
والمهام الملقاة على عاتق الشيوعيين
سمير عادل
مرة أخرى يعود عمال النفط إلى الواجهة، إذ نظموا قبل أيام احتجاجات واسعة في البصرة للمطالبة بصرف حصتهم من الأرباح المتأخرة. وبخلاف معظم الاحتجاجات التي شهدها العراق، ولا سيما احتجاجات الخريجين المطالبين بفرص العمل، فإن احتجاجات عمال النفط، شأنها شأن عدد من الاحتجاجات العمالية الأخرى، لم تتعرض للقمع من قبل الحكومة. وهذا يبين، من دون أدنى لبس أو شك، أن الحكومة تتعامل بحذر مع عمال النفط، وتدرك موقعهم الاستراتيجي وثقلهم الاقتصادي، وما يمكن أن يشكله دخولهم في مواجهة مفتوحة معها من تأثير كبير.
الطبقة البرجوازية الحاكمة في العراق، التي تمثلها سياسيًا اليوم حكومة الزيدي، تحاول ترحيل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها نظامها إلى الطبقة العاملة وعموم الشرائح الاجتماعية المحرومة في العراق، عبر سلسلة من الإجراءات التي سماها رئيسها علي الزيدي، بالقضاء على “العقلية الاشتراكية”. فمثلما ترامب الرئيس الأمريكي الذي يصف معارضيه بالشيوعيين لانهم يطالبون بمجانية التعليم الجامعي والصحي، فان الزيدي أيضا يصف كل من يطالب بالمطالب التي يحاربها الزيد با”لعقلية الاشتراكية”
الأزمة الاقتصادية ليست نتاج الفساد والسرقة والنهب الرسمي فقط، مثل منح امتيازات ورواتب ضخمة للرئاسات الثلاثة والجيش البيروقراطي من المستشارين، الذي وصل عددهم إلى أكثر من 80 شخصًا في مكتب رئيس الوزراء وحده في حكومة السوداني، اذ يتقاضون معاشات برتبة وزير، بل تمتد أيضًا إلى حفنة من المأجورين الذين يجمِّلون وجه النظام السياسي ويقرعون طبول إنجازاته الوهمية، إلى جانب منح امتيازات لأقاربهم وأصدقائهم، وتعيينات لحمايات وقوات أمنية خاصة تابعة لهم. فضلا على ذلك، تلعب سياسات المؤسسات المالية الرأسمالية العالمية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، دورًا في تفاقم الأزمة، مستغلة الظروف التي يمر بها العراق بحجة سخيفة مفادها أن هناك نحو أربعة ملايين موظف في القطاع العام يجب نقلهم إلى القطاع الخاص، أو إجبارهم على التقاعد، ووقف أي تعيينات حكومية جديدة، بينما لا تعترض هذه المؤسسات حتى لفظيًا أو عبر تصريحات إعلامية منافقة، على رفض تلك التعيينات والامتيازات التي تتمتع بها الرئاسات الثلاثة والمرافق المرتبطة بها.
في المقابل، حتى الدول التي تُسمَّى بالديمقراطية، وهي مراكز هذه المؤسسات المالية، تتحمل مسؤولياتها تجاه مواطنيها من خلال دفع إعانات البطالة وتأهيل العاطلين عن العمل عبر منحهم للحصول على دورات تدريبية وتعليمية لتوسيع فرص الحصول على وظائف، وتخصيص جزء من الضرائب التي يدفعها العمال والموظفون لتوفير خدمات عامة مثل تبليط الشوارع، إنشاء الحدائق العامة، الاهتمام بالبيئة، التعليم، والمستشفيات. بينما في العراق، ينفق النظام السياسي هذه الموارد على الميليشيات ويوزعها على الجوقة من مأجوريه.
إن الهجمات الحكومية المتتالية، ليست موجهة ضد عمال النفط أو العاملين في قطاع التربية فحسب، وليست مرتبطة فقط بانخفاض أسعار النفط. فمن يعود إلى قانون الموازنة الذي أقرّه البرلمان قبل ثلاث سنوات، يلحظ تنصل الحكومة من مسؤولياتها تجاه المجتمع، سواء على صعيد خلق فرص العمل أو الإنفاق العام على الخدمات الصحية. وإذا عدنا إلى احدى بنود الموازنة المذكورة التي ألغيت بفعل احتجاجات عمال المصافي في الناصرية والبصرة وبغداد، ولا سيما المادة (42) التي كانت ترفع سعر برميل النفط الأسود، يتضح أن هذه الهجمة ليست وليدة اللحظة ولا من تفتق عقلية الزيدي التي يحاول استئصال “العقلية الاشتراكية”، بل هي سياسة ممنهجة تسعى هذه الطبقة الفاسدة إلى فرضها على العمال والكادحين ومحرومي المجتمع.
