
مرتضى احمد
لطالما عانت الحركة العمالية والاشتراكية في منطقتنا من تيارات شعبوية، تحاول، أن تجد “شرعية” لمطالبها عبر التمسح بالتاريخ الديني. ومن أبرز هذه المحاولات البائسة هو ذلك الخطاب الشعبوي الذي يسعى جاهداً للربط بين “الاشتراكية” وبين صراع الحسين بن علي ويزيد بن معاوية في كربلاء، مصوراً إياه على أنه “ثورة اشتراكية مبكرة” أو “انتفاضة للمستضعفين ضد الظلم”. إن هذا الخلط الأيديولوجي ليس مجرد خطأ فكري عابر، بل هو تشويه متعمد لجوهر الصراع الطبقي، وفخ برجوازي صغير يهدف إلى تجريد الطبقة العاملة من سلاحها الأساسي: الوعي الطبقي.
إن الصراع الذي دار في القرن السابع الميلادي في كربلاء على فرض صحته التاريخية، لم يكن صراعاً بين طبقة عاملة تبيع قوة عملها ورأسماليين يحتكرون وسائل الإنتاج، ولا ثورة احرار لنصرة المستضعفين بل كان صراعاً سياسياً داخل النخبة – القبيلة حول “الشرعية السياسية” وأحقية الخلافة (بين بنو امية وبنو هاشم) إن تصدير الحسين ك”شخصية اشتراكية” هو إسقاط تاريخي هزلي بشكل مفرط.
تلجأ التيارات اليسارية الشعبوية (اليسار القومي) إلى استبدال المقولات الماركسية العلمية بمفردات عاطفية. فبدلاً من “الطبقة العاملة والطبقة البرجوازية” يستخدمون مصطلحات مثل “الفقراء والاغنياء” او المستضعفين والمهمشين. هذا الاستبدال في المصطلحات يحاول طمس الصراع الطبقي… فكلمة “المستضعفين” هو وعاء فارغ يمكن أن يضم العامل والكادح والفلاح الفقير والبرجوازي الصغير المفلس وحتى التاجر المتضرر من سياسات الدولة. هذا الخلط يمحو الدور الطليعي والتاريخي للطبقة العاملة كقوة قادرة على شل النظام الرأسمالي من خلال موقعها في عملية الإنتاج. بالإضافة الى ان هذا الخطاب يحول الصراع من صراع مادي طبقي حول فائض القيمة ووسائل الانتاج الى صراع اخلاقي بين “الخير والشر”.
الاشتراكية ليست صرخة أخلاقية مجردة من أجل “العدالة”، بل هي حركة مادية تهدف إلى إلغاء رأس المال والعمل المأجور والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ولا يمكن تحقيقها إلا عبر طبقة محددة تاريخياً: الطبقة العاملة.
إن أخطر ما تنتجه هذه التيارات الشعبوية هو آلية التعبئة… فالاشتراكية العلمية تبني قوتها عبر المجالس العمالية، النقابات المستقلة، الإضرابات، والوعي الطبقي بمكانة العمال في علاقات الانتاج وتنظيمهم من اجل مصالحهم الطبقية الخاصة. أما “الاشتراكية” الشعبوية تحاول ان تستمد قوتها من الثقافة السائدة والاستثمار في الاوهام التي تخلقها الانظمة البرجوازية وحث العامل ان يستلهم نضاله من قصص دينية وصراعات تاريخية ليس لها اي صلة بمصالح الطبقة العاملة واهدافها
عندما يتم ربط وعي العامل برمزية تاريخية دينية، يسهل جداً على المؤسسة الدينية (التي تمثل تاريخياً جناحاً من أجنحة البرجوازية الحاكمة) أن تبتلعه وتحتويه. ففي اللحظة الحاسمة، سيتبع العامل المعبأ دينياً “رجل الدين”، لأنه المحتكر الفعلي والشرعي للرموز الدينية التي يستلهم نضاله منها.
إن محاولات تطعيم الماركسية والاشتراكية بالغيبيات والقصص الدينية الرثائية لا تنتج وعياً ثورياً، بل تنتج هجيناً مشوهاً يخدم بقاء النظام الرأسمالي. إنها تعفي الرأسمالية المعاصرة ببنوكها ومصانعها ودولتها القمعية وميليشياتها من التحليل العلمي الجاد، وتغرق العمال في دوامة من التماهي العاطفي مع صراعات الماضي.
إن الطبقة العاملة ليست بحاجة إلى استعارة أمجاد الماضي الأرستقراطي أو الروايات والصراعات الدينية لتثبت عدالتها. إن تبرير الاشتراكية لا يكمن في “الحسين ويزيد وواقعة الطف”، ولا في أي كتاب مقدس، بل يكمن في معاناة العمال اليومية داخل المصانع، في الاحياء الفقيرة، في التناقض الصارخ بين ثروة الرأسماليين وبؤس منتجي تلك الثروة الحقيقيين.
25 حزيران 2026


