها نيكسون وريغان وبوش الاب و…غيرهم من قبله. لم يستطع قبله لجمها، ولا أعتقد انه أفضل من أسلافه، وبالأخص في ظل التناقضات والأزمات العميقة والشاملة التي تعصف بالنظام الرأسمالي، بالأخص في أمريكا .
تغطية على فشل ذريع: بغض النظر عن فهم ترامب لمعنى الشيوعية، فان هدفه من هذه الهرطقة، وتمثل جزءاً من استراتيجيته السياسية، هو كسب قوى اليمين المتشدد وأكثر الأجنحة المحافظة واليمينية تشدداً في الانتخابات النصفية المقبلة المؤمل لها ان تجري في نوفمبر من هذا العام، وبالأخص إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار التراجع الجدي والكبير لسياساته وفشله في العديد من القضايا والملفات الساخنة سواء خارجياً أو محلياً. ففي الانتخابات الرئاسية التي ادّعى فيها انه يفهم الاوضاع “الصعبة” التي يعيشها المواطن العادي، وعد بتحسين الوضع الاقتصادي، و”جلب وطائف جديدة” و”خفض التضخم” و… الخ ولكن الوضع ساد سوءاً بدرجة هائلة، إذ تعاظم الجوع والفقر والبطالة. كما نقض كل وعده بانهاء ” الحروب الغبية” التي لا تعرف النهاية التي تتورط فيها امريكا من حيث فشله تجاه غنهاء الصراع الروسي-الأوكراني الذي وعد إنه سينهيها في غضون يومين، والملف الايراني حيث تورط فيه ولا يعرف كيفية الخروج منه، فلا الحرب تحقق أهدافه ولا المفاوضات والسلام، ناهيك عن تعاظم الجوع والفقر والبطالة و…الخ، أضافة الى وجود أدلة تثبت ضلوعه بقضايا بشعة مثل فضيحة أبستين وغيرها! إن هدف هذا الصخب هو حرف الأنظار عن كل هذه الأزمات.
ميلان المجتمع لليسار: كما إن خطاب ترامب، في جانب منه، هو رد فعل على الانتصارات الأخيرة في الانتخابات التمهيدية التي حققها على الأقل أربعة من ، خصومه، الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم “اشتراكيون ديمقراطيون” أو “تقدميون”. ويُركّز ترامب والجمهوريون على هؤلاء المرشحين “اليساريين المتطرفين” باعتبارهم القلب الحقيقي للحزب الديمقراطي و”تهديدًا” للولايات المتحدة، قلّ تهديداً للحزب الجمهوري في الانتخابات النصفيو. وبغض النظر عن إن خطاب ترامب ورسالته موجهة للجناح اليساري للحزب الديمقراطي من امثال زهدان ممداني، ووعودهم الاصلاحية البسيطة حول السكن ودرجة من التأمين الصحي… وغيرها، إلا إن أصل القضية هو تنامي حركة شيوعية ويسارية على وجه العموم وباشكال فهم مختلفة للإشتراكية وغير ذلك. أي إن ما يقض مضجع ترامب، والطبقة البرجوازية ككل التي يعد ترامب ممثلاً سياسياً لها، هو ذلك “الشبح”، شبح الشيوعية الذي تحدث عنه ماركس في اوربا، المتنامي في المجتمع قبل غيره.
ان “تهمة” الشيوعية والاشتراكية لم تعد لها ذلك التاثير التي كان لها في اعقاب الحرب العالمية الثانية. بل على العكس، إن اغلبية الشباب في امريكا مثلا يفضلون الاشتراكية على الرأسمالية. ان العامل الامريكي ينشد تغير الوضع الكارثي الحالي. انه يدرك بانه لا يمكن تحمله. ان الدليل على هذا هو فوز زهران ممداني كعمدة نيويورك في وقت هو شاب يعرف نفسه كـ”مسلم”، و”اشتراكي” من ابوين مهاجرين وبشرته ليست بيضاء.
ان ” البعبع” الشيوعي والاشتراكي لم يعد يخيف الناس. ففي إستطلاع اقامه معهد تاتو في أمريكا وهو يدافع عن إقتصاد السوق الحرة، عُرضت نتائجه قبل اسبوع من خطاب ترامب المذكور، اشار الى 53% من الجيل الجديد يفضلوا الاشتراكية على الراسمالية وان نظرة 38 % منهم للشيوعية ايجابية، ولكن تقل النسبة مع الكبار (5%) الذين لازالوا تحت تاثير ضغط ودعايات الحرب الباردة. وعليه، فإن 51% من الشباب لديهم استعداد لمنح صوتهم لمرشح اشتراكي في الانتخابات النصفية. وهذا سر فوز زهدان ممداني كعمدة لمدينة نيويورك. ليس لدى الشباب ذلك “الخوف” السابق لمرحلة الحرب الباردة،. وان هذه المسالة هي اجتماعية. كيف لا وهم يرون الذكاء الاصطناعي يلتهم الوظائف!