وعليه، من الوهم الاعتقاد بأن هذا النظام الحاكم، أو أي حكومة سينتجه، لن يمد يديه إلى جيوب العمال والموظفين. والجميع يعلم أن حوالي 90٪ من الاقتصاد العراقي يعتمد على إنتاج النفط وبيعه، وهذه الوضعية جاءت نتيجة سياسة مدروسة من قبل المؤسسات المالية العالمية، لتجعل العراق يحتل فقط هذه المكانة في تقسيم العمل الإنتاجي للرأسمالية العالمية، إلى جانب جعله بيئة خصبة للعمالة الرخيصة التي تفتقر إلى الضمان الاجتماعي اللائق، والخدمات الصحية المناسبة، والتعليم الجيد، بحيث يتحول العراق إلى مزرعة للعمالة المستغلة، تحقق الأرباح للرأسمالية العالمية وتلقى فتاتاً منها إلى ممثليها السياسيين في العراق، أي النظام الحاكم.
إن مد يد الحكومة إلى جيوب العمال والموظفين بشكل اكبر ليست الا مسالة وقت، لأنه ليس لديها برنامج اقتصادي، وليس في نيتها القضاء على الفساد بعر دك معاقل الفساد وقلع جذوره بالرغم من الصخب الإعلامي الذي اثارته ما سمي بالحرب على الفساد التي لم تمس عرابي وعمالقة الفساد، إذ إن النظام برمته مبني على أساس الفساد، وإنهاء الفساد يعني الانتحار السياسي، أو ما يمكن وصفه بإطلاق الرصاص على قدميه. أي ان الأزمة الاقتصادية هي عارض من عوارض أزمة بنيوية لهذا النظام، وبات غير قادر على ادامة نفسه بالطريقة القديمة عبر الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط والطلب العالمي على هذه السلعة والمحاولة من خلاله طمس ماهيته السياسية والاقتصادية المعادية حتى النخاع لمصالح العمال والأقسام الاجتماعية المحرومة.
ومن هنا، يجب الاستعداد الكامل لفرض التراجعات المتلاحقة على هذا النظام حتى يسلم كل أدواته وسلاحه ووضع حد لمد اليد الى جيوب العمال والكادحين. وهذا لن يتحقق بالاعتماد على الاحتجاجات المؤقتة أو فعل ورد فعل عابر.
بعبارة أخرى، تقع على عاتق الطبقة العاملة في العراق، وفي مقدمتها عمال النفط، مسؤولية التحضير والاستعداد لمواجهة هذا النظام الفاسد واللصوصي على جميع الصعد. ولا ينبغي لها أن تنخدع بالشعارات التي يرفعها بشأن الحرب على الفساد، فهي ليست سوى سياسة تضليلية واضحة تهدف إلى خداع الجماهير وصرف الأنظار عن جوهر الأزمة.
لابد الإشارة الى وجود تحديات عديدة امام قيادة عمال النفط نضالات الطبقة عموم القطاعات العمالية وتوحيد صفوفها من اجل تحقيق مطالبها وانتصارها في معركتها النهائية. ويلعب العمال الشيوعيين دور كبيرا في هذا المضمار.
التحديات ودور العمال الشيوعيين:
إن التحدي الأول الذي يواجه عمال النفط هو الفئوية، إلى جانب الدعاية المضادة التي تروّج لها أطراف مشبوهة، وقسم من المتوهمين والمخدوعين الذين ينظرون إلى ارتفاع أجور بعض العمال ويظنون أنهم ينتمون إلى طبقة مترفة. كما تروج دعايات تزعم أنهم يعملون مع الأجنبي ويخدمون مصالحه، في حين أن الحكومات المتعاقبة، بما فيها من يُعدّون أنفسهم أشد المخلصين للدين والموسومين بختم التقوى والورع على جباههم نتيجة كثرة التعبد والصلاة، هي التي وقّعت العقود مع تلك الشركات الأجنبية.
بشكل عام، من لا يعرف أوضاع عمال النفط وينظر فقط إلى أجورهم، يجد نفسه في صف المخدوعين، إلى جانب الأبواق المأجورة التي تسعى إلى النيل من وحدة صف عمال النفط ومن مصيرهم المشترك مع بقية الأقسام العمالية.
يُعدّ عمال النفط من أكثر الفئات الاجتماعية تعرضًا للأمراض السرطانية، التي تكلف في كثير من الحالات مبالغ طائلة اضطر العمال إلى دفعها من مدخراتهم أو من بيع ممتلكاتهم التي جمعوها على مدى عشرات السنين من أجل العلاج. هذا فضلًا عن أن الشركات الأجنبية، وبالتنسيق مع الحكومة العراقية عبر شركة النفط الوطنية، عملت على سلب العديد من حقوق العمال، ولا سيما في بدلات الغذاء والسكن والرعاية الصحية.
إن ما يتقاضاه العمال من رواتب ومعاشات يجب أن يُقارن بالقدرة الشرائية، وبالظروف البيئية وشروط العمل التي يعملون فيها، لا برواتب ومعاشات الأقسام الاجتماعية الأخرى، مع الأخذ في الاعتبار ساعات العمل، وخطورة المهنة، ومعايير السلامة المهنية وبيئة العمل بشكل عام.
وعليه، فإن الفئوية تمثل تحديًا حقيقيًا أمام عمال النفط، وعليهم تجاوزه من خلال الظهور كقوة مدافعة عن بقية أقسام الطبقة العاملة. كما يجب تبديد هذه الدعايات المغرضة والكاذبة التي، كما أشرنا، لا تخدم إلا الطبقة البرجوازية. وهنا يبرز دور العمال الشيوعيين في تفنيد هذه الادعاءات وتوضيحها، وفي إبراز مسؤولية عمال النفط في الدفاع عن إخوانهم في الموانئ وقطاعات الأسمنت والأدوية والقطاع الخاص.
إن تجاوز الفئوية لا يقتصر على عمال النفط فحسب، بل يشمل سائر الأقسام الاجتماعية للطبقة العاملة، ويمثل أولوية مهمة لنا كشيوعيين إذا أردنا توحيد الطبقة العاملة وتحويل التضامن فيما بينها إلى صخرة تتكسر عليها كل القوانين والسياسات الحكومية المعادية للعمال والكادحين.
وعلى العمال الشيوعيين إدراك أن عودة عمال النفط إلى بيوتهم من دون وعي بما تخطط له الحكومة والمؤسسات الرأسمالية العالمية قد يُستغل لتفريق صفوف العمال واحتواء الاحتجاجات، وبالتالي تمهيد الطريق لمدّ الأيدي إلى جيوب عمال النفط وبقية الأقسام العمالية والموظفين.
صناعة النفط ليست قضية محلية فحسب، بل هي قضية عالمية، والمؤسسات الرأسمالية العالمية لن تقف مكتوفة الأيدي، بل قد تكون مستعدة للتخادم مع الميليشيات لضرب العمال واستهدافهم حفاظًا على أرباحها. لذلك يجب توضيح هذه القضية بشكل موسع عبر الاجتماعات، وورش العمل، والندوات، واللقاءات، وكذلك في الصحافة العمالية وشبكات التواصل الاجتماعي.
التحدي الثاني يتمثل في غياب المرجعية العمالية. ومن الضروري إبراز القادة والشخصيات العمالية الموثوقة لتكون مرجعيات حقيقية لعمال قطاع النفط. وعلى الشيوعيين والعمال الواعين توظيف جميع إمكاناتهم الإعلامية والدعائية لإبراز هذه المرجعيات المهمة. وكما أن للطبقة البرجوازية والنظام السياسي الحاكم ممثلين وزعماء يعبرون عن مصالحهم، فإن للطبقة العاملة أيضًا قادة واعين يمثلون مصالحها المستقلة والمشتركة.
ومن خلال هذه المرجعيات يمكن بلورة أي شكل تنظيمي لعمال النفط، إذ إن التنظيم شرط أساسي لتحقيق الانتصارات وفرض التراجع النهائي على النظام البرجوازي القائم. فالطبقة البرجوازية، كما نراها اليوم، رغم صراعاتها الداخلية، بل وحتى الاقتتال بينها في بعض المراحل، تتوحد عندما يتعلق الأمر بمواجهة العمال، وتتحرك بشكل منسق ضد كل من ينادي بسلب امتيازاتها. وقد رأينا ذلك في انتفاضة تشرين، حين شارك التيار الصدري في قمع التظاهرات، رغم انخراطه في بداياتها، سواء عند رفع شعارات تتعلق بمعاداة بمشاركة المرأة والمساواة، أو في سياقات الصراع على رئاسة الوزراء، بما في ذلك مرحلة تكليف مصطفى الكاظمي.
أما التحدي الثالث فيتمثل في غياب الترابط بين عمال النفط وبقية الأقسام العمالية الأخرى. ومن هنا يبرز دور العمال الشيوعيين والواعيين في أن يكونوا رابطًا وجسرًا بين مختلف القطاعات العمالية، مثل العاملين في التربية والصحة والنفط، من أجل توحيد الصف، وشرح الأوضاع وتوضيحها للعاملين في هذه القطاعات، بما يعزز الوعي المشترك ويقوي التضامن العمالي.
وأخيرًا، فإن التضامن الذي أبداه عمال الموانئ مع مطالب عمال النفط واحتجاجاتهم قبل ٦ اشهر يشير إلى فجرٍ جديد قد يشرق على الطبقة العاملة، ويمنح أملًا كبيرًا في أن يتجه المجتمع في العراق، عبر دور الطبقة العاملة، نحو الحرية والرفاه. وذلك مرهون بإدراك العمال في العراق لدورهم المصيري في إنقاذ الجماهير من وحل الفقر والعوز وانعدام الحريات.
4/7/2026