وكعنصري من طراز رفيع، لم يفوّت فرصة الهجوم على المهاجرين واللاجئين على إنهم سبب هذا “الخطر” بقوله: “هناك الآن عودة للخطر الشيوعي في أرضنا، بما في ذلك من قبل القادمين الجدد إلى بلدنا الذين يتبنّون أفكارًا معارضة تمامًا لأسلوب حياتنا ونجاحنا العظيم”. إنه “تحريض” عليهم. ولكن لو صدق كلامه هذا، فاي خدمة قدّمها هؤلاء لمجتمع أمريكا!
لقد صدّعت البرجوازية العالمية وصحاها الذليلة والخانعة رؤوس البشرية جمعاء قبل عقود قلال بـ”نهاية الشيوعية” و”إحالة ماركس الى الرفوف”، و”نهاية التأريخ وصراع الطبقات” وإن “اقتصاد السوق هو النموذج الانجع والخالد” وغيرها من ترهات، لم تمضي سوى عقود قليلة حتى طلّ ماركس برأسه من جديد في قلب العالم الراسمالي ليصبح “رجل الألفية”، ويغدو رأس المال أهم كتاب في تاريخ البشر وليس الأنجيل ولا القرآن ولا التوراة ولا مدينة افلاطون الفاضلة! وفي الذكرى 150 للبيان الشيوعي، تحول الى الكتاب الأكثر مبيعاً في العالم.
ليس بوسعهم حذف ماركس. إنهيار الف إتحاد سوفيتي لا يدلل ذرة على حقانية تلك الدعاية الصاخبة الكاذبة حول “دفن ماركس”. فالعالم عالم طبقات. ولن تزول مبررات ماركس إلا بزوال الطبقات وبناء المجتمع الشيوعي. بوسع الراسمالية ان تتفادى هذا المصير فقط عبر: إفناء البشرية بترسانتها النووية أو إنقراض الإنسان دراء تغيرات جيولوجية وكونية إستثنائية. لا سبيل لها غير ذلك!
كلما على زعيقهم على الشيوعية، دلّل على سعة خوفهم وإرتعابهم منها. فإن كانت “لا شيء”، لماذا يصرف رئيس اكبر دولة في العالم الوقت في خطاب مهم للحديث عنها وعن “خطر”ها. إنهم يتحدثون عن موت الشيوعية كي يميتوها، وعن إنتهاء الشيوعية كي ينهوها، لأن يعرفون حق المعرفة ان اساس وجود ماركس والشيوعية هو وجود الرأسمالية والعمل المأجور والطبقة العاملة.
إن عالم الراسمال هو عالم الجوع والفقر المتعاظم، عالم البطالة، عالم الإدمان والمخدرات، عالم الجريمة المنظمة والمافيات، عالم الدعارة وتجارة الرقيق الأبيض، عالم الحروب والمجازر والتشرد والتوحش والبربرية، عالم إغتراب الإنسان. إن من يدافع عن الرأسمالية، فإنه يدافع عن وحشيته بالأساس، ومن يرى في الراسمالية عالم خالد، فأن أما له مصلحة في بقاء كل هذه المصائب على رؤوس مليارات البشر، أو يغط في وهم كبير.
أرادوا بكل السبل محو الشيوعية وتجريم، جرّموها بشتى أشكال القصف الإعلامي، وتحدثوا عنها على إنها “تناقض ذات الانسان” وعلى “إنها دكتاتورية” والخ. ولكنهم أخفقوا في المطاف الأخير. هل ثمة إجرام بقدر إجرام الرأسمالية. إن عالم الراسمال هو عالم الحروب. لقد ذهبت حرب واحدة، العالمية الثانية/ منها فقط لتفتك بحياة أكثر من 60 مليون إنسان، وابادت مئات الملايين في حروبها وفقرها وعوزها وسجونها ومعتقلاتها ومقابرها الجماعية وإنعدام أمل الناس في حياة عادية سليمة ومؤمنة. إن الرأسمالية ماكنة جز رقاب، ماكنة إبادة جماعية.
تحدث عن إن “الشيوعية عدو الأحرار في كل مكان في العالم”. لا يا سيدي! لقد إرتبطت الشيوعية بكل نضال عادل وحق. ما أن تدافع عن اجور العمال وساعات عملهم ومعيشتهم وحياة أفضل لهم، حتى يهمسوا بينهم “انه شيوعي!”. وما ان تعبر عن إيمانك بالمساواة بين البشر ولا تمييز بين الناس على أساس دين أو طائفة أو بلد، حتى يقولوا “انه شيوعي”. وكذلك الحال لو كنت نصير حقوق المرأة وحقوق الأطفال ومدافع عن حرية الراي والتعبير وعن تأسيس الاتحادات والنقابات المهنية!!
لن ينفع ترامب محاولة احياء ارث مكارثية القرن المنصرم التي صورت الشيوعية كـ”شر ليس من بعده شر”.
وإذا نستعير عبارة ماركس عن حوادث التاريخ، سنقول: إذا كانت “مكارثية” مرحلة الحرب الباردة في طورها التراجيدي آنذاك، فان ترامب يصيغ نسختها “الهزلية” اليوم!
14 تموز 2026




